فصل: في قوله: " شهد الله أنه لا إله إلا هو " الآيتان، وتنوع عبارات المفسرين في لفظ " شهد "
٣ فقرات، ج ١٥ ص ١٦٨
- ج ١٥ ص ١٦٨
وَقَالَ شَيْخ الْإِسْلَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ -:
- فَصْلٌ:
-
فِي قَوْله تَعَالَى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} {إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} : قَدْ تَنَوَّعَتْ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ فِي لَفْظِ (شَهِدَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَالْفِرَاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ حَكَمَ وَقَضَى. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ثَعْلَبٌ وَالزَّجَّاجُ: أَيْ بَيَّنَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَيْ أَعْلَمَ. وَكَذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مَعْنَى شَهَادَةِ اللَّهِ الْإِخْبَارُ وَالْإِعْلَامُ وَمَعْنَى شَهَادَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ الْإِقْرَارُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ شَهِدَ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ حِين كَانَ وَلَمْ يَكُنْ سَمَاءٌ وَلَا أَرْضٌ وَلَا بَرٌّ وَلَا بَحْرٌ فَقَالَ: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ} . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا صَحِيحَةٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ
ج ١٥ ص ١٦٩تَتَضَمَّنُ كَلَامَ الشَّاهِدِ وَقَوْلُهُ وَخَبَرُهُ عَمَّا شَهِدَ بِهِ وَهَذَا قَدْ يَكُونُ مَعَ أَنَّ الشَّاهِدَ نَفْسَهُ يَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ وَيَقُولُهُ وَيَذْكُرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْلِمًا بِهِ لِغَيْرِهِ وَلَا مُخْبِرًا بِهِ لِسِوَاهُ. فَهَذِهِ أَوَّلُ مَرَاتِبِ الشَّهَادَةِ. ثُمَّ قَدْ يُخْبِرُهُ وَيُعْلِمُهُ بِذَلِكَ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ إعْلَامًا لِغَيْرِهِ وَإِخْبَارًا لَهُ وَمَنْ أَخْبَرَ غَيْرَهُ بِشَيْءِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} قَوْله تَعَالَى {وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا} الْآيَةَ. فَفِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ إنَّمَا أَخْبَرُوا خَبَرًا مُجَرَّدًا وَقَدْ قَالَ: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} } وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ قَوْلِ زُورٍ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ وَعَلَى أَيْ صِفَةٍ وُجِدَ فَلَا يَقُولُهُ الْعَبْدُ وَلَا يَحْضُرُهُ وَلَا يَسْمَعُهُ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ. و " الزُّورُ " هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي قَدْ ازْوَرَّ عَنْ الْحَقِّ وَالِاسْتِقَامَةِ أَيْ تَحَوَّلَ وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَةَ الزُّورِ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُظَاهِرِينَ مِنْ نِسَائِهِمْ {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} .