بيان قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم " الآيات

٤ فقرات، ج ١٦ ص ٣٤١

  1. أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} الْآيَةُ. وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ كَرَاهَتُهُمْ لِلْجِهَادِ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ أَعْظَمُ مِنْ كَرَاهَتِهِمْ لِلْمُنْكَرَاتِ لَا سِيَّمَا إذَا كَثُرَتْ الْمُنْكَرَاتُ وَقَوِيَتْ فِيهَا الشُّبُهَاتُ وَالشَّهَوَاتُ فَرُبَّمَا مَالُوا إلَيْهَا تَارَةً وَعَنْهَا أُخْرَى فَتَكُونُ نَفْسُ أَحَدِهِمْ لَوَّامَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ أَمَّارَةً ثُمَّ إذَا ارْتَقَى إلَى الْحَالِ الْأَعْلَى فِي هَجْرِ السَّيِّئَاتِ وَصَارَتْ نَفْسُهُ مُطَمْئِنَةً تَارِكَةً لِلْمُنْكَرَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ لَا تُحِبُّ الْجِهَادَ وَمُصَابَرَةَ الْعَدُوِّ عَلَى ذَلِكَ وَاحْتِمَالَ مَا يُؤْذِيهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ: فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ آخَرُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} الْآيَاتُ إلَى قَوْلِهِ: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} وَالشَّفَاعَةُ الْإِعَانَةُ؛ إذْ الْمُعِينُ قَدْ صَارَ شَفْعًا لِلْمُعَانِ فَكُلُّ مَنْ أَعَانَ عَلَى بِرٍّ أَوْ تَقْوَى كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهُ وَمَنْ أَعَانَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنْهُ وَهَذَا حَالُ النَّاسِ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمِنْ ذَلِكَ الْجِهَادُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى قَبْلَ ذَلِكَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} إلَى قَوْلِهِ {إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} .

    ج ١٦ ص ٣٤١
  2. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ: مِنْ الْإِيمَانِ وَآثَارِهِ وَالْكُفْرِ وَآثَارِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ الْبَرِّ وَبَيْنَ الْكَافِرِ وَالْفَاجِرِ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْمَعُونَ أَخْبَارَ أَهْلِ الْإِيمَانِ فَيَشْهَدُونَ رُؤْيَتَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُمْ وَلِأَخْبَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ كَرُؤْيَةِ الصَّحَابَةِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمْعِهِمْ لِمَا بَلَّغَهُ عَنْ اللَّهِ وَالْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ يَسْمَعُ وَيَرَى عَلَى وَجْهِ الْبُغْضِ وَالْجَهْلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ} وَقَالَ: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} وَقَالَ: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} وَقَالَ: {فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: {وَالَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} وَقَالَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَكَذَلِكَ النَّظَرُ إلَى زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِتْنَةٌ فَقَالَ تَعَالَى {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وَفِي التَّوْبَةِ {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ} الْآيَةُ وَقَالَ: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} الْآيَةُ وَقَالَ: {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وَقَالَ: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ

    ج ١٦ ص ٣٤٣إلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} الْآيَاتُ. وَقَالَ: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وَقَالَ: {أَفَلَمْ يَرَوْا إلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} الْآيَةُ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: {إنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} وَقَالَ: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} الْآيَاتُ وَقَالَ: {إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} الْآيَةُ. فَالنَّظَرُ إلَى مَتَاعِ الدُّنْيَا عَلَى وَجْهِ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ لَهَا وَلِأَهْلِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالنَّظَرُ إلَى الْمَخْلُوقَاتِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ مَأْمُورٌ بِهِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ. وَأَمَّا رُؤْيَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْجِهَادِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لِدَفْعِ شَرِّ أُولَئِكَ وَإِزَالَتِهِ فَمَأْمُورٌ بِهِ وَكَذَلِكَ رُؤْيَةُ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا فِي الْجُمْلَةِ فَالْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ يُنْظَرُ إلَيْهَا نَظَرًا مَأْمُورًا بِهِ إمَّا لِلِاعْتِبَارِ وَإِمَّا لِبُغْضِ ذَلِكَ وَالنَّظَرُ إلَيْهِ لِبُغْضِ الْجِهَادِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَكَذَلِكَ الْمُوَالَاةُ وَالْمُعَادَاةُ؛ وَقَدْ تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ فِتْنَةٌ بِنَظَرِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ نَظَرُ عِبْرَةٍ وَقَدْ يُؤْمَرُ بِالْجِهَادِ فَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ نَظَرُ فِتْنَةٍ كَاَلَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} الْآيَةُ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ لَمَّا أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَجَهَّزَ لِغَزْوِ الرُّومِ فَقَالَ: إنِّي مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ وَأَخَافُ الْفِتْنَةَ بِنِسَاءِ الرُّومِ فَأْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ قَالَ تَعَالَى: {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} .

    ج ١٦ ص ٣٤٢
  3. فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِمَّا يَكُونُ بِاللِّسَانِ مِنْ الْقَوْلِ وَأَمَّا مَا يَكُونُ مِنْ الْفِعْلِ بِالْجَوَارِحِ فَكُلُّ عَمَلٍ يَتَضَمَّنُ مَحَبَّةَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا دَاخِلٌ فِي هَذَا؛ بَلْ يَكُونُ عَذَابُهُ أَشَدُّ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَوَعَّدَ بِالْعَذَابِ عَلَى مُجَرَّدِ مَحَبَّةِ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ قَدْ لَا يَقْتَرِنُ بِهَا قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ فَكَيْفَ إذَا اقْتَرَنَ بِهَا قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ؟ بَلْ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُبْغِضَ مَا أَبْغَضَهُ اللَّهُ مِنْ فِعْلِ الْفَاحِشَةِ وَالْقَذْفِ بِهَا وَإِشَاعَتِهَا فِي الَّذِينَ آمَنُوا وَمَنْ رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ حُشِرَ مَعَهُمْ كَمَا حُشِرَتْ امْرَأَةُ لُوطٍ مَعَهُمْ وَلَمْ تَكُنْ تَعْمَلُ فَاحِشَةَ اللِّوَاطِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ مِنْ الْمَرْأَةِ لَكِنَّهَا لَمَّا رَضِيَتْ فِعْلَهُمْ عَمَّهَا الْعَذَابُ مَعَهُمْ. فَمِنْ هَذَا الْبَابِ قِيلَ: مَنْ أَعَانَ عَلَى الْفَاحِشَةِ وَإِشَاعَتِهَا مِثْلُ الْقُوَّادِ الَّذِي يَقُودُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ إلَى الْفَاحِشَةِ لِأَجْلِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ رِيَاسَةٍ أَوْ سُحْتٍ يَأْكُلُهُ وَكَذَلِكَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ الَّتِي تُنْفِقُ بِذَلِكَ: مِثْلَ الْمُغَنِّينَ وشربة الْخَمْرِ وَضُمَّانِ الْجِهَاتِ السُّلْطَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ دَفْعِ مَنْ يُنْكِرُهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ قَلِيلَةً خَفِيفَةً خَفِيَّةً وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَا يَدْعُو إلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَيَنْهَى عَنْ طَاعَتِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُحَرَّمٌ بِخِلَافِ عَكْسِهِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} أَيْ أَنَّ مَا فِيهَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ.

    ج ١٦ ص ٣٤٥وَقَالَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ: {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} أَيْ: يُوقِعُهُمْ ذَلِكَ فِي مَعْصِيَتِهِ الَّتِي هِيَ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي تَنْهَى عَنْهُ الصَّلَاةُ وَالْخَمْرُ تَدْعُو إلَى الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فَإِنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ تَدْعُوهُ نَفْسُهُ إلَى الْجِمَاعِ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا فَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ الْجِمَاعَ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا تَدْعُو إلَى الْحَرَامِ بِعَيْنِهِ مِنْ الْجِمَاعِ فَيَأْتِي شَارِبُ الْخَمْرِ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ الْجِمَاعِ سَوَاءٌ كَانَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا وَالسُّكْرُ يُزِيلُ الْعَقْلَ الَّذِي كَانَ يُمَيِّزُ السَّكْرَانُ بِهِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْعَقْلُ الصَّحِيحُ يَنْهَى عَنْ مُوَاقَعَةِ الْحَرَامِ؛ وَلِهَذَا يُكْثِرُ شَارِبُ الْخَمْرِ مِنْ مُوَاقَعَةِ الْفَوَاحِشِ مَا لَا يُكْثِرُ مِنْ غَيْرِهَا حَتَّى رُبَّمَا يَقَعُ عَلَى ابْنَتِهِ وَابْنِهِ وَمَحَارِمِهِ وَقَدْ يَسْتَغْنِي بِالْحَلَالِ إذَا أَمْكَنَهُ وَيَدْعُو شُرْبُ الْخَمْرِ إلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ: مِنْ سَرِقَةٍ وَمُحَارَبَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْخَمْرِ وَمَا يَسْتَتْبِعُهُ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ مِنْ فَوَاحِشَ وَغِنَاءٍ. وَشُرْبُ الْخَمْرِ يُظْهِرُ أَسْرَارَ الرِّجَالِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ شَارِبُهُ بِمَا فِي بَاطِنِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إذَا أَرَادُوا اسْتِفْهَامَ مَا فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنْ الْأَسْرَارِ يَسْقُونَهُمْ الْخَمْرَ وَرُبَّمَا يَشْرَبُونَ مَعَهُمْ مَا لَا يَسْكَرُونَ بِهِ. وَأَيْضًا فَالْخَمْرُ تَصُدُّ الْإِنْسَانَ عَنْ عِلْمِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَمَصْلَحَتِهِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ وَجَمِيعِ أُمُورِهِ الَّتِي يُدَبِّرُهَا بِرَأْيِهِ وَعَقْلِهِ فَجَمِيعُ الْأُمُورِ الَّتِي تَصُدُّ

    ج ١٦ ص ٣٤٦عَنْهَا الْخَمْرُ مِنْ الْمَصَالِحِ وَتُوقِعُهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ دَاخِلَةٌ فِي قَوْله تَعَالَى {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ.} وَكَذَلِكَ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ هِيَ مُنْتَهَى قَصْدِ الشَّيْطَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلِ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ إفْسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ} . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْفَوَاحِشَ وَالظُّلْمَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الذُّنُوبِ تُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَأَنَّ كُلَّ عَدَاوَةٍ أَوْ بَغْضَاءَ فَأَصْلُهَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَالشَّيْطَانُ يَأْمُرُ بِالْمَعْصِيَةِ لِيُوقِعَ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا وَلَا يَرْضَى بِغَايَةِ مَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَالْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ شَرٌّ مَحْضٌ لَا يُحِبُّهَا عَاقِلٌ؛ بِخِلَافِ الْمَعَاصِي فَإِنَّ فِيهَا لَذَّةً كَالْخَمْرِ وَالْفَوَاحِشِ؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ تُرِيدُ ذَلِكَ وَالشَّيْطَانُ يَدْعُو إلَيْهَا النُّفُوسَ حَتَّى يُوقِعَهَا فِي شَرٍّ لَا تَهْوَاهُ وَلَا تُرِيدُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ مَا يُرِيدُهُ الشَّيْطَانُ بِالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يُرِيدُهُ الْإِنْسَانُ ثُمَّ قَالَ فِي سُورَةِ النُّورِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}

    ج ١٦ ص ٣٤٤
  4. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} {إنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فَنَهَى عَنْ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِهِ - وَهُوَ اتِّبَاعُ أَمْرِهِ بِالِاقْتِدَاءِ وَالِاتِّبَاعِ - وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالسُّوءِ وَالْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ وَقَالَ فِيهَا: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} فَالشَّيْطَانُ يَعِدُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالسُّوءِ وَاَللَّهُ يَعِدُ الْمَغْفِرَةَ وَالْفَضْلَ وَيَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ وَقَالَ عَنْ نَبِيِّهِ: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} وَقَالَ عَنْ أُمَّتِهِ: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} . وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. فَتَارَةً يَخُصُّ اسْمَ الْمُنْكَرِ بِالنَّهْيِ وَتَارَةً يُقْرِنُهُ بِالْفَحْشَاءِ وَتَارَةً يُقْرِنُ مَعَهُمَا الْبَغْيَ وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ: تَارَةً يَخُصُّهُ بِالْأَمْرِ وَتَارَةً يُقْرِنُ بِهِ غَيْرَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ قَدْ يَكُونُ عُمُومُهَا وَخُصُوصُهَا بِحَسَبِ الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ: كَلَفْظِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا إذَا أُفْرِدَ كَانَ عَامًّا لِمَا يَدُلَّانِ عَلَيْهِ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ؛ بِخِلَافِ اقْتِرَانِهِمَا فَإِنَّهُ يَكُونُ مَعْنَى كُلٍّ

