الله لا يرى بالعين في الدنيا

٧ فقرات، ج ٢ ص ٣٣٥

  1. لَهُمُ الْجَنَّةَ} الْآيَةَ وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِ الْآيَةِ: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} . فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ ذَلِكَ الْفَقِيرِ هُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ وَأَنَّ اللَّهَ إذَا كَانَ قَدْ قَالَ لِنَبِيِّهِ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} فأيش نَكُونُ نَحْنُ؟ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ} .

    ج ٢ ص ٣٣٥
  2. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ:

    مَا غِبْت عَنْ الْقَلْبِ وَلَا عَنْ عَيْنِي … مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَنَا مِنْ بَيْنِ

    فَهَذَا قَوْلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَهُوَ بَاطِلٌ مُتَنَاقِضٌ فَإِنَّ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ يَرَى اللَّهَ بِعَيْنِهِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ} . وَقَدْ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَرَى اللَّهَ بِعَيْنِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَتَنَازَعُوا إلَّا فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً مَعَ أَنَّ جَمَاهِيرَ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ فِي الدُّنْيَا وَعَلَى هَذَا دَلَّتْ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ الثَّابِتَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَمْثَالِهِمَا: أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ بَلْ الثَّابِتُ عَنْهُمْ إمَّا إطْلَاقُ الرُّؤْيَةِ وَإِمَّا تَقْيِيدُهَا بِالْفُؤَادِ

    ج ٢ ص ٣٣٦وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْمِعْرَاجِ الثَّابِتَةِ أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَقَوْلُهُ: {أَتَانِي الْبَارِحَةَ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ} الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي الْمَنَامِ هَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ الطُّفَيْلِ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا - مِمَّا فِيهِ رُؤْيَةُ رَبِّهِ - إنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْأَحَادِيثِ وَالْمِعْرَاجُ كَانَ بِمَكَّةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّ مُوسَى قِيلَ لَهُ: {لَنْ تَرَانِي} وَأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ إنْزَالِ كِتَابٍ مِنْ السَّمَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} فَمَنْ قَالَ إنَّ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ يَرَاهُ؛ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَدَعْوَاهُ أَعْظَمُ مِنْ دَعْوَى مَنْ ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ. وَالنَّاسُ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: - فَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَرَى فِي الْآخِرَةِ بِالْأَبْصَارِ عِيَانًا وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا بِعَيْنِهِ؛ لَكِنْ يَرَى فِي الْمَنَامِ وَيَحْصُلُ لِلْقُلُوبِ - مِنْ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ - مَا يُنَاسِبُ حَالَهَا. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ تَقْوَى مُشَاهَدَةُ قَلْبِهِ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ؛

  3. وَهُوَ غالط وَمُشَاهَدَاتُ الْقُلُوبِ تَحْصُلُ بِحَسَبِ إيمَانِ الْعَبْدِ وَمَعْرِفَتِهِ فِي صُورَةٍ مِثَالِيَّةٍ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. (وَالْقَوْلُ الثَّانِي) قَوْلُ نفاة الْجَهْمِيَّة أَنَّهُ لَا يَرَى فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. (وَالثَّالِثُ) قَوْلُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَرَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَحُلُولِيَّةُ الْجَهْمِيَّة يَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ لَا يَرَى فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَإِنَّهُ يَرَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَرَبِيٍّ - صَاحِبِ الْفُصُوصِ - وَأَمْثَالِهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ السَّارِيَ فِي الْكَائِنَاتِ لَا يُرَى وَهُوَ وُجُودُ الْحَقِّ عِنْدَهُمْ. ثُمَّ مَنْ أَثْبَتَ الذَّاتَ قَالَ: يَرَى مُتَجَلِّيًا فِيهَا وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ قَالَ: لَا يَرَى إلَّا مُقَيَّدًا بِصُورَةِ. وَهَؤُلَاءِ قَوْلُهُمْ دَائِرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إنْكَارُ رُؤْيَةِ اللَّهِ وَإِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَيَجْعَلُونَ الْمَخْلُوقَ هُوَ الْخَالِقُ أَوْ يَجْعَلُونَ الْخَالِقَ حَالًّا فِي الْمَخْلُوقِ وَإِلَّا فَتَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ فِي الْخَارِجِ وَبَيْنَ وُجُودهَا: هُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: بِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ وَقَدْ ضَمُّوا إلَيْهِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا نَفْسَ وُجُودِ الْمَخْلُوقِ هُوَ وُجُودُ الْخَالِقِ. وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ -) مَعَ أَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يَكُونُ هُوَ فِي الْخَارِجِ مُطْلَقًا - فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ مَعْدُومًا وَهَذَا هُوَ جُحُودُ الرَّبِّ وَتَعْطِيلُهُ

    ج ٢ ص ٣٣٨وَإِنْ جَعَلُوهُ ثَابِتًا فِي الْخَارِجِ جَعَلُوهُ جُزْءًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ فَيَكُونُ الْخَالِقُ جُزْءًا مِنْ الْمَخْلُوقِ أَوْ عَرَضًا قَائِمًا بِالْمَخْلُوقِ وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالضَّرُورَةِ وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَمَّا تَنَاقُضُهُ فَقَوْلُهُ: مَا غِبْت عَنْ الْقَلْبِ وَلَا عَنْ عَيْنِي مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَنَا مِنْ بَيْنِ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَأَنَّ الْمُخَاطَبَ غَيْرُ الْمُخَاطَبِ وَأَنَّ الْمُخَاطَبَ لَهُ عَيْنٌ وَقَلْبٌ لَا يَغِيبُ عَنْهُمَا الْمُخَاطَبُ؛ بَلْ يَشْهَدُهُ الْقَلْبُ وَالْعَيْنُ وَالشَّاهِدُ غَيْرُ الْمَشْهُودِ. وَقَوْلُهُ: مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَنَا مِنْ بَيْنِ فِيهِ إثْبَاتُ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ وَضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ وَهَذَا إثْبَاتٌ لِاثْنَيْنِ وَإِنْ قَالُوا: هَذِهِ مَظَاهِرُ وَمَجَالِي. قِيلَ: فَإِنْ كَانَتْ الْمَظَاهِرُ وَالْمَجَالِي غَيْرَ الظَّاهِرِ وَالْمُتَجَلِّي فَقَدْ ثَبَتَتْ التَّثْنِيَةُ وَبَطَلَتْ الْوَحْدَةُ وَإِنْ كَانَ هُوَ إيَّاهَا فَقَدْ بَطَلَ التَّعَدُّدُ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ.

