فصل: في الأمور التي جمع الله فيها بين ابراهيم وموسى
٤ فقرات، ج ١٧ ص ١٩٧
- ج ١٧ ص ١٩٧
وَقَالَ: احْتَجَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ أُجِيبُوا بِجَوَابَيْنِ. أَحَدِهِمَا: جَوَابُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ الزَّجَّاجُ قَالُوا. هَذِهِ نَارٌ مَخْصُوصَةٌ. لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهَا {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} لَا يَبْقَى فِيهِ كَبِيرُ وَعْدٍ فَإِنَّهُ إذَا جُنِّبَ تِلْكَ النَّارَ جَازَ أَنْ يُدَخِّلَ غَيْرَهَا. وَجَوَابُ آخَرِينَ قَالُوا: لَا يَصْلَوْنَهَا صَلْيَ خُلُودٍ. وَهَذَا أَقْرَبُ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الصَّلْيَ هُنَا هُوَ الصَّلْيُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ الْمُكْثُ فِيهَا وَالْخُلُودُ عَلَى وَجْهٍ يَصِلُ الْعَذَابُ إلَيْهِمْ دَائِمًا. فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ وَخَرَجَ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الصَّلْيِ لَيْسَ هُوَ الصَّلْيُ الْمُطْلَقُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ قَدْ مَاتَ فِيهَا وَالنَّارُ لَمْ تَأْكُلْهُ كُلَّهُ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا لَا تَأْكُلُ مَوَاضِعَ السُّجُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
- فَصْلٌ:
-
جَمَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَعَلَى سَائِرِ الْمُرْسَلِينَ فِي أُمُورٍ مِثْلُ قَوْلِهِ: {إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} {صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} .
- ج ١٧ ص ١٩٨
وَفِي حَدِيثِ {أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَ اللَّهُ؟ قَالَ: مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ: ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً عَلَى شيث وَخَمْسِينَ عَلَى إدْرِيسَ وَعَشْرٍ عَلَى إبْرَاهِيمَ. وَعَشْرٍ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ. وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَهَلْ عِنْدَنَا شَيْءٌ مِمَّا فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَقَرَأَ قَوْلَهُ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} {إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} {صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} } . فَإِنَّ التَّزَكِّي هُوَ التَّطَهُّرُ وَالتَّبَرُّكُ بِتَرْكِ السَّيِّئَاتِ الْمُوجِبِ زَكَاةَ النَّفْسِ كَمَا قَالَ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} وَلِهَذَا تُفَسَّرُ الزَّكَاةُ تَارَةً بِالنَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ وَتَارَةً بِالنَّظَافَةِ وَالْإِمَاطَةِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ إزَالَةِ الشَّرِّ وَزِيَادَةِ الْخَيْرِ. وَهَذَا هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَهُوَ الْإِحْسَانُ. وَذَلِكَ لَا يَنْفَعُ إلَّا بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ. وَهُوَ قَوْلُ {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} . فَهَذِهِ الثَّلَاثُ قَدْ يُقَالُ تُشْبِهُ الثَّلَاثَ الَّتِي يَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَهَا فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ مِثْلَ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} . وَمِثْلُ قَوْلِهِ: