فصل: وشهادة الرب وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة وبفعله تارة

٣ فقرات، ج ١٥ ص ١٧٣

  1. فَالْآلِهَةُ الَّتِي جَعَلَهَا عَابِدُوهَا آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا كَثِيرَةٌ؛ لَكِنَّ هِيَ لَا تَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ فَلَيْسَتْ بِآلِهَةِ كَمَنْ جَعَلَ غَيْرَهُ شَاهِدًا أَوْ حَاكِمًا أَوْ مُفْتِيًا أَوْ أَمِيرًا وَهُوَ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَلَا بُدَّ لِكُلِّ إنْسَانٍ مِنْ إلَهٍ يَأْلَهُهُ وَيَعْبُدُهُ {تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ} فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ أَلَّهَ ذَلِكَ مَحَبَّةً وَذُلًّا وَتَعْظِيمًا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. فَإِذَا شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَدْ حَكَمَ وَقَضَى بِأَنْ لَا يُعْبَدَ إلَّا إيَّاهُ. و " أَيْضًا " فَلَفْظُ الْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجُمَلِ الْخَبَرِيَّةِ فَيُقَالُ: لِلْجُمَلِ الْخَبَرِيَّةِ قَضِيَّةٌ وَيُقَالُ: قَدْ حُكِمَ فِيهَا بِثُبُوتِ هَذَا الْمَعْنَى وَانْتِفَاءِ هَذَا الْمَعْنَى وَكُلُّ شَاهِدٍ وَمُخْبِرٌ هُوَ حَاكِمٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ قَدْ حَكَمَ بِثُبُوتِ مَا أَثْبَتَهُ وَنَفْيِ مَا نَفَاهُ حُكْمًا خَبَرِيًّا قَدْ يَتَضَمَّنُ حُكْمًا طَلَبِيًّا.

    ج ١٥ ص ١٧٣
  2. فَصْلٌ:
  3. وَشَهَادَةُ الرَّبِّ وَبَيَانُهُ وَإِعْلَامُهُ يَكُونُ بِقَوْلِهِ تَارَةً وَبِفِعْلِهِ تَارَةً. فَالْقَوْلُ هُوَ مَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَأَوْحَاهُ إلَى عِبَادِهِ

    ج ١٥ ص ١٧٤كَمَا قَالَ: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ. وَقَدْ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ وَالِاضْطِرَارِ أَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ أَخْبَرُوا عَنْ اللَّهِ أَنَّهُ شَهِدَ وَيَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ بِقَوْلِهِ وَكَلَامِهِ؛ وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ كُلِّ مَنْ بَلَّغَ عَنْهُ كَلَامَهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي} وَأَمَّا شَهَادَتُهُ بِفِعْلِهِ فَهُوَ مَا نَصَبَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ الَّتِي تُعْلَمُ دَلَالَتُهَا بِالْعَقْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَبَرٌ عَنْ اللَّهِ وَهَذَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ فَإِنَّ الدَّلِيلَ يُبَيِّنُ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ وَيُظْهِرُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخْبِرِ بِهِ الشَّاهِدِ بِهِ كَمَا قِيلَ: سَلْ الْأَرْضَ مَنْ فَجَّرَ أَنْهَارَهَا وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا وَأَخْرَجَ ثِمَارَهَا وَأَحْيَا نَبَاتَهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَوْضَحَ نَهَارَهَا؛ فَإِنْ لَمْ تُجِبْك حِوَارًا أَجَابَتْك اعْتِبَارًا. وَهُوَ سُبْحَانَهُ شَهِدَ بِمَا جَعَلَهَا دَالَّةً عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ دَلَالَتَهَا إنَّمَا هِيَ بِخَلْقِهِ لَهَا فَإِذَا كَانَتْ الْمَخْلُوقَاتُ دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي جَعَلَهَا دَالَّةً عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ دَلَالَتَهَا إنَّمَا هِيَ بِخَلْقِهِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ الشَّاهِدُ الْمُبَيِّنُ بِهَا أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ الْفِعْلِيَّةُ ذَكَرَهَا طَائِفَةٌ. قَالَ ابْنُ كيسان: {شَهِدَ اللَّهُ} بِتَدْبِيرِهِ الْعَجِيبِ وَأُمُورِهِ