مذهب الجهمية واشتهار مقالتهم في إمارة المأمون
فقرة واحدة، ج ١٥ ص ٣٥١
- ج ١٥ ص ٣٥١
وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا. تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا " ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ. وَهَذَا كَانَ بِالْعِرَاقِ. ثُمَّ ظَهَرَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ مِنْ تِرْمِذَ. وَمِنْهَا ظَهَرَ رَأْيُ جَهْمٍ. وَلِهَذَا كَانَ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ بِالْمَشْرِقِ: أَكْثَرَ كَلَامًا فِي رَدِّ مَذْهَبِ جَهْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ مِثْلُ إبْرَاهِيمَ بْنِ طهمان وَخَارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ وَمَثَلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَمْثَالِهِمْ - وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي ذَمِّهِمْ - وَابْنُ الماجشون وَغَيْرُهُمَا وَكَذَلِكَ الأوزاعي وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ. وَإِنَّمَا اشْتَهَرَتْ مَقَالَتُهُمْ مِنْ حِينِ مِحْنَةِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ. فَإِنَّهُمْ فِي إمَارَةِ الْمَأْمُونِ قَوُوا وَكَثُرُوا. فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَقَامَ بِخُرَاسَانَ مُدَّةً. وَاجْتَمَعَ بِهِمْ. ثُمَّ كَتَبَ بِالْمِحْنَةِ مِنْ طرسوس سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَفِيهَا مَاتَ. وَرَدُّوا أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ إلَى الْحَبْسِ بِبَغْدَادَ إلَى سَنَةِ عِشْرِينَ. وَفِيهَا كَانَتْ مِحْنَتُهُ مَعَ الْمُعْتَصِمِ وَمُنَاظَرَتُهُ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ. فَلَمَّا رَدَّ عَلَيْهِمْ مَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَيْهِ وَبَيَّنَ أَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ طَلَبَهُمْ مِنْ النَّاسِ أَنْ يُوَافِقُوهُمْ وَامْتِحَانُهُمْ إيَّاهُمْ: جَهْلٌ وَظُلْمٌ. وَأَرَادَ الْمُعْتَصِمُ إطْلَاقَهُ. فَأَشَارَ عَلَيْهِ مَنْ أَشَارَ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ
ج ١٥ ص ٣٥٢ضَرْبُهُ حَتَّى لَا تَنْكَسِرَ حُرْمَةُ الْخِلَافَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. فَلَمَّا ضَرَبُوهُ قَامَتْ الشَّنَاعَةُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَامَّةِ وَخَافُوا الْفِتْنَةَ. فَأَطْلَقُوهُ. وَكَانَ أَحْمَد بْنُ أَبِي دؤاد قَدْ جَمَعَ لَهُ نفاة الصِّفَاتِ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ. فَجَمَعَ لَهُ مِثْلُ أَبِي عِيسَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بُرْغُوثٍ مِنْ أَكَابِرَ النجارية أَصْحَابِ حُسَيْنٍ النَّجَّارِ. وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ - كَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد، وَإسْحَاقَ وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ - يُسَمُّونَ جَمِيعَ هَؤُلَاءِ: جهمية. وَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ - مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ - يَظُنُّونَ أَنَّ خُصُومَهُ كَانُوا الْمُعْتَزِلَةَ. وَيَظُنُّونَ أَنَّ بِشْرَ بْنَ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيَّ - وَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ مِحْنَةِ أَحْمَد وَابْنِ أَبِي دؤاد وَنَحْوِهِمَا - كَانُوا مُعْتَزِلَةً. وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ الْمُعْتَزِلَةُ كَانُوا نَوْعًا مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَقُولُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. وَكَانَتْ الْجَهْمِيَّة أَتْبَاعَ جَهْمٍ والنجارية أَتْبَاعَ حُسَيْنٍ النَّجَّارِ والضرارية أَتْبَاعَ ضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو وَالْمُعْتَزِلَةُ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ جَهْمًا اُشْتُهِرَ عَنْهُ نَوْعَانِ مِنْ الْبِدْعَةِ. أَحَدُهُمَا:
ج ١٥ ص ٣٥٣نَفْيُ الصِّفَاتِ، وَالثَّانِي: الْغُلُوُّ فِي الْقَدَرِ وَالْإِرْجَاءُ. فَجَعْلُ الْإِيمَانِ مُجَرَّدُ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ. وَجَعْلُ الْعِبَادِ لَا فِعْلَ لَهُمْ وَلَا قُدْرَةَ. وَهَذَانِ مِمَّا غَلَتْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي خِلَافِهِ فِيهِمَا. وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ: فَوَافَقَهُ عَلَى أَصْلِ قَوْلِهِ وَلَكِنْ قَدْ يُنَازِعُهُ مُنَازَعَاتٌ لَفْظِيَّةٌ. وَجَهْمٌ لَمْ يُثْبِتْ شَيْئًا مِنْ الصِّفَاتِ - لَا الْإِرَادَةَ وَلَا غَيْرَهَا - فَهُوَ إذَا قَالَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الطَّاعَاتِ وَيُبْغِضُ الْمَعَاصِيَ. فَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَهُ: الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ. وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ: فَهُوَ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ - كَالْإِرَادَةِ - فَاحْتَاجَ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْإِرَادَةِ: هَلْ هِيَ الْمَحَبَّةُ أَمْ لَا؟ وَأَنَّ الْمَعَاصِيَ: هَلْ يُحِبُّهَا اللَّهُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: إنَّ الْمَعَاصِيَ يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا كَمَا يُرِيدُهَا. وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي: أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ قَبْلَهُ كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَعَاصِيَ. وَذَكَرَ الْأَشْعَرِيّ فِي الْمُوجَزِ: أَنَّهُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَهُ طَائِفَةٌ سَمَّاهُمْ. أَشُكُّ فِي بَعْضِهِمْ.