بعض تفسيرات باطنية الصوفية والفلاسفة
فقرتان، ج ١٤ ص ٢٣٨
- ج ١٤ ص ٢٣٨
{وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} بِأَنَّهَا بَنُو أُمَيَّةَ. وَأَمَّا بَاطِنِيَّةُ الصُّوفِيَّةِ فَيَقُولُونَ فِي قَوْله تَعَالَى {اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ} إنَّهُ الْقَلْبُ و {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} إنَّهَا النَّفْسُ وَيَقُولُ أُولَئِكَ هِيَ عَائِشَةُ وَيُفَسِّرُونَ هُمْ وَالْفَلَاسِفَةُ تَكْلِيمَ مُوسَى بِمَا يَفِيضُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ أَوْ غَيْرِهِ وَيَجْعَلُونَ (خَلْعَ النَّعْلَيْنِ تَرْكَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيُفَسِّرُونَ (الشَّجَرَةَ الَّتِي كُلِّمَ مِنْهَا مُوسَى و (الْوَادِيَ الْمُقَدَّسَ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِأَحْوَالِ تَعْرِضُ لِلْقَلْبِ عِنْدَ حُصُولِ الْمَعَارِفِ لَهُ وَمِمَّنْ سَلَكَ ذَلِكَ صَاحِبُ " مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ " وَأَمْثَالُهُ وَهِيَ مِمَّا أَعْظَمَ الْمُسْلِمُونَ إنْكَارَهُ عَلَيْهِ وَقَالُوا أَمْرَضَهُ " الشِّفَاءُ " وَقَالُوا: دَخَلَ فِي بُطُونِ الْفَلَاسِفَةِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فَمَا قَدَرَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَطْعَنُ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ وَيَقُولُ: إنَّهَا مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِ وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: بَلْ رَجَعَ عَنْهَا وَهَذَا أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِكُفْرِ الْفَلَاسِفَةِ فِي مَسَائِلَ وَتَضْلِيلِهِمْ فِي مَسَائِلَ أَكْثَرَ مِنْهَا وَصَرَّحَ بِأَنَّ طَرِيقَتَهُمْ لَا تُوَصِّلُ إلَى الْمَطْلُوبِ. وَبَاطِنِيَّةُ الْفَلَاسِفَةِ يُفَسِّرُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالشَّيَاطِينَ بِقُوَى النَّفْسِ وَمَا وُعِدَ النَّاسُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ بِأَمْثَالِ مَضْرُوبَةٍ لِتَفْهِيمِ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ اللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ لَا بِإِثْبَاتِ حَقَائِقَ مُنْفَصِلَةٍ يَتَنَعَّمُ بِهَا وَيَتَأَلَّمُ بِهَا وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الصُّوفِيَّةِ مَا لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ عَنْ أَئِمَّتِهِمْ وَمُتَقَدِّمِيهِمْ كَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَهْلِ
ج ١٤ ص ٢٣٩الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُوجَدُ عَنْ أَئِمَّتِهِمْ وَمُتَقَدِّمِيهِمْ. وَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ - مَعَ ضَلَالِهِمْ وَجَهْلِهِمْ - يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ وَأَعْرَفُ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَمُتَقَدِّمِيهَا حَتَّى آلَ الْأَمْرُ بِهِمْ إلَى أَنْ جَعَلُوا الْوُجُودَ وَاحِدًا كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَرَبِيٍّ صَاحِبُ الْفُصُوصِ وَأَمْثَالُهُ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ كُلِّ عَقْلٍ وَدِينٍ وَهُمْ يَدَّعُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ الشُّيُوخَ الْمُتَقَدِّمِينَ: كالْجُنَيْد بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التستري وَإِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ وَغَيْرِهِمْ مَاتُوا وَمَا عَرَفُوا التَّوْحِيدَ وَيُنْكِرُونَ عَلَى الْجُنَيْد وَأَمْثَالِهِ إذَا مَيَّزُوا بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ كَقَوْلِهِ: " التَّوْحِيدُ " إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ. وَلَعَمْرِي إنَّ تَوْحِيدَهُمْ الَّذِي جَعَلُوا فِيهِ وُجُودَ الْمَخْلُوقِ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِلْحَادِ الَّذِي أَنْكَرَهُ الْمَشَايِخُ الْمُهْتَدُونَ وَهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ بَاطِلٌ فَأَنْكَرُوهُ وَحَذَّرُوا النَّاسَ مِنْهُ وَأَمَرُوهُمْ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ وَالْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَالْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ وَأَنْ التَّوْحِيدَ أَنْ يَعْلَمَ مُبَايَنَةَ الرَّبِّ لِمَخْلُوقَاتِهِ وَامْتِيَازَهُ عَنْهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ. ثُمَّ إنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ مِنْ الْمُرْسَلِينَ وَأَنَّ الرُّسُلَ إنَّمَا تَسْتَفِيدُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ مِنْ مِشْكَاتِهِمْ وَيُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِمَا يُوَافِقُ بَاطِنَهُمْ الْبَاطِلَ كَقَوْلِهِ: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} فَهِيَ الَّتِي خَطَتْ بِهِمْ فَغَرِقُوا فِي بِحَارِ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَقَوْلِهِمْ إنَّ الْعَذَابَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعُذُوبَةِ وَيَقُولُونَ: إنَّ
