حديث أبي هريرة: " حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين. . . " ليس هو من الباطن الذي يخالف الظاهر كما ادعى - بيان ذلك
٣ فقرات، ج ١٤ ص ٢٥٥
- ج ١٤ ص ٢٥٥
عَدْلٍ كُنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ مَوْصُوفٌ بِالْعَدْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ لِمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ؛ فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا الشَّرَابَ الْمَصْنُوعَ مِنْ الذُّرَةِ وَالْعَسَلِ خَمْرًا عَلِمْنَا أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي هَذَا النَّصِّ فَعَلِمْنَا بِأَعْيَانِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَعْيَانِ الْمُنَافِقِينَ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَهَذَا هُوَ مِنْ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ. وَهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ مُؤْمِنٍ وَكُلَّ مُنَافِقٍ وَمَقَادِيرَ إيمَانِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ وَمَا يُخْتَمُ لَهُمْ. وَأَمَّا الرَّسُولُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} فَاَللَّهُ يُطْلِعُ رَسُولَهُ وَمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ: " حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِرَابَيْنِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْته فِيكُمْ وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْته لَقَطَعْتُمْ هَذَا الْبُلْعُومَ " . وَلَكِنْ لَيْسَ فِي هَذَا مِنْ الْبَاطِنِ الَّذِي يُخَالِفُ الظَّاهِرَ شَيْءٌ؛ بَلْ وَلَا فِيهِ مِنْ حَقَائِقِ الدِّينِ وَإِنَّمَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْجِرَابِ الْخَبَرُ عَمَّا سَيَكُونُ مِنْ الْمَلَاحِمِ وَالْفِتَنِ فَالْمَلَاحِمُ الْحُرُوبُ الَّتِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ وَالْفِتَنِ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ
ج ١٤ ص ٢٥٦وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَوْ أَخْبَرَكُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّكُمْ تَقْتُلُونَ خَلِيفَتَكُمْ وَتَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا لَقُلْتُمْ كَذَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِظْهَارُ مِثْلِ هَذَا مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ وَأَعْوَانُهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْبَارِ بِتَغَيُّرِ دُوَلِهِمْ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إنَّمَا أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَلَا مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الدِّينِ مِنْهُ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُهُ وَغَيْرَهُ بِالْحَدِيثِ فَيَسْمَعُونَهُ كُلُّهُمْ وَلَكِنْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظَهُمْ لِلْحَدِيثِ بِبَرَكَةِ حَصَلَتْ لَهُ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ حَدِيثًا فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَلَا يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ} وَقَدْ رُوِيَ " أَنَّهُ كَانَ يُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: ثُلُثًا يُصَلِّي وَثُلُثًا يَنَامُ وَثُلُثًا يَدْرُسُ الْحَدِيثَ " وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ قَطُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثًا يُوَافِقُ الْبَاطِنِيَّةَ وَلَا حَدِيثًا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ الْمَعْلُومَ مِنْ الدِّينِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ أَنْ يَنْقُلَ عَنْهُ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْهُ بَلْ النُّقُولُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْهُ كُلُّهَا تُصَدِّقُ مَا ظَهَرَ مِنْ الدِّينِ وَقَدْ رَوَى مِنْ أَحَادِيثِ صِفَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَحْقِيقِ الْعِبَادَاتِ مَا يُوَافِقُ أُصُولَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَيُخَالِفُ قَوْلَ أَهْلِ الْبُهْتَانِ.
