فصل: في أن أهل السنة والجماعة يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وينزهونه عن مشابهة خلقه بخلاف أهل الضلال من الجهمية ونحوهم
٤ فقرات، ج ١٧ ص ٢٠٩
- ج ١٧ ص ٢٠٩
وَاسْتَفْهَمَ اسْتِفْهَامَ إنْكَارٍ وَجُحُودٍ لِطُرُقِ الْإِدْرَاكِ التَّامِّ وَهُوَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ. وَالْعَمَلُ التَّامُّ وَهُوَ الْيَدُ وَالرِّجْلُ كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَخْبَرَ فِيمَا رَوَى عَنْهُ رَسُولُهُ عَنْ أَحْبَابِهِ الْمُتَقَرِّبِينَ إلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ فَقَالَ: {وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ. فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا} .
- فَصْلٌ:
-
وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمُتَّبِعُونَ لِإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ يُثْبِتُونَ مَا أَثْبَتُوهُ مِنْ تَكْلِيمِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَسَائِرَ مَا لَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالْمَثَلِ الْأَعْلَى. وَيُنَزِّهُونَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْأَجْسَادِ الَّتِي لَا حَيَاةَ فِيهَا. فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} وَقَالَ: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} . وَقَالَ: {عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} فَوَصَفَ الْجَسَدَ بِعَدَمِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ الْمَوْتَانِ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَنْطِقُ وَلَا يُغْنِي شَيْئًا. وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّهُمْ سَلَكُوا
ج ١٧ ص ٢١٠سَبِيلَ أَعْدَاءِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَاِتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. وَقَدْ كَلَّمَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وَاِتَّخَذَهُ خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَرَفَعَهُ فَوْقَ ذَلِكَ دَرَجَاتٍ: وَتَابَعُوا فِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} {أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} وَتَابَعُوا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} وَاتَّبَعُوا الَّذِينَ أَلْحَدُوا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ. فَهُمْ يَجْحَدُونَ حَقِيقَةَ كَوْنِهِ الرَّحْمَنَ أَوْ أَنَّهُ يَرْحَمُ أَوْ يُكَلِّمُ أَوْ يَوَدُّ عِبَادَهُ أَوْ يَوَدُّونَهُ أَوْ أَنَّهُ فَوْقَ السَّمَوَاتِ. وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالْأَجْسَامِ الْحِسِّيَّةِ وَهِيَ الْحَيَوَانُ كَالْإِنْسَانِ وَأَنَّ هَذَا تَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ. فَهُمْ قَدْ شَبَّهُوهُ بِالْأَجْسَادِ الْمَيِّتَةِ فِيمَا هُوَ نَقْصٌ وَعَيْبٌ وَتَشْبِيهٌ دَلَّتْ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ وَالْفِطْرَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّهُ عَيْبٌ وَنَقْصٌ بَلْ يَقْتَضِي عَدَمُهُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْإِثْبَاتِ فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ فِيمَا قَالُوهُ تَشْبِيهًا مَا فَلَيْسَ هُوَ تَشْبِيهًا بِمَنْقُوصِ مَعِيبٍ وَلَا هُوَ فِي صِفَةِ نَقْصٍ أَوْ عَيْبٍ بَلْ فِي غَايَةِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ الْكَمَالُ وَأَنَّ لِصَاحِبِهِ الْجَلَالَ وَالْإِكْرَامَ.
- ج ١٧ ص ٢١١
فَصَارَ أَهْلُ السُّنَّةِ يَصِفُونَهُ بِالْوُجُودِ وَكَمَالِ الْوُجُودِ وَأُولَئِكَ يَصِفُونَهُ بِعَدَمِ كَمَالِ الْوُجُودِ أَوْ بِعَدَمِ الْوُجُودِ بِالْكُلِّيَّةِ. فَهُمْ مُمَثِّلَةٌ مُعَطِّلَةٌ مُمَثِّلَةٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ مُعَطِّلَةٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. أَمَّا فِي الْعَقْلِ فَلِأَنَّهُمْ مَثَّلُوهُ بِالْعَدَمِ وَالْأَجْسَادِ الْمَوْتَانِ. وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَإِنَّهُمْ مَثَّلُوا مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ صِفَاتِهِ بِنَفْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِنْ كَانَ هَذَا التَّمْثِيلُ الَّذِي ادَّعَوْا أَنَّهُ مَعْنَى النُّصُوصِ أَقَلَّ تَمْثِيلًا مِنْ تَمْثِيلِهِمْ الَّذِي ادَّعَوْهُ. وَأَمَّا تَعْطِيلُهُمْ فِي الْعَقْلِ فَإِنَّهُ تَعْطِيلٌ لِلصِّفَاتِ تَعْطِيلٌ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ الذَّاتِ. وَلِهَذَا أُلْجِئُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إلَى نَفْيِ الذَّاتِ بِالْكُلِّيَّةِ وَصَارُوا عَلَى طَرِيقَةِ فِرْعَوْنَ لَا يُقِرُّونَ إلَّا بِوُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُنَافِقُونَ فَيُقِرُّونَ بِأَلْفَاظٍ لَا مَعْنَى لَهَا أَوْ بِعِبَادَاتٍ لَا مَعْبُودَ لَهَا. وَأَمَّا تَعْطِيلُهُمْ لِلشَّرْعِ فَإِنَّهُمْ جَحَدُوا مَا فِي كُتُبِ اللَّهِ مِنْ الْمَعَانِي وَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ أَوْ قَالُوا: نَحْنُ كَالْأُمِّيِّينَ لَا نَعْلَمُ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ أَوْ: قُلُوبُنَا غُلْفٌ. وَقَالُوا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَظِيرَ مَا قَالَتْهُ الْكُفَّارُ