فصل: وأما الذين يصفونه بالعلو والسفول. . . لا يصفونه بأنه أكبر من كل شيء إلخ
٤ فقرات، ج ١٧ ص ١٠٦
- ج ١٧ ص ١٠٦
وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْعُلُوُّ وَالسُّفُولُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِلْإِضَافَةِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِوَاءُ وَالرُّبُوبِيَّةُ والخالقية وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَ غَيْرُهُ مَوْجُودًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِيًا عَلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَمَا يَقُولُونَ هُمْ: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِيًا عَلَيْهِ بِالْقَهْرِ أَوْ بِالْقَدْرِ أَوْ لَا يَكُونَ خِلَافُ مَا إذَا قَدَّرَ وَحْدَهُ فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ إنَّهُ حِينَئِذٍ قَاهِرٌ أَوْ قَادِرٌ أَوْ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ عَالٍ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَالُوا: " إنَّهُ قَادِرٌ وَقَاهِرٌ " كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِالْغَيْرِ وَكَذَلِكَ عُلُوُّ الْقَدْرِ قِيلَ: وَكَذَلِكَ عُلُوُّ ذَاتِهِ مَا زَالَ عَالِيًا بِذَاتِهِ لَكِنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ الْغَيْرِ. وَالْإِلْزَامَاتُ مُفْحِمَةٌ لَهُمْ. وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ ثُمَّ صَارَ قَادِرًا. يَقُولُونَ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا مَعَ امْتِنَاعِ الْمَقْدُورِ وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مُمْكِنًا فَصَارَ مُمْكِنًا. فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
- فَصْلٌ:
-
وَأَمَّا الَّذِينَ يَصِفُونَهُ بِالْعُلُوِّ وَالسُّفُولِ فَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَهُوَ أَيْضًا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: إذَا نَزَلَ كُلَّ لَيْلَةٍ فَإِنَّهُ
ج ١٧ ص ١٠٧يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ أَكْبَرُ مِنْهُ وَيَقُولُونَ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ أَصْغَرَ مِنْ الْمَخْلُوقِ كَمَا يَقُولُ شُيُوخُهُمْ: إنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ أَسْفَلَ مِنْ الْمَخْلُوقِ فَهَؤُلَاءِ لَا يَصِفُونَهُ بِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بَلْ وَلَا هُوَ عَلَى قَوْلِهِمْ الْكَبِيرُ المتعال وَلَا هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. وَقَدْ بَسَطَ الرَّدَّ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي " مَسْأَلَةِ النُّزُولِ " لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ مِثْلِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَغَيْرِهِمَا: " إنَّهُ يَنْزِلُ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ " ذَكَرَ قَوْلَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَبَيَّنَ فَسَادَ قَوْلِهِمْ شَرْعًا وَعَقْلًا. وَهَؤُلَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الَّذِينَ يَنْفُونَ النُّزُولَ. وَإِذَا قِيلَ: حَدِيثُ النُّزُولِ وَنَحْوِهِ ظَاهِرُهُ لَيْسَ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَهَذَا صَحِيحٌ إذَا أُرِيدَ بِالظَّاهِرِ مَا يَظْهَرُ لِهَؤُلَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَنَّهُ يَنْزِلُ إلَى أَسْفَلَ فَيَصِيرُ تَحْتَ الْعَرْشِ كَمَا يَنْزِلُ الْإِنْسَانُ مِنْ سَطْحِ دَارِهِ إلَى أَسْفَلُ. وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَلَا يَبْقَى حِينَئِذٍ الْعَلِيُّ وَلَا الْأَعْلَى بَلْ يَكُونُ تَارَةً أَعْلَى وَتَارَةً أَسْفَلَ - تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ نُزُولِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَمِنْ نُزُولِهِ
ج ١٧ ص ١٠٨إلَى الْأَرْضِ لَمَّا خَلَقَهَا وَمِنْ نُزُولِهِ لِتَكْلِيمِ مُوسَى وَغَيْرِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} وَقَوْلِهِ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} وَقَوْلِهِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} والْنُّفَاةِ الْمُعَطِّلَةُ يَنْفُونَ الْمَجِيءَ وَالْإِتْيَانَ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَقُولُونَ: مَا ثَمَّ إلَّا مَا يَحْدُثُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَالْحُلُولِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَأْتِي وَيَجِيءُ بِحَيْثُ يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَيُشْغَلُ آخَرُ فَيَخْلُو مِنْهُ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَيَصِيرُ بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ فَوْقَهُ. فَإِذَا أَتَى وَجَاءَ لَمْ يَصِرْ عَلَى قَوْلِهِمْ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى وَلَا كَانَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. لَا سِيَّمَا إذَا قَالُوا: إنَّهُ يَحْوِيهِ بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ فَتَكُونُ أَكْبَرَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ عُلُوًّا عَظِيمًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} إنْ كَانَ قَدْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّهُ فِي جَوْفِ السَّمَاءِ فَهُوَ شَرٌّ قَوْلًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَكِنَّ هَذَا مَا عَلِمْت بِهِ قَائِلًا مُعَيَّنًا مَنْسُوبًا إلَى عِلْمٍ حَتَّى أَحْكِيَهُ قَوْلًا. وَمَنْ قَالَ: " إنَّهُ فِي السَّمَاءِ " فَمُرَادُهُ أَنَّهُ فِي الْعُلُوِّ لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ فِي جَوْفِ الْأَفْلَاكِ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْجُهَّالِ يَتَوَهَّمُ ذَلِكَ. وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ.
- ج ١٧ ص ١٠٩
الظَّاهِرُ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى خِلَافِ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ؛ لَكِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُطْلِقُونَ هَذَا الْقَوْلَ وَيَسْمَعُونَهُ أَوْ هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ هُوَ مِمَّا لَا يَسْلَمُ لَهُمْ كَمَا قَدْ يُبْسَطُ فِي مَوَاضِعَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ} فَاسْتَثْنَى نَفْسَهُ وَالْعَالِمُ " مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَرْفُوعٌ وَلَوْ كَانَ مُنْقَطِعًا لَكَانَ مَنْصُوبًا. وَالْمَرْفُوعُ عَلَى الْبَدَلِ وَالْعَامِلُ فِيهِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُفَرَّغِ كَأَنَّهُ قَالَ " لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ " . فَيَلْزَمُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي " مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ " . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ لَفْظَ " السَّمَاءِ " يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا سَمَا وَيَدْخُلُ فِيهِ السَّمَوَاتُ وَالْكُرْسِيُّ وَالْعَرْشُ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا فِي جَانِبِ النَّفْيِ وَهُوَ لَمْ يَقُلْ هُنَا: " السَّمَوَاتِ السَّبْعَ " بَلْ عَمَّ بِلَفْظِ " السَّمَوَاتِ " . وَإِذَا كَانَ لَفْظُ " السَّمَاءِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ السَّحَابُ وَيُرَادُ بِهِ الْفُلْكُ وَيُرَادُ بِهِ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ وَيُرَادُ بِهِ الْعُلُوُّ مُطْلَقًا فـ " السَّمَوَاتُ " جَمْعُ " سَمَاءٍ " وَكُلُّ مَنْ فِيمَا يُسَمَّى " سَمَاءً " وَكُلُّ مَنْ فِيمَا يُسَمَّى " أَرْضًا " لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ.