ليس في القدر لابن آدم حجة ولا عذر

٣ فقرات، ج ٢ ص ٣٢٣

  1. وَظَاهِرًا وَنَهَاهُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَقَدَّرَ مَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَخَلَقَ الْعَبْدَ وَجَمِيعَ أَعْمَالِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَكَوْنُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ " كُنْ " بَاطِنًا وَظَاهِرًا.

    ج ٢ ص ٣٢٣
  2. وَلَيْسَ فِي الْقَدَرِ حُجَّةٌ لِابْنِ آدَمَ وَلَا عُذْرٌ بَلْ الْقَدَرُ يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَالْمُحْتَجُّ بِالْقَدَرِ فَاسِدُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ مُتَنَاقِضٌ فَإِنَّ الْقَدَرَ إنْ كَانَ حُجَّةً وَعُذْرًا: لَزِمَ أَنْ لَا يُلَامَ أَحَدٌ؛ وَلَا يُعَاقَبَ وَلَا يُقْتَصَّ مِنْهُ وَحِينَئِذٍ فَهَذَا الْمُحْتَجُّ بِالْقَدَرِ يَلْزَمُهُ - إذَا ظُلِمَ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ وَحُرْمَتِهِ - أَنْ لَا يَنْتَصِرَ مِنْ الظَّالِمِ وَلَا يَغْضَبَ عَلَيْهِ وَلَا يَذُمَّهُ؛ وَهَذَا أَمْر مُمْتَنِعٌ فِي الطَّبِيعَةِ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَفْعَلَهُ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ طَبْعًا مُحَرَّمٌ شَرْعًا. وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً وَعُذْرًا: لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مَلُومًا وَلَا مُعَاقَبًا وَلَا فِرْعَوْنُ وَقَوْمُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلَا كَانَ جِهَادُ الْكُفَّارِ جَائِزًا وَلَا إقَامَةُ الْحُدُودِ جَائِزًا وَلَا قَطْعُ السَّارِقِ وَلَا جَلْدُ الزَّانِي وَلَا رَجْمُهُ وَلَا قَتْلُ الْقَاتِلِ وَلَا عُقُوبَةُ مُعْتَدٍ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ. وَلَمَا كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ بَاطِلًا فِي فِطَرِ الْخَلْقِ وَعُقُولِهِمْ: لَمْ تَذْهَبْ إلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ وَلَا هُوَ مَذْهَبُ أَحَدٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ يَطْرُدُونَ قَوْلَهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةُ أَحَدٍ لَا فِي دُنْيَاهُ وَلَا آخِرَتِهِ وَلَا يُمْكِنُ اثْنَانِ أَنْ يَتَعَاشَرَا سَاعَةً وَاحِدَةً؛ إنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُلْتَزِمًا مَعَ الْآخَرِ نَوْعًا مِنْ الشَّرْعِ فَالشَّرْعُ نُورُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَعَدْلُهُ بَيْنَ عِبَادِهِ.

  3. لَكِنَّ الشَّرَائِعَ تَتَنَوَّعُ: فَتَارَةً تَكُونُ مُنَزَّلَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَتَارَةً لَا تَكُونُ كَذَلِكَ ثُمَّ الْمَنْزِلَةُ: تَارَةً تُبَدَّلُ وَتُغَيَّرُ - كَمَا غَيَّرَ أَهْلُ الْكِتَابِ شَرَائِعَهُمْ - وَتَارَةً لَا تُغَيَّرُ وَلَا تُبَدَّلُ وَتَارَةً يَدْخُلُ النَّسْخُ فِي بَعْضِهَا وَتَارَةً لَا يَدْخُلُ. وَأَمَّا الْقَدَرُ: فَإِنَّهُ لَا يَحْتَجُّ بِهِ أَحَدٌ إلَّا عِنْدَ اتِّبَاعِ هَوَاهُ فَإِذَا فَعَلَ فِعْلًا مُحَرَّمًا بِمُجَرَّدِ هَوَاهُ وَذَوْقِهِ وَوَجْدِهِ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ بِحُسْنِ الْفِعْلِ وَمَصْلَحَتِهِ اسْتَنَدَ إلَى الْقَدَرِ كَمَا قَالَ الْمُشْرِكُونَ: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلَّا تَخْرُصُونَ} {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ بِهَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الدِّينِ وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ. وَالْقَوْمُ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسُوغُ لِكُلِّ أَحَدٍ الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ فَإِنَّهُ لَوْ خَرَّبَ أَحَدٌ الْكَعْبَةَ؛ أَوْ شَتَمَ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ أَوْ طَعَنَ فِي دِينِهِمْ لَعَادَوْهُ وَآذَوْهُ كَيْفَ وَقَدْ عَادَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الدِّينِ وَمَا فَعَلَهُ هُوَ أَيْضًا مِنْ الْمَقْدُورِ. فَلَوْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ حُجَّةً لَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ. فَإِنْ كَانَ كُلُّ مَا يَحْدُثُ فِي الْوُجُودِ فَهُوَ مُقَدَّرٌ فَالْمُحِقُّ وَالْمُبْطِلُ يَشْتَرِكَانِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ إنْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ صَحِيحًا وَلَكِنْ كَانُوا يَتَعَمَّدُونَ عَلَى

    ج ٢ ص ٣٢٥مَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ جِنْسِ دِينِهِمْ وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ بَلْ هُمْ يَخْرُصُونَ. {وَمُوسَى لَمَّا قَالَ لِآدَمَ: لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيمَا قَالَ لِمُوسَى - لَمْ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ عَامًا؟ فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى} لَمْ يَكُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُحْتَجًّا عَلَى فِعْلِ مَا نُهِيَ عَنْهُ بِالْقَدَرِ وَلَا كَانَ مُوسَى مِمَّنْ يُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَيَقْبَلُهُ بَلْ آحَادُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذَا فَكَيْفَ آدَمَ وَمُوسَى؟ . وَآدَمُ قَدْ تَابَ مِمَّا فَعَلَ وَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ وَهَدَى وَمُوسَى أَعْلَمُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ يَلُومَ مَنْ هُوَ دُونَ نَبِيٍّ عَلَى فِعْلٍ تَابَ مِنْهُ فَكَيْفَ بِنَبِيِّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ؟ وَآدَمَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّوْبَةِ وَلَمْ يَجْرِ مَا جَرَى مِنْ خُرُوجِهِ مِنْ الْجَنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لَكَانَ لإبليس وَغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ مُوسَى يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لَمْ يُعَاقَبْ فِرْعَوْنُ بِالْغَرَقِ وَلَا بَنُو إسْرَائِيلَ بِالصَّعْقَةِ وَغَيْرِهَا كَيْفَ وَقَدْ قَالَ مُوسَى {رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} وَقَالَ: {أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ. وَإِنَّمَا كَانَ لَوْمُ مُوسَى لِآدَمَ مِنْ أَجْلِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي لَحِقَتْهُمْ بِآدَمَ مِنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {لِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ} ؟ وَاللَّوْمُ لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي لَحِقَتْ الْإِنْسَانَ نَوْعٌ وَاللَّوْمُ لِأَجْلِ الذَّنْبِ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ نَوْعٌ آخَرُ

    ج ٢ ص ٣٢٤