    ج ١٦ ص ٣٤٨مِنْهُمَا لَيْسَ هُوَ مَعْنَى الْآخَرِ بَلْ أَخَصُّ مِنْ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْإِفْرَادِ وَأَيْضًا فَقَدْ يُعْطَفُ عَلَى الِاسْمِ الْعَامِّ بَعْضُ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ ثُمَّ قَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الْمُخَصَّصَ يَكُونُ مَذْكُورًا بِالْمَعْنَى الْعَامِّ وَالْخَاصِّ. فَإِذَا عُرِفَ هَذَا. فَاسْمُ " الْمُنْكَرِ " يَعُمُّ كُلَّ مَا كَرِهَهُ اللَّهُ وَنَهَى عَنْهُ وَهُوَ الْمُبْغَضُ وَاسْمُ " الْمَعْرُوفِ " يَعُمُّ كُلَّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ وَيَأْمُرُ بِهِ فَحَيْثُ أُفْرِدَا بِالذِّكْرِ فَإِنَّهُمَا يَعُمَّانِ كُلَّ مَحْبُوبٍ فِي الدِّينِ وَمَكْرُوهٍ وَإِذَا قُرِنَ الْمُنْكَرُ بِالْفَحْشَاءِ فَإِنَّ الْفَحْشَاءَ مَبْنَاهَا عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ و " الْمُنْكَرُ " هُوَ الَّذِي تُنْكِرُهُ الْقُلُوبُ فَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ مَا فِي الْفَاحِشَةِ مِنْ الْمَحَبَّةِ يُخْرِجُهَا عَنْ الدُّخُولِ فِي الْمُنْكَرِ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تُنْكِرُهَا الْقُلُوبُ فَإِنَّهَا تَشْتَهِيهَا النُّفُوسُ و " الْمُنْكَرُ " قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يَعُمُّ مَعْنَى الْفَحْشَاءِ وَقَدْ يُقَالُ: خُصَّتْ لِقُوَّةِ الْمُقْتَضِي لِمَا فِيهَا مِنْ الشَّهْوَةِ وَقَدْ يُقَالُ: قَصَدَ بِالْمُنْكَرِ مَا يُنْكَرُ مُطْلَقًا وَالْفَحْشَاءُ لِكَوْنِهَا تُشْتَهَى وَتُحَبُّ وَكَذَلِكَ " الْبَغْيُ " قُرِنَ بِهَا لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ مَحَبَّةِ النُّفُوسِ. وَلِهَذَا كَانَ جِنْسُ عَذَابِ صَاحِبِهِ أَعْظَمُ مِنْ جِنْسِ عَذَابِ صَاحِبِ الْفَحْشَاءِ وَمَنْشَؤُهُ مِنْ قُوَّةِ الْغَضَبِ كَمَا أَنَّ الْفَحْشَاءَ مَنْشَؤُهَا عَنْ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ وَلِكُلِّ مِنْ النُّفُوسِ لَذَّةٌ بِحُصُولِ مَطْلُوبِهَا فَالْفَوَاحِشُ وَالْبَغْيُ مَقْرُونَانِ بِالْمُنْكَرِ وَأَمَّا الْإِشْرَاكُ وَالْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ

    ج ١٦ ص ٣٤٩مَحْضٌ لَيْسَ فِي النُّفُوسِ مَيْلٌ إلَيْهِمَا؛ بَلْ إنَّمَا يَكُونَانِ عَنْ عِنَادٍ وَظُلْمٍ فَهُمَا مُنْكَرٌ وَظُلْمٌ مَحْضٌ بِالْفِطْرَةِ. فَهَذِهِ الْخِصَالُ فَسَادٌ فِي الْقُوَّةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ فَالصَّلَاةُ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ سَوَاءٌ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَى الشَّيْطَانِ أَوْ إلَى مَنْ يَتَّبِعُ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّ مَنْ أَتَى الْفَحْشَاءَ وَالْمُنْكَرَ سَوَاءٌ فَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ أَمَرَهُ فَهُوَ مُتَّبِعُهُ مُطِيعُهُ عَابِدٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْآتِي هُوَ الْآمِرُ فَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ أَبْلَغُ مِنْ فِعْلِهِ فَمَنْ أَمَرَ بِهَا غَيْرَهُ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ. وَمِنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ اسْتِمَاعُ الْعَبْدِ مَزَامِيرَ الشَّيْطَانِ وَالْمُغَنِّي هُوَ مُؤَذِّنُهُ الَّذِي يَدْعُو إلَى طَاعَتِهِ فَإِنَّ الْغِنَاءَ رُقْيَةُ الزِّنَا وَكَذَلِكَ مِنْ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ {قُلْ إنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ مُؤَاخَاةَ النِّسَاءِ والمردان وَإِحْضَارَهُمْ فِي سَمَاعِ الْغِنَاءِ وَدَعْوَى مَحَبَّةِ صُوَرِهِمْ لِلَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فُتِنَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَصَارُوا ضَالِّينَ مُضِلِّينَ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحَانَهُ نَهَى الْمَظْلُومَ بِالْقَذْفِ أَنْ يَمْنَعَ مَا يَنْبَغِي لَهُ فِعْلُهُ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى ذَوِي قَرَابَتِهِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَهْلِ التَّوْبَةِ وَأَمَرَهُ بِالْعَفْوِ

    ج ١٦ ص ٣٤٧