- ج ١٤ ص ٢٥٧
وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَرَّازِ وَأَمْثَالِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَمَا يَذْكُرُهُ أَبُو طَالِبٍ فِي كِتَابِهِ وَغَيْرُهُ وَكَلَامُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ يَقُولُ بِبَاطِنِ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ وَمَا يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ فِي كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ أَوْ غَيْرِهِ. فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يُقَالَ: مَا عُلِمَ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ فَهُوَ نَقْلُ مُصَدِّقٍ عَنْ قَائِلٍ مَعْصُومٍ وَمَا عَارَضَ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَقْلًا عَنْ غَيْرِ مُصَدِّقٍ أَوْ قَوْلًا لِغَيْرِ مَعْصُومٍ فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّا يُنْقَلُ عَنْ هَؤُلَاءِ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ وَالصِّدْقُ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ مَا أَصَابُوا فِيهِ تَارَةً وَأَخْطَئُوا فِيهِ أُخْرَى وَأَكْثَرُ عِبَارَاتِهِمْ الثَّابِتَةِ أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ مُتَشَابِهَةٌ لَوْ كَانَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الْمَعْصُومِ لَمْ تُعَارِضْ الْحُكْمَ الْمَعْلُومَ فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ مِنْ قَوْلِ غَيْرِ الْمَعْصُومِ. وَقَدْ جَمَعَ أَبُو الْفَضْلِ الْفَلَكِيُّ كِتَابًا مِنْ كَلَامِ أَبِي يَزِيدَ البسطامي سَمَّاهُ " النُّور مِنْ كَلَامِ طيفور " فِيهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ لَا رَيْبَ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى أَبِي يَزِيدَ البسطامي وَفِيهِ أَشْيَاءُ مِنْ غَلَطِ أَبِي يَزِيدَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَفِيهِ أَشْيَاءُ حَسَنَةٌ مِنْ كَلَامِ أَبِي يَزِيدَ وَكُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
-
وَمَنْ قِيلَ لَهُ عَنْ أَبِي يَزِيدَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَشَايِخِ: أَنَّهُ قَالَ لِمُرِيدِيهِ:
ج ١٤ ص ٢٥٨إنْ تَرَكْتُمْ أَحَدًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُ النَّارَ فَأَنَا مِنْكُمْ بَرِيءٌ فَعَارَضَهُ الْآخَرُ وَقَالَ: قُلْت لِمُرِيدِيَّ إنْ تَرَكْتُمْ أَحَدًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُ النَّارَ فَأَنَا مِنْكُمْ بَرِيءٌ؛ فَصَدَّقَ هَذَا النَّقْلَ عَنْهُ ثُمَّ جَعَلَ هَذَا الْمُصَدِّقُ لِهَذَا عَنْ أَبِي يَزِيدَ أَوْ غَيْرِهِ يَسْتَحْسِنُهُ وَيَسْتَعْظِمُ حَالَهُ فَقَدْ دَلَّ عَلَى عَظِيمِ جَهْلِهِ أَوْ نِفَاقِهِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ دُخُولِ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُشَفَّعُ فِيهِمْ بَعْدَ أَنْ تُطْلَبَ الشَّفَاعَةُ مِنْ الرُّسُلِ الْكِبَارِ: كَنُوحِ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فَيَمْتَنِعُونَ وَيَعْتَذِرُونَ. ثُمَّ صَدَّقَ أَنَّ مُرِيدِي أَبِي يَزِيدَ أَوْ غَيْرِهِ يَمْنَعُونَ أَحَدًا مِنْ الْأُمَّةِ مِنْ دُخُولِ النَّارِ أَوْ يُخْرِجُونَ هُمْ كُلَّ مَنْ دَخَلَهَا كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا مِنْهُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ بِحِكَايَةِ مَنْقُولَةٍ كَذَبَ نَاقِلُهَا أَوْ أَخْطَأَ قَائِلُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ كَانَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأُصُولِ الْإِيمَانِ. فَعَلَى الْمُسْلِمِ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَنْ يَعْرِفَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَأَمَرَ بِهِ عِلْمًا يَقِينِيًّا؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَدَعُ الْمُحْكَمَ الْمَعْلُومَ لِلْمُشْتَبِهِ الْمَجْهُولِ فَإِنَّ مِثَالَ ذَلِكَ مِثْلُ مَنْ كَانَ سَائِرًا إلَى مَكَّةَ فِي طَرِيقٍ مَعْرُوفَةٍ لَا شَكَّ أَنَّهَا تُوَصِّلُهُ إلَى مَكَّةَ إذَا سَلَكَهَا فَعَدَلَ عَنْهَا إلَى طَرِيقٍ مَجْهُولَةٍ لَا يَعْرِفُهَا وَلَا يَعْرِفُ مُنْتَهَاهَا وَهَذَا مِثَالُ مَنْ عَدَلَ