فصل: في بيان قول القدرية النفاة والمجبرة على أنه إذا جاز أن يضل شخصا جاز أن يضل كل الناس. . . إلخ

٣ فقرات، ج ١٥ ص ٢٧٠

  1. قَلْبِكَ} فَأَخْبَرَ: أَنَّهُ - بِتَقْدِيرِ الِافْتِرَاءِ - لَا بُدَّ أَنْ يُعَاقِبَ مَنْ افْتَرَى عَلَيْهِ.

    ج ١٥ ص ٢٧٠
  2. فَصْلٌ:
  3. وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا اضْطَرَبَ فِيهِ النَّاسُ، فَاسْتَدَلَّتْ الْقَدَرِيَّةُ الْنُّفَاةِ وَالْمُجْبِرَةُ عَلَى أَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يُضِلَّ شَخْصًا: جَازَ أَنْ يُضِلَّ كُلَّ النَّاسِ. وَإِذَا جَازَ أَنْ يُعَذِّبَ حَيَوَانًا بِلَا ذَنْبٍ وَلَا عِوَضٍ: جَازَ أَنْ يُعَذِّبَ كُلَّ حَيٍّ بِلَا ذَنْبٍ وَلَا عِوَضٍ. وَإِذَا جَازَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعِينَ وَاحِدًا مِمَّنْ أَمَرَهُ عَلَى طَاعَةِ أَمْرِهِ: جَازَ أَنْ لَا يُعِينَ كُلَّ الْخَلْقِ. فَلَمْ تُفَرِّقْ الطَّائِفَتَانِ بَيْنَ الشَّرِّ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ. وَبَيْنَ الشَّرِّ الْإِضَافِيِّ، وَالشَّرِّ الْمُطْلَقِ. وَلَمْ يَجْعَلُوا فِي الشَّرِّ الْإِضَافِيِّ حِكْمَةً يَصِيرُ بِهَا مِنْ قِسْمِ الْخَيْرِ. ثُمَّ قَالَ الْنُّفَاةِ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ. فَإِنَّا لَوْ جَوَّزْنَا عَلَيْهِ هَذَا لَجَوَّزْنَا عَلَيْهِ تَأْيِيدَ الْكَذَّابِ بِالْمُعْجِزَاتِ، وَتَعْذِيبَ الْأَنْبِيَاءِ وَإِكْرَامَ الْكُفَّارِ، وَغَيْرَ ذَلِك، مِمَّا يَسْتَعْظِمُ الْعُقَلَاءُ إضَافَتَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.

    ج ١٥ ص ٢٧١فَقَالَتْ الْمُثْبِتَةُ مِنْ الْجَهْمِيَّة الْمُجْبِرَةِ: بَلْ كُلُّ الْأَفْعَالِ جَائِزَةٌ عَلَيْهِ، كَمَا جَازَ ذَلِك الْخَاصُّ. وَإِنَّمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا لَا يَفْعَلُ، أَوْ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ: بِالْخَبَرِ، خَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْهُ. وَإِلَّا فَمَهْمَا قَدَّرَ: جَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَجَازَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ. لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ سَبَبٌ وَلَا حِكْمَةٌ، وَلَا صِفَةٌ تَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِبَعْضِ الْأَفْعَالِ دُونَ بَعْضٍ. بَلْ لَيْسَ إلَّا مَشِيئَةٌ، نِسْبَتُهَا إلَى جَمِيعِ الْحَوَادِثِ سَوَاءٌ. تَرَجَّحَ أَحَدُ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُرَجَّحٍ. فَقِيلَ لَهُمْ: فَيَجُوزُ تَأْيِيدُ الْكَذَّابُ بِالْمُعْجِزِ. فَلَا يَبْقَى الْمُعْجِزُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ. فَلَا يَبْقَى خَبَرُ نَبِيٍّ يَعْلَمُ بِهِ الْفَرْقَ. فَيَلْزَمُ - مَعَ الْكُفْرِ بِالْأَنْبِيَاءِ - أَنْ لَا يَعْلَمَ الْفَرْقَ، لَا بِسَمْعِ وَلَا بِعَقْلِ. فَاحْتَالُوا لِلْفَرَقِ بَيْن الْمُعْجَزَاتِ وَغَيْرِهَا. بِأَنَّ تَجْوِيزَ إتْيَانِ الْكَذَّابِ بِالْمُعْجِزَاتِ يَسْتَلْزِمُ تَعْجِيزَ الْبَارِي تَعَالَى عَمَّا بِهِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ. أَوْ لِأَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الصَّدْقِ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ. كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِك فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَبَيْنَ خَطَأِ الطَّائِفَتَيْنِ. وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا جَهْمًا فِي الْجَبْرِ - وَنَفَوْا حِكْمَةَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ، وَالْأَسْبَابُ الَّتِي بِهَا يَفْعَلُ، وَمَا خَلَقَهُ مِنْ الْقُوَى وَغَيْرِهَا - هُمْ مُبْتَدِعَةٌ مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ، مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ. كَمَا أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ الْنُّفَاةِ: مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ، مَعَ مُخَالِفَتِهِمْ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ.