ما نفاه السلف في آيات الصفات إنما هو العلم بالكيفية
فقرتان، ج ١٤ ص ٣٠٨
- ج ١٤ ص ٣٠٨
وَهُوَ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ كَانَا هُمَا وَأَصْحَابُهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إثْبَاتًا لِلصِّفَاتِ وَرِوَايَةً لَهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ يَعْرِفُ هَذَا وَمَا فِي التَّابِعِينَ أَجَلُّ مِنْ أَصْحَابِ هَذَيْنِ السَّيِّدَيْنِ بَلْ وَثَالِثُهُمَا فِي عِلْيَةِ التَّابِعِينَ مِنْ جِنْسِهِمْ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُمْ وَمِثْلُهُمَا فِي جَلَالَتِهِ جَلَالَةُ أَصْحَابِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ لَكِنَّ أَصْحَابَهُ مَعَ جَلَالَتِهِمْ لَيْسُوا مُخْتَصِّينَ بِهِ بَلْ أَخَذُوا عَنْ غَيْرِهِ مِثْلِ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَوْ كَانَ مَعَانِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَنْفِيًّا أَوْ مَسْكُوتًا عَنْهُ لَمْ يَكُنْ رَبَّانِيُّو الصَّحَابَةِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَكْثَرَ كَلَامًا فِيهِ. ثُمَّ إنَّ الصَّحَابَةَ نَقَلُوا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ التَّفْسِيرَ مَعَ التِّلَاوَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ قَطُّ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي: حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ عُثْمَانُ بْنُ عفان وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالُوا فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ. وَكَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ كَانُوا إذَا سُئِلُوا عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَنْفُوا مَعْنَاهُ بَلْ يُثْبِتُونَ الْمَعْنَى وَيَنْفُونَ الْكَيْفِيَّةَ كَقَوْلِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ
ج ١٤ ص ٣٠٩تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كَيْفَ اسْتَوَى فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ وَكَذَلِكَ رَبِيعَةُ قَبْلَهُ. وَقَدْ تَلَقَّى النَّاسُ هَذَا الْكَلَامَ بِالْقَبُولِ فَلَيْسَ فِي أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ يُنْكِرُهُ. وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ مَعْلُومٌ كَمَا أَنَّ سَائِرَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مَعْلُومٌ وَلَكِنَّ الْكَيْفِيَّةَ لَا تُعْلَمُ وَلَا يَجُوزُ السُّؤَالُ عَنْهَا لَا يُقَالُ كَيْفَ اسْتَوَى. وَلَمْ يَقُلْ مَالِكٌ الْكَيْفُ مَعْدُومٌ وَإِنَّمَا قَالَ الْكَيْفُ مَجْهُولٌ. وَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَقُولُونَ لَا تَخْطُرُ كَيْفِيَّتُهُ بِبَالِ وَلَا تَجْرِي مَاهِيَّتُه فِي مَقَالٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ كَيْفِيَّةٌ وَلَا مَاهِيَّةٌ. فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: " الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ " أَنَّ وُرُودَ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْقُرْآنِ مَعْلُومٌ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعْرِفَةَ مَعَانِيهَا مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ. قِيلَ: هَذَا ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَإِنَّ السَّائِلَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ وَقَدْ تَلَا الْآيَةَ. وَأَيْضًا فَلَمْ يَقُلْ: ذِكْرُ الِاسْتِوَاءِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا إخْبَارُ اللَّهِ بِالِاسْتِوَاءِ؛ وَإِنَّمَا قَالَ:
ج ١٤ ص ٣١٠الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ. فَأَخْبَرَ عَنْ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ الْجُمْلَةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: " وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ " وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ مَجْهُولٌ أَوْ تَفْسِيرُ الِاسْتِوَاءِ مَجْهُولٌ أَوْ بَيَانُ الِاسْتِوَاءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَمْ يَنْفِ إلَّا الْعِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِوَاءِ لَا الْعِلْمَ بِنَفْسِ الِاسْتِوَاءِ. وَهَذَا شَأْنُ جَمِيعِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ لَوْ قَالَ فِي قَوْلِهِ: {إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} كَيْفَ يَسْمَعُ وَكَيْفَ يَرَى؟ لَقُلْنَا: السَّمْعُ وَالرُّؤْيَا مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَلَوْ قَالَ: كَيْفَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا؟ لَقُلْنَا: التَّكْلِيمُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ قَالَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ حَقِيقَةً وَأَنَّ ذَاتَه فَوْقَ ذَاتِ الْعَرْشِ لَا يُنْكِرُونَ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ وَلَا يَرَوْنَ هَذَا مِنْ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ بِالْكُلِّيَّةِ. ثُمَّ السَّلَفُ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَفْسِيرِهِ بِمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: ارْتَفَعَ عَلَى الْعَرْشِ عَلَا عَلَى الْعَرْشِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ عِبَارَاتٍ أُخْرَى وَهَذِهِ ثَابِتَةٌ عَنْ السَّلَفِ قَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَعْضَهَا فِي آخِرِ كِتَابِ " الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة " . وَأَمَّا التَّأْوِيلَاتُ الْمُحَرَّفَةُ مِثْلُ اسْتَوْلَى وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهِيَ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ لَمَّا ظَهَرَتْ الْجَهْمِيَّة.
- ج ١٤ ص ٣١١
وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ أَنَّ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ لَيْسَ فِي خُصُوصِ الصِّفَاتِ؛ بَلْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ يَا عَائِشَةُ إذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرِيهِمْ} وَهَذَا عَامٌّ. وَقِصَّةُ صَبِيغِ بْنِ عَسَلٍ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ أَشْهَرِ الْقَضَايَا فَإِنَّهُ بَلَّغَهُ أَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ حَتَّى رَآهُ عُمَرُ فَسَأَلَ عُمَرَ عَنْ {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} فَقَالَ: مَا اسْمُك؟ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ فَقَالَ: وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ وَضَرَبَهُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إذَا أَلَحَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ يَقُولُ مَا أَحْوَجَك أَنْ يُصْنَعَ بِك كَمَا صَنَعَ عُمَرُ بِصَبِيغِ. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ غَرَضَ السَّائِلِ ابْتِغَاءُ الْفِتْنَةِ لَا الِاسْتِرْشَادُ وَالِاسْتِفْهَامُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ {إذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} فَعَاقَبُوهُمْ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ الْفَاسِدِ كَاَلَّذِي يُعَارِضُ بَيْنَ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: {لَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضِ} فَإِنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ الشَّكَّ فِي قُلُوبِهِمْ. وَمَعَ ابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ ابْتِغَاءُ تَأْوِيلِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ فَكَانَ مَقْصُودُهُمْ مَذْمُومًا وَمَطْلُوبُهُمْ مُتَعَذِّرًا مِثْلَ أُغْلُوطَاتِ الْمَسَائِلِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا.