الشر الموجود ليس شرا على الإطلاق ولا شرا محضا

٣ فقرات، ج ١٥ ص ٢١

  1. يَقُولَ: خَيْرًا تَلَقَّاهُ وَشَرًّا تَوَقَّاهُ خَيْرًا لَنَا وَشَرًّا لِأَعْدَائِنَا} فَإِنَّهُ إذَا أَصَابَ الْعَبْدَ شَرٌّ سُرَّ قَلْبُ عَدُوِّهِ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لِهَذَا وَشَرٌّ لِهَذَا؛ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيًّا وَلَا عَدُوًّا فَلَيْسَ فِي حَقِّهِ خَيْرًا وَلَا شَرًّا وَلَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ مَا يُؤْلِمُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ دَائِمًا وَلَا مَا يُؤْلِمُ جُمْهُورَهُمْ دَائِمًا؛ بَلْ مَخْلُوقَاتُهُ إمَّا مُنْعِمَةٌ لَهُمْ أَوْ لِجُمْهُورِهِمْ فِي أَغْلَبِ الْأَوْقَاتِ كَالشَّمْسِ وَالْعَافِيَةِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ مَا هُوَ شَرٌّ مُطْلَقًا عَامًّا. فَعُلِمَ أَنَّ الشَّرَّ الْمَخْلُوقَ الْمَوْجُودَ شَرٌّ مُقَيَّدٌ خَاصٌّ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ هُوَ بِهِ خَيْرٌ وَحُسْنٌ وَهُوَ أَغْلَبُ وَجْهَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلَّا بِالْحَقِّ} وَقَالَ: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} . وَقَدْ عَلَم الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مَا إلَّا لِحِكْمَةِ؛ فَتِلْكَ الْحِكْمَةُ وَجْهُ حُسْنِهِ وَخَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ شَرٌّ مَحْضٌ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ؛ وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك} وَكَوْنُ الشَّرِّ لَمْ يُضَفْ إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ؛ بَلْ إمَّا بِطْرِيقِ الْعُمُوم أَوْ يُضَافُ إلَى السَّبَبِ أَوْ يُحْذَفُ فَاعِلُهُ.

    ج ١٥ ص ٢١
  2. فَهَذَا الشَّرُّ الْمَوْجُودُ الْخَاصُّ الْمُقَيَّدُ سَبَبُهُ: إمَّا عَدَمٌ وَإِمَّا وُجُودٌ؛ فَالْعَدَمُ مِثْلُ عَدَمِ شَرْطٍ أَوْ جُزْءِ سَبَبٍ إذْ لَا يَكُونُ سَبَبُهُ عَدَمًا مَحْضًا فَإِنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ لَا يَكُونُ سَبَبًا تَامًّا لِوُجُودِ؛ وَلَكِنْ يَكُونُ سَبَبُ الْخَيْرِ وَاللَّذَّةِ قَدْ انْعَقَدَ وَلَا يَحْصُلُ الشَّرْطُ فَيَقَعُ الْأَلَمُ؛ وَذَلِكَ مِثْلُ عَدَمِ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ وَمِثْلُ عَدَمِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ أَلَمِ الْجَهْلِ وَعَدَمِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالنُّطْقِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْأَلَمِ بِالْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْبُكْمِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْأَلَمِ وَالْمَرَضِ وَالضَّعْفِ. فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ وَنَحْوِهَا يَكُونُ الشَّرُّ أَيْضًا مُضَافًا إلَى الْعَدَمِ الْمُضَافِ إلَى الْعَبْدِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ قَوْلُ الْخَلِيلِ: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} فَإِنَّ الْمَرَضَ وَإِنْ كَانَ أَلَمًا مَوْجُودًا فَسَبَبُهُ ضَعْفُ الْقُوَّةِ وَانْتِفَاءُ الصِّحَّةِ الْمَوْجُودَةِ وَذَلِكَ عَدَمٌ هُوَ مِنْ الْإِنْسَانِ الْمَعْدُومِ بِنَفْسِهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ قَوْلُ الْحَقِّ {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} وَقَوْلُهُ: {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} وَنَحْوُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ سَبَبُهُ عَدَمَ فِعْلِ الْوَاجِبِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ.

    ج ١٥ ص ٢٢
  3. يُبَيِّن ذَلِكَ أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ جَمِيعَهَا مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ إنَّمَا يَفْعَلُهَا الْعَبْدُ لِجَهْلِهِ أَوْ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِمَضَرَّتِهَا وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا امْتَنَعَ أَنْ يَفْعَلَهَا وَالْجَهْلُ أَصْلُهُ عَدَمٌ وَالْحَاجَةُ أَصْلُهَا الْعَدَمُ.