ج ١٤ ص ٢٤٠كَلَامَ نُوحٍ فِي حَقِّ قَوْمِهِ ثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ بِلِسَانِ الذَّمِّ وَيُفَسِّرُونَ قَوْله تَعَالَى {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} بِعِلْمِ الظَّاهِرِ بَلْ {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} فَلَا يَعْلَمُونَ غَيْرَهُ {وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} فَلَا يَسْمَعُونَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَرَوْنَ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَا غَيْرَ لَهُ فَلَا يَرَوْنَ غَيْرَهُ. وَيَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ} أَنَّ مَعْنَاهُ قَدَّرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ مَوْجُودٌ سِوَاهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ فَكُلُّ مَنْ عَبَدَ الْأَصْنَامَ وَالْعِجْلَ مَا عَبَدَ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ مَا ثَمَّ غَيْرٌ وَأَمْثَالُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ وَالتَّفْسِيرَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَكُلُّ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ كَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَجِمَاعُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْبَابَ نَوْعَانِ: " أَحَدُهُمَا " أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ بَاطِلًا؛ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمَا عَلِمَ فَهَذَا هُوَ فِي نَفْسِهِ بَاطِلٌ فَلَا يَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ إلَّا بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ حَقٌّ. و " الثَّانِي " مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ حَقًّا لَكِنْ يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بِأَلْفَاظِ لَمْ يُرِدْ بِهَا ذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي يُسَمُّونَهُ " إشَارَاتٍ " و " حَقَائِقُ التَّفْسِيرِ " لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ كَثِيرٌ.
- ج ١٤ ص ٢٤١
وأَمَّا " النَّوْعُ الْأَوَّلُ " فَيُوجَدُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ الْقَرَامِطَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ الْمُخَالِفِينَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أُصُولِ دِينِهِمْ فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ قَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ عَلِمَ أَنَّ كُلَّ مَا يَذْكُرُونَهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ وَمَنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا دَامَ عَقْلُهُ حَاضِرًا عَلِمَ أَنَّ مَنْ تَأَوَّلَ نَصًّا عَلَى سُقُوطِ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِهِمْ فَقَدْ افْتَرَى وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الْخَمْرَ وَالْفَوَاحِشَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا دَامَ عَقْلُهُ حَاضِرًا عَلِمَ أَنَّ مَنْ تَأَوَّلَ نَصًّا يَقْتَضِي تَحْلِيلُ ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ مُفْتَرٍ. وَأَمَّا " النَّوْعُ الثَّانِي " فَهُوَ الَّذِي يَشْتَبِهُ كَثِيرًا عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَإِنَّ الْمَعْنَى يَكُونُ صَحِيحًا لِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الشَّأْنَ فِي كَوْنِ اللَّفْظِ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ دَلَّ عَلَيْهِ وَهَذَانِ قِسْمَانِ: " أَحَدُهُمَا " أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُرَادٌ بِاللَّفْظِ فَهَذَا افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ فَمَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {تَذْبَحُوا بَقَرَةً} هِيَ النَّفْسُ وَبِقَوْلِهِ {اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ} هُوَ الْقَلْبُ {وَالَّذِينَ مَعَهُ} أَبُو بَكْرٍ {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} عُمَرُ {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} عُثْمَانُ {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} عَلِيٌّ: فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ إمَّا مُتَعَمِّدًا وَإِمَّا مُخْطِئًا. و " الْقِسْمُ الثَّانِي " أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاعْتِبَارِ وَالْقِيَاسِ