هل يقتل المسلم بالذمي

فقرتان، ج ١٥ ص ٨٥

  1. مُتَكَافِئَةٌ لَيْسَ لِشَرِيفِهِمْ مَزِيَّةٌ عَلَى ضَعِيفِهِمْ وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ الْجَلِيلَةُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا شَرَائِعُ الْأَنْبِيَاءِ فَأَمَّا الطَّوَائِفُ الْخَارِجُونَ عَنْ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا؛ بَلْ قَدْ لَا يَقْتُلُونَ الشَّرِيفَ وَإِذَا كَانَ الْمَلِكُ عَادِلًا فَقَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ ذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ تَكَافُؤِ دِمَائِهِمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ فَحَكَمَ أَيْضًا فِي الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ بِتَكَافُؤِ دِمَائِهِمْ فَالْمُسْلِمُ الْحُرُّ يُقْتَلُ بِالْمُسْلِمِ الْحُرِّ مِنْ جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.

    ج ١٥ ص ٨٥
  2. وَبِهَذَا ظَهَرَ الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ مَنْ احْتَجَّ بِآيَةِ التَّوْرَاةِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلَ بِالذِّمِّيِّ لِقَوْلِهِ: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} و " شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا " فَإِنَّهُ يُقَالُ: الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنَّ النَّفْسَ مِنْهُمْ بِالنَّفْسِ مِنْهُمْ وَهُمْ كُلُّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كَافِرٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَرِيعَتِهِمْ إبْقَاءُ كَافِرٍ بَيْنَهُمْ لَا بِجِزْيَةِ وَلَا غَيْرِهَا وَهَذَا مِثْلُ شَرْعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَتَيْنِ أَنَّ دَمَ الْكَافِرِ يُكَافِئُ دَمَ الْمُسْلِمِ؛ بَلْ جَعْلُ الْإِيمَانِ هُوَ الْوَاجِبُ لِلْمُكَافَآتِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ ذَلِكَ فِي الْكَافِرِ - سَوَاءٌ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا - لِانْتِفَاءِ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ لِلْمُكَافَأَةِ فِيهِ؛ نَعَمْ يُحْتَجُّ بِعُمُومِهِ عَلَى الْعَبْدِ. وَلَيْسَ فِي الْعَبْدِ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ صَحِيحَةٌ كَمَا فِي الذِّمِّيِّ؛ بَلْ مَا رُوِيَ {مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ بِهِ} وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ ظَالِمًا كَانَ الْإِمَامُ وَلِيَّ

    ج ١٥ ص ٨٦دَمِهِ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ كَمَا لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ إذَا كَانَ حُرًّا فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ وَلِيَّ دَمِهِ إذَا كَانَ عَبْدًا؛ بَلْ هَذَا أَوْلَى كَيْفَ يَكُونُ وَلِيُّ دَمِهِ وَهُوَ الْقَاتِلُ؟ بَلْ لَا يَكُونُ وَلِيَّ دَمِهِ؛ بَلْ وَرَثَةُ الْقَاتِلِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُمْ وَرَثَتُهُ وَهُوَ بِالْحَيَاةِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ وِلَايَةٌ حَتَّى تَنْتَقِلَ إلَيْهِمْ فَيَكُونُ وَلَيَّهُ الْإِمَام. وَحِينَئِذٍ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ فَكُلُّ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ. وَ " أَيْضًا " فَقَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ أَنَّهُ إذَا مَثَّلَ بِعَبْدِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا وَقَتْلُهُ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الْمَثْلِ فَلَا يَمُوتُ إلَّا حُرًّا؛ لَكِنَّ حُرِّيَّتَهُ لَمْ تَثْبُتْ فِي حَالِ الْحَيَاةِ حَتَّى يَرِثَهُ عَصَبَتُهُ؛ بَلْ حُرِّيَّتُهُ ثَبَتَتْ حُكْمًا وَهُوَ إذَا كَانَ عَتَقَ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الْإِمَامُ هُوَ وَلِيُّهُ فَلَهُ قَتْلُ قَاتِلٍ عَبْدِهِ. وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ: إنَّ قَاتِلَ عَبْدَ غَيْرِهِ لِسَيِّدِهِ قَتْلُهُ وَإِذَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَيْسَ مَعَهُ نَصٌّ صَرِيحٌ وَلَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرُهُمْ: مَنْ قُتِلَ وَلَا وَلِيَّ لَهُ كَانَ الْإِمَامُ وَلِيَّ دَمِهِ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى الدِّيَةِ؛ لَا مَجَّانًا. يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا يَقْتُلُ حُرٌّ بِعَبْدِ يَقُولُ: إنَّهُ لَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ

    ج ١٥ ص ٨٧مِنْ مُشْرِكٍ} فَالْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ خَيْرٌ مِنْ الذِّمِّيِّ الْمُشْرِكِ فَكَيْفَ لَا يُقْتَلُ بِهِ وَالْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ مِثْلُ الْحَرَائِرِ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهَذَا قَوِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَحْمَد؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ كَالْحُرِّ؛ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَلِمَاذَا لَا يَقْتُلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَكُلُّهُمْ مُؤْمِنُونَ وَقَدْ {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ} .