فصل: إذا كانت الطاعات والنعم مقدرة، والمعاصي والمصائب مقدرة، فلم فرق بيم الحسنات التي هي النعم، والسيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله، وهذه من الإنسان؟

٣ فقرات، ج ١٥ ص ٢٥٩

  1. قَوْلُهُ {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} لَا يُنَافِي ذَلِك. بَلْ " الْحَسَنَةُ " أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا وَبِثَوَابِهَا و " السَّيِّئَةُ " هِيَ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ نَاشِئَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} فَمِنْ الْمَخْلُوقَاتِ مَا لَهُ شَرٌّ، وَإِنْ كَانَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ. وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: الطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ هُمَا مِنْ أَحْدَاثِ الْإِنْسَانِ، بِدُونِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ هَذَا فَاعِلًا وَهَذَا فَاعِلًا، وَبِدُونِ أَنْ يَخُصَّ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ بِنِعْمَةِ وَرَحْمَةٍ أَطَاعَهُ بِهَا وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ.

    ج ١٥ ص ٢٥٩
  2. فَصْلٌ:
  3. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَتْ الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي مُقَدَّرَةً، وَالنِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ مُقَدَّرَةً. فَلِمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ، الَّتِي هِيَ النِّعَمُ، وَالسَّيِّئَاتِ، الَّتِي هِيَ الْمَصَائِبُ؟ فَجَعَلَ هَذِهِ مِنْ اللَّهِ، وَهَذِهِ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ؟ . قِيلَ: لِفَرُوقِ بَيْنَهُمَا:

    ج ١٥ ص ٢٦٠" الْفَرْقُ الْأَوَّلُ " : أَنَّ نِعَمَ اللَّهِ وَإِحْسَانَهُ إلَى عِبَادِهِ يَقَعُ ابْتِدَاءً بِلَا سَبَبٍ مِنْهُمْ أَصْلًا. فَهُوَ يُنْعِمُ بِالْعَافِيَةِ وَالرِّزْقِ وَالنَّصْرِ، وَغَيْرِ ذَلِك عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. وَيُنْشِئُ لِلْجَنَّةِ خَلْقًا يُسْكِنُهُمْ فُضُولَ الْجَنَّةِ. وَقَدْ خَلَقَهُمْ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا. وَيُدْخِلُ أَطْفَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَجَانِينَهُمْ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ بِلَا عَمَلٍ. وَأَمَّا الْعِقَابُ: فَلَا يُعَاقِبُ أَحَدًا إلَّا بِعَمَلِهِ. " الْفَرْقُ الثَّانِي " : أَنَّ الَّذِي يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ. إذَا عَمِلَهَا، فَنَفْسُ عَمَلِهِ الْحَسَنَاتِ: هو من إحْسَانِ اللَّهِ، وَبِفَضْلِهِ عَلَيْهِ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِيمَانِ، كَمَا قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ {يَا عِبَادِي، إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا. فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ. وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِك فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ} . فَنَفْسُ خَلْقِ اللَّهِ لَهُمْ أَحِيَاءً، وَجَعْلِهِ لهم السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ: هو من نِعْمَتِهِ وَنَفْسُ إرْسَالِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ، وَتَبْلِيغِهِ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ الذي اهْتَدَوْا به: هو من نِعْمَتِهِ. وَإِلْهَامُهُمْ الْإِيمَانَ، وَهِدَايَتُهُمْ إلَيْهِ، وَتَخْصِيصُهُمْ بِمَزِيدِ نِعْمَةٍ حَصَلَ