فصل: في افتقار العبد إلى الله في تعلم ما يصلحه، وهو العلم الشرعي
فقرة واحدة، ج ١٥ ص ٣٥
- ج ١٥ ص ٣٥
فَالْعَبْدُ كَمَا أَنَّهُ فَقِيرٌ إلَى اللَّهِ دَائِمًا فِي إعَانَتِهِ وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ وَإِعْطَاءِ سُؤَالِهِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِ فَهُوَ فَقِيرٌ إلَيْهِ فِي أَنْ يَعْلَمَ مَا يُصْلِحُهُ وَمَا هُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ وَيُرِيدُهُ وَهَذَا هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالشَّرِيعَةُ وَإِلَّا فَإِذَا قُضِيَتْ حَاجَتُهُ الَّتِي طَلَبَهَا وَأَرَادَهَا وَلَمْ تَكُنْ مَصْلَحَةً لَهُ كَانَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَالِ لَهُ فِيهِ لَذَّةٌ وَمَنْفَعَةٌ فَالِاعْتِبَارُ بِالْمَنْفَعَةِ الْخَالِصَةِ أَوْ الرَّاجِحَةِ وَهَذَا قَدْ عَرَّفَهُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ: عَلَّمُوهُمْ وَزَكَّوْهُمْ وَأَمَرُوهُمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ وَنَهَوْهُمْ عَمَّا يَضُرُّهُمْ وَبَيَّنُوا لَهُمْ أَنَّ مَطْلُوبَهُمْ وَمَقْصُودَهُمْ وَمَعْبُودَهُمْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ كَمَا أَنَّهُ هُوَ رَبُّهُمْ وَخَالِقُهُمْ وَأَنَّهُمْ إنْ تَرَكُوا عِبَادَتَهُ أَوْ أَشْرَكُوا بِهِ غَيْرَهُ خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا وَضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا وَكَانَ مَا أُوتُوهُ مِنْ قُوَّةٍ وَمَعْرِفَةٍ وَجَاهٍ وَمَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ - وَإِنْ كَانُوا فِيهِ فُقَرَاءَ إلَى اللَّهِ مُسْتَعِينِينَ بِهِ عَلَيْهِ مُقِرِّينَ بِرُبُوبِيَّتِهِ - فَإِنَّهُ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ بِئْسَ الْمَصِيرُ وَسُوءُ الدَّارِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ الدِّينِيُّ الشَّرْعِيُّ وَالْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ
ج ١٥ ص ٣٦الشَّرْعِيَّةُ كَمَا تَعَلَّقَ بِالْأَوَّلِ الْأَمْرُ الْكَوْنِيُّ الْقَدَرِيُّ وَالْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ الْقَدَرِيَّةُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَنْعَمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِعَانَةِ وَالْهِدَايَةِ؛ فَإِنَّهُ بَيَّنَ لَهُمْ هُدَاهُمْ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَأَعَانَهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ ذَلِكَ عِلْمًا وَعَمَلًا كَمَا مَنَّ عَلَيْهِمْ وَعَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ بِأَنْ خَلَقَهُمْ وَرَزَقَهُمْ وَعَافَاهُمْ وَمَنَّ عَلَى أَكْثَرِ الْخَلْقِ بِأَنْ عَرَّفَهُمْ رُبُوبِيَّتَهُ لَهُمْ وَحَاجَتَهُمْ إلَيْهِ وَأَعْطَاهُمْ سُؤْلَهُمْ وَأَجَابَ دُعَاءَهُمْ قَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} فَكُلُّ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَسْأَلُونَهُ فَصَارَتْ الدَّرَجَاتُ أَرْبَعَةً. " قَوْمٌ " لَمْ يَعْبُدُوهُ وَلَمْ يَسْتَعِينُوهُ وَقَدْ خَلَقَهُمْ وَرَزَقَهُمْ وَعَافَاهُمْ. و " قَوْمٌ " اسْتَعَانُوهُ فَأَعَانَهُمْ وَلَمْ يَعْبُدُوهُ. و " قَوْمٌ " طَلَبُوا عِبَادَتَهُ وَطَاعَتَهُ وَلَمْ يَسْتَعِينُوهُ وَلَمْ يَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ. و " الصِّنْفُ الرَّابِعُ " الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَاسْتَعَانُوهُ فَأَعَانَهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا خَصَّ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: {حَبَّبَ إلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى أَفْضَلِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.