البعض يفضل بعض الأولياء على الأنبياء
فقرتان، ج ١٤ ص ٢٦٧
- ج ١٤ ص ٢٦٧
فِي الظَّاهِرِ؛ لَا مِنْ الْخَوَاصِّ وَلَا مِنْ الْعَوَامِّ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُفَضِّلُ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ يَجْعَلُونَ الْخَضِرَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَذَا خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ مَشَايِخُ الطَّرِيقِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ دَعْ عَنْك سَائِرَ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ لَمَّا تَكَلَّمَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ " خَتْمِ الْأَوْلِيَاءِ " بِكَلَامِ ذَكَرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَرُبَّمَا لَوَّحَ بِشَيْءِ مِنْ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ - قَامَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَأَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَنَفَوْهُ مِنْ الْبَلَدِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِكَلَامِ فَاسِدٍ بَاطِلٍ لَا رَيْبَ فِيهِ. وَمِنْ هُنَاكَ ضَلَّ مَنْ اتَّبَعَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى صَارَ جَمَاعَاتٌ يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ كَابْنِ عَرَبِيٍّ صَاحِبِ " الْفُصُوصِ " وَسَعْدِ الدِّينِ بْنِ حَمَوَيْهِ وَغَيْرِهِمَا وَصَارَ بَعْضُ النَّاسِ يَدَّعِي أَنَّ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يَكُونُ أَفْضَلَ فِي الْعِلْمِ بِاَللَّهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ الَّتِي يَطُولُ وَصْفُهَا مِمَّا هُوَ بَاطِلٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ بَلْ طَوَائِفُ كَثِيرُونَ آلَ الْأَمْرُ بِهِمْ إلَى مُشَاهَدَةِ الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ وَظَنُّوا أَنَّ مَنْ شَهِدَهَا سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَهَذَا هُوَ دِينُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} .
- ج ١٤ ص ٢٦٨
وَهَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَيُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ يُشْبِهُونَ الْمَجُوسَ وَهَؤُلَاءِ يُشْبِهُونَ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالشَّرَائِعِ فَهُمْ مِنْ شَرِّ النَّاسِ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. و " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّ الظَّاهِرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَاطِنٍ يُحَقِّقُهُ وَيُصَدِّقُهُ وَيُوَافِقُهُ فَمَنْ قَامَ بِظَاهِرِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ بِالْبَاطِنِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَمَنْ ادَّعَى بَاطِنًا يُخَالِفُ ظَاهِرًا فَهُوَ كَافِرٌ مُنَافِقٌ بَلْ بَاطِنُ الدِّينِ يُحَقِّقُ ظَاهِرَهُ وَيُصَدِّقُهُ وَيُوَافِقُهُ وَظَاهِرُهُ يُوَافِقُ بَاطِنَهُ وَيُصَدِّقُهُ وَيُحَقِّقُهُ فَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ رُوحٍ وَبَدَنٍ وَهُمَا مُتَّفِقَانِ فَلَا بُدَّ لِدِينِ الْإِنْسَانِ مِنْ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ يَتَّفِقَانِ فَالْبَاطِنُ لِلْبَاطِنِ مِنْ الْإِنْسَانِ وَالظَّاهِرُ لِلظَّاهِرِ مِنْهُ. وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ ذِكْرِ أَحْكَامِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنُ أَصْلُ الظَّاهِرِ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْقَلْبُ مَلِكٌ وَالْأَعْضَاءُ جُنُودُهُ فَإِذَا طَابَ الْمَلِكُ طَابَتْ جُنُودُهُ وَإِذَا خَبُثَ الْمَلِكُ خَبُثَتْ جُنُودُهُ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ} وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ} وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ
ج ١٤ ص ٢٦٩الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إيمَانًا مَعَ إيمَانِهِمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَقَالَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} وَقَالَ: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يُصْلِحَ بَوَاطِنَنَا وَظَوَاهِرَنَا وَيُوَفِّقَنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِنَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.