    ج ٢ ص ٣٣٧
  4. وَقَوْلُ الْقَائِلِ:
  5. فَارِقْ ظُلْمَ الطَّبْعِ وَكُنْ مُتَّحِدًا بِاَللَّهِ … وَإِلَّا فَكُلُّ دَعْوَاك مُحَالٌ

    إنْ أَرَادَ الِاتِّحَادَ الْمُطْلَقَ: فَالْمُفَارِقُ هُوَ الْمُفَارِقُ وَهُوَ الطَّبْعُ وَظُلْمُ الطَّبْعِ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: " وَكُنْ مُتَّحِدًا بِاَللَّهِ " وَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: " كُلُّ دَعْوَاك مُحَالٌ " وَهُوَ الْقَائِلُ هَذَا الْقَوْلُ وَفِي ذَلِكَ مِنْ التَّنَاقُضِ مَا لَا يَخْفَى.

  6. وَإِنْ أَرَادَ الِاتِّحَادَ الْمُقَيَّدَ) : فَهُوَ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ الْخَالِقَ وَالْمَخْلُوقَ إذَا اتَّحَدَا فَإِنْ كَانَا بَعْدَ الِاتِّحَادِ اثْنَيْنِ - كَمَا كَانَا قَبْلَ الِاتِّحَادِ - فَذَلِكَ تَعَدُّدٌ وَلَيْسَ بِاتِّحَادِ. وَإِنْ كَانَا اسْتَحَالَا إلَى شَيْءٍ ثَالِثٍ - كَمَا يَتَّحِدُ الْمَاءُ وَاللَّبَنُ وَالنَّارُ وَالْحَدِيدُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُثْبِتُهُ النَّصَارَى بِقَوْلِهِمْ فِي الِاتِّحَادِ - لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ قَدْ اسْتَحَالَ وَتَبَدَّلَتْ حَقِيقَتُهُ كَسَائِرِ مَا يَتَّحِدُ مَعَ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَحِيلَ. وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يُنَزَّهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحَالَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ مَا كَانَ مَوْجُودًا وَالرَّبُّ تَعَالَى وَاجِبُ الْوُجُودِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ يَمْتَنِعُ الْعَدَمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ اللَّازِمَةَ لَهُ صِفَاتُ كَمَالٍ فَعَدَمُ شَيْءٍ مِنْهَا نَقْصٌ يَتَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّ اتِّحَادَ الْمَخْلُوقِ بِالْخَالِقِ: يَقْتَضِي أَنَّ الْعَبْدَ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ اللَّازِمَةِ لِذَاتِ الرَّبِّ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى الْعَبْدِ الْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ الْعَبْدَ يَلْزَمُهُ الْحُدُوثُ وَالِافْتِقَارُ وَالذُّلُّ. وَالرَّبُّ تَعَالَى يُلَازِمُهُ الْقِدَمُ وَالْغِنَى وَالْعِزَّةُ وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - قَدِيمٌ غَنِيٌّ عَزِيزٌ بِنَفْسِهِ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ نَقِيضُ ذَلِكَ فَاتِّحَادُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ مُتَّصِفًا بِنَقِيضِ صِفَاتِهِ: مِنْ الْحُدُوثِ وَالْفَقْرِ وَالذُّلِّ وَالْعَبْدُ مُتَّصِفًا بِنَقِيضِ صِفَاتِهِ مِنْ الْقِدَمِ وَالْغِنَى الذَّاتِيِّ وَالْعِزِّ الذَّاتِيِّ وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وَبَسْطُ هَذَا يَطُولُ.

    ج ٢ ص ٣٣٩
  7. وَلِهَذَا سُئِلَ الْجُنَيْد عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: التَّوْحِيدُ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِ الْمُحْدَثِ عَنْ الْقَدِيمِ. وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْخَالِقَ بَائِنٌ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بَلْ الرَّبُّ رَبٌّ وَالْعَبْدُ عَبْدٌ: {إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا} {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} . وَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا الْبَيْتِ أَرَادَ الِاتِّحَادَ الْوَصْفِيَّ) : وَهُوَ أَنْ يُحِبَّ الْعَبْدَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيُبْغِضَ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَيَرْضَى بِمَا يُرْضِي اللَّهَ وَيَغْضَبُ لِمَا يُغْضِبُ اللَّهَ وَيَأْمُرُ بِمَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ وَيَنْهَى عَمَّا يَنْهَى اللَّهُ عَنْهُ وَيُوَالِي مَنْ يُوَالِيه اللَّهُ وَيُعَادِي مَنْ يُعَادِيه اللَّهُ وَيُحِبُّ لِلَّهِ وَيُبْغِضُ لِلَّهِ وَيُعْطِي لِلَّهِ وَيَمْنَعُ لِلَّهِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ مُوَافِقًا لِرَبِّهِ تَعَالَى. فَهَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَكَمَالِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنهُ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ

    ج ٢ ص ٣٤٠