الإقرار بالرب والملائكة معروف عند عامة الأمم - بيان ذلك
فقرتان، ج ١٤ ص ٣١٩
- ج ١٤ ص ٣١٩
إذْ كَانَتْ الْأُمَمُ مُعْتَرِفَةً بِالصَّافَّاتِ وَكَانَتْ مَعْرِفَتُهُ ظَاهِرَةً عِنْدَهُمْ لَا يَحْتَاجُ إلَى إقْسَامٍ بِخِلَافِ التَّوْحِيدِ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ يُقِرُّ بِهَا عَامَّةُ الْأُمَمِ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ مَعَ شِرْكِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ بِالرُّسُلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْمَلَائِكَةَ. قَالَ قَوْمُ نُوحٍ: {مَا هَذَا إلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} وَقَالَ تَعَالَى: {أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} {إذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} وَقَالَ فِرْعَوْنُ: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} وَكَذَلِكَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} وَقَالَ تَعَالَى عَنْ الْأُمَمِ مُطْلَقًا: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا}
- ج ١٤ ص ٣٢٠
فَكَانَتْ هَذِهِ الْأُمَمُ الْمُكَذِّبَةُ لِلرُّسُلِ الْمُشْرِكَةُ بِالرَّبِّ مُقِرَّةً بِاَللَّهِ وَبِمَلَائِكَتِهِ فَكَيْفَ بِمَنْ سِوَاهُمْ؟ فَعَلِمَ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالرَّبِّ وَمَلَائِكَتِهِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْأُمَمِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يُقْسِمْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَقْسَمَ عَلَى التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ مُشْرِكُونَ. وَكَذَلِكَ (الذَّارِيَاتُ) و (الْحَامِلَاتُ) و (الْجَارِيَاتُ) هِيَ أُمُورٌ مَشْهُودَةٌ لِلنَّاسِ و (الْمُقَسِّمَاتُ) أَمْرًا هُمْ الْمَلَائِكَةُ فَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَقْسَمَ بِهِ مَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ؛ فَذَكَرَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ. فَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} . و (الْمُرْسَلَاتُ) سَوَاءٌ كَانَتْ هِيَ الْمَلَائِكَةَ النَّازِلَةَ بِالْوَحْيِ وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ فِي الْآخِرَةِ أَوْ الرِّيَاحَ أَوْ هَذَا وَهَذَا؛ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ أَيْضًا. وَأَمَّا (النَّازِعَاتُ غَرْقًا) فَهِيَ الْمَلَائِكَةُ الْقَابِضَةُ لِلْأَرْوَاحِ وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْجَزَاءَ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} {ثُمَّ رُدُّوا إلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} . . . (١) هُوَ، وَلَا يُعِينُ عَلَى عِبَادَتِهِ إلَّا هُوَ وَهَذَا يَقِينٌ يُعْطِي الِاسْتِعَانَةَ وَالتَّوَكُّلَ،