هل يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي فيها، مع قولهم: إن العدمي يعلل بالعدمي؟
فقرتان، ج ١٥ ص ٢٥
- ج ١٥ ص ٢٥
وَلِهَذَا كَانَ مَعْلُومًا بِالْفِطْرَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ مَصْنُوعٍ مِنْ صَانِعٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} يَقُولُ: أَخُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ خَلَقَهُمْ أَمْ هُمْ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ؟ . وَمِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مَنْ اسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ بِالْقِيَاسِ وَضَرْبُ الْمِثَالِ. وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ مُمْكِنٌ وَدَلَائِلُهُ كَثِيرَةٌ. وَالْفِطْرَةُ عِنْدَ صِحَّتِهَا أَشَدُّ إقْرَارًا بِهِ وَهُوَ لَهَا أَبْدَهُ وَهِيَ إلَيْهِ أَشَدُّ اضْطِرَارًا مِنْ الْمِثَالِ الَّذِي يُقَاسُ بِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأُصُولِ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوُجُودِيُّ بِالْوَصْفِ الْعَدَمِيِّ فِيهَا مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْعَدَمِيَّ يُعَلَّلُ بِالْعَدَمِيِّ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُعَلَّلُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْوُجُودِ فِي قِيَاسِ الْعِلَّةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ لَهُ فِي قِيَاسِ الدَّلَالَةِ فَلَا يُضَافُ إلَيْهِ فِي قِيَاسِ الدَّلَالَةِ وَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ وَهُوَ أَنَّ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ فِيهِ عِلَّةً وَجُزْءًا مِنْ عِلَّةٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْوَصْفِ قَدْ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى وَصْفٍ وُجُودِيٍّ يَقْتَضِي الْحُكْمَ. وَأَمَّا " قِيَاسُ الْعِلَّةِ " فَلَا يَكُونُ الْعَدَمُ فِيهِ عِلَّةً تَامَّةً؛ لَكِنْ يَكُونُ جُزْءًا مِنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ وَشَرْطًا لِلْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِتَامَّةِ وَقُلْنَا: جُزْءٌ مِنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ. وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ شَرْطًا فِي اقْتِضَاءِ الْعِلَّةِ الْوُجُودِيَّةِ
ج ١٥ ص ٢٦وَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ فَإِذَا حُقِّقَتْ الْمَعَانِي ارْتَفَعَ. فَهَذَا فِي بَيَانِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ أَنَّ الْمَوْجُودَ لَا يَكُونُ سَبَبُهُ عَدَمًا مَحْضًا. وَأَمَّا " الطَّرَفُ الثَّانِي " وَهُوَ أَنَّ الْمَوْجُودَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُودِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمًا فَلِأَنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى سَبَبٍ مَوْجُودٍ بَلْ يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ السَّبَبِ الْمَوْجُودِ؛ وَلِأَنَّ السَّبَبَ الْمَوْجُودَ إذَا أَثَّرَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤَثِّرَ شَيْئًا وَالْعَدَمُ الْمَحْضُ لَيْسَ بِشَيْءِ فَالْأَثَرُ الَّذِي هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ الْأَثَرِ؛ بَلْ إذَا أَثَّرَ الْإِعْدَامُ فَالْإِعْدَامُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ فِيهِ عَدَمٌ فَإِنَّ جَعْلَ الْمَوْجُودِ مَعْدُومًا وَالْمَعْدُومِ مَوْجُودًا أَمْرٌ مَعْقُولٌ أَمَّا جَعْلُ الْمَعْدُومِ مَعْدُومًا فَلَا يُعْقَلُ إلَّا بِمَعْنَى الْإِبْقَاءِ عَلَى الْعَدَمِ وَالْإِبْقَاءُ عَلَى الْعَدَمِ يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ الْفَاعِلِ وَالْفَرْقُ مَعْلُومٌ بَيْنَ عَدَمِ الْفَاعِلِ وَعَدَمِ الْمُوجِبِ فِي عَدَمِ الْعِلَّةِ وَبَيْنَ فَاعِلِ الْعَدَمِ وَمُوجِبِ الْعَدَمِ وَعِلَّةُ الْعَدَمِ. وَالْعَدَمُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الثَّانِي؛ بَلْ يَكْفِي فِيهِ الْأَوَّلُ. فَتَبَيَّنَّ بِذَلِكَ الطَّرَفَانِ وَهُوَ أَنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَوْبُ وُجُودٍ لَا يَكُونُ وُجُودًا مَا: لَا سَبَبًا وَلَا مُسَبِّبًا وَلَا فَاعِلًا وَلَا مَفْعُولًا أَصْلًا فَالْوُجُودُ الْمَحْضُ التَّامُّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَوْبُ عَدَمٍ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ أَصْلًا وَلَا مُسَبَّبًا عَنْهُ وَلَا فَاعِلًا لَهُ وَلَا مَفْعُولًا أَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ مُسَبَّبًا عَنْهُ وَلَا مَفْعُولًا لَهُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ سَبَبًا لَهُ فَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِعَدَمِ مَحْضٍ فَالْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى سَبَبٍ مَوْجُودٍ وَإِنْ كَانَ لِعَدَمِ
ج ١٥ ص ٢٧فِيهِ وُجُودٌ فَذَاكَ الْوُجُودُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ وَلَوْ كَانَ سَبَبُهُ تَامًّا وَهُوَ قَابِلٌ لَمَا دَخَلَ فِيهِ عَدَمٌ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ السَّبَبُ تَامًّا وَالْمَحَلُّ قَابِلًا وَجَبَ وُجُودُ الْمُسَبِّبِ فَحَيْثُ كَانَ فِيهِ عَدَمٌ فَلِعَدَمِ مَا فِي السَّبَبِ أَوْ فِي الْمَحَلِّ فَلَا يَكُونُ وُجُودًا مَحْضًا. فَظَهَرَ أَنَّ السَّبَبَ حَيْثُ تَخَلَّفَ حُكْمُهُ إنْ كَانَ لِفَوَاتِ شَرْطٍ فَهُوَ عَدَمٌ وَإِنْ كَانَ لِوُجُودِ مَانِعٍ فَإِنَّمَا صَارَ مَانِعًا لِضِعْفِ السَّبَبِ وَهُوَ أَيْضًا عَدَمُ قُوَّتِهِ وَكَمَالِهِ فَظَهَرَ أَنَّ الْوُجُودَ لَيْسَ سَبَبَ الْعَدَمِ الْمَحْضِ وَظَهَرَ بِذَلِكَ الْقِسْمَةُ الرُّبَاعِيَّةُ وَهِيَ أَنَّ الْوُجُودَ الْمَحْضَ لَا يَكُونُ إلَّا خَيْرًا. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَرًّ فِي الْعَالَمِ لَا يَخْرُجُ عَنْ قِسْمَيْنِ إمَّا أَلَمٌ وَإِمَّا سَبَبُ الْأَلَمِ وَسَبَبُ الْأَلَمِ مِثْلُ الْأَفْعَالِ السَّيِّئَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعَذَابِ وَالْأَلَمِ الْمَوْجُودِ لَا يَكُونُ إلَّا لِنَوْعِ عَدَمٍ فَكَمَا يَكُونُ سَبَبُهُ تَفَرُّقُ الِاتِّصَالِ؛ وَتَفَرُّقُ الِاتِّصَالِ هُوَ عَدَمُ التَّأْلِيفِ وَالِاتِّصَالِ الَّذِي بَيْنَهُمَا وَهُوَ الشَّرُّ وَالْفَسَادُ. وَأَمَّا سَبَبُ الْأَلَمِ فَقَدْ قَرَّرْت فِي " قَاعِدَةٍ كَبِيرَةٍ " أَنَّ أَصْلَ الذُّنُوبِ هُوَ عَدَمُ الْوَاجِبَاتِ لَا فِعْلَ الْمُحَرَّمَات وَأَنَّ فِعْلَ الْمُحَرَّمَاتِ إنَّمَا وَقَعَ لِعَدَمِ الْوَاجِبَاتِ فَصَارَ أَصْلُ الذُّنُوبِ عَدَمَ الْوَاجِبَاتِ وَأَصْلُ الْأَلَمِ
- ج ١٥ ص ٢٨
عَدَمَ الصِّحَّةِ؛ وَلِهَذَا {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهُمْ فِي خُطْبَةِ الْحَاجَةِ أَنْ يَقُولُوا: وَنَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا} فَيَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّ النَّفْسِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهَا مِنْ ذُنُوبِهَا وَخَطَايَاهَا وَيَسْتَعِيذُ مِنْ سَيِّئَاتِ الْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ عُقُوبَاتُهَا وَآلَامُهَا؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: {وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا} قَدْ يُرَادُ بِهِ السَّيِّئَاتُ فِي الْأَعْمَالِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْعُقُوبَاتُ؛ فَإِنَّ لَفْظَ السَّيِّئَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ يُرَادُ بِهِ مَا يَسُوءُ الْإِنْسَانَ مِنْ الشَّرِّ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ قَالَ تَعَالَى: {إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} . وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَرَّ النَّفْسِ هُوَ الْأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ فَتَكُونُ سَيِّئَاتُ الْأَعْمَالِ هِيَ الشَّرُّ وَالْعُقُوبَاتُ الْحَاصِلَةُ بِهَا فَيَكُونُ مُسْتَعِيذًا مِنْ نَوْعَيْ السَّيِّئَاتِ: الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ وَعُقُوبَاتِهَا كَمَا فِي الِاسْتِعَاذَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ: {أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ} فَأَمَرَنَا بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الْعَذَابِ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَعَذَابِ الْبَرْزَخِ وَمِنْ سَبَبِ الْعَذَابِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَذَكَرَ الْفِتْنَةَ الْخَاصَّةَ بَعْدَ الْفِتْنَةِ الْعَامَّةِ فِتْنَةِ الْمَسِيح الدَّجَّالِ فَإِنَّهَا أَعْظَمُ الْفِتَنِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {مَا مِنْ خَلْقِ آدَمَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ فِتْنَةٍ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ} .