بيان أن معقولات الفلاسفة والجهمية والمعتزلة وغيرهم مناقضة لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفة لصريح العقل
١٠ فقرات، ج ١٧ ص ٤٤٣
- ج ١٧ ص ٤٤٣
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُبَيَّنُ أَنَّ كَلَامَهُمْ الَّذِي يُعَارِضُونَ بِهِ الرَّسُولَ بَاطِلٌ لَا تَعَارُضَ فِيهِ. وَلَا يَكْفِي كَوْنُهُ بَاطِلًا لَا يُعَارَضُ بَلْ هُوَ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ. فَهُمْ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّ الْعَقْلَ يُنَاقِضُ النَّقْلَ. فَيُبَيِّنُ أَرْبَعَ مَقَامَاتٍ: أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُنَاقِضُهُ. ثُمَّ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ يُوَافِقُهُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ عَقْلِيَّاتِهِمْ الَّتِي عَارَضُوا بِهَا النَّقْلَ بَاطِلَةٌ. وَيُبَيِّنُ أَيْضًا أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ يُخَالِفُهُمْ. ثُمَّ لَا يَكْفِي أَنَّ الْعَقْلَ يُبْطِلُ مَا عَارَضُوا بِهِ الرَّسُولَ بَلْ يُبَيِّنُ أَنَّ مَا جَعَلُوهُ دَلِيلًا عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ. فَهُمْ أَقَامُوا حُجَّةً تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الصَّانِعِ وَإِنْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ بِهَا الصَّانِعَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كَلَامَهُمْ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا بِهِ الصَّانِعَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الصَّانِعِ وَتَعْطِيلِهِ. فَلَا يَكْفِي فِيهِ أَنَّهُ بَاطِلٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْحَقِّ؛ بَلْ دَلَّ عَلَى الْبَاطِلِ الَّذِي يَعْلَمُونَ هُمْ وَسَائِرُ الْعُقَلَاءِ أَنَّهُ بَاطِلٌ. وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ فِي أُصُولِهِمْ " تَرْتِيبُ الْأُصُولِ فِي تَكْذِيبِ الرَّسُولِ " وَيُقَالُ أَيْضًا هِيَ " تَرْتِيبُ الْأُصُولِ فِي مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ وَالْمَعْقُولِ " . جَعَلُوهَا أُصُولًا لِلْعِلْمِ بِالْخَالِقِ وَهِيَ أُصُولٌ تُنَاقِضُ الْعِلْمَ بِهِ. فَلَا يَتِمُّ الْعِلْمُ بِالْخَالِقِ إلَّا مَعَ اعْتِقَادِ نَقِيضهَا. وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالدَّلِيلِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْعِلْمِ بِالرَّبِّ وَبَيْنَ الْمُنَاقِضِ الْمُعَارِضِ لِلْعِلْمِ بِالرَّبِّ.
- ج ١٧ ص ٤٤٤
فالمتفلسفة يَقُولُونَ إنَّهُمْ أَثْبَتُوا وَاجِبَ الْوُجُودِ. وَهُمْ لَمْ يُثْبِتُوهُ بَلْ كَلَامُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُمْتَنِعُ الْوُجُودِ. وَالْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ يَقُولُونَ إنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْقَدِيمَ الْمُحْدِثَ لِلْحَوَادِثِ وَهُمْ لَمْ يُثْبِتُوهُ بَلْ كَلَامُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَا ثَمَّ قَدِيمٌ أَصْلًا. وَكَذَلِكَ الْأَشْعَرِيَّةُ والكَرَّامِيَة وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَقُولُ إنَّهُ أَثْبَتَ الْعِلْمَ بِالْخَالِقِ فَهُمْ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَكِنَّ كَلَامَهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَا ثَمَّ خَالِقٌ. وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ هِيَ الَّتِي يُظْهِرُهَا هَؤُلَاءِ وَاجِبُ الْوُجُودِ وَالْقَدِيمُ وَالصَّانِعُ أَوْ الْخَالِقُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْوُجُودِ مِنْ مَوْجُودٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ مُحْدِثٍ لِلْحَوَادِثِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا بِالْفِطْرَةِ وَالضَّرُورَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْيَقِينِيَّةِ وَكَانَتْ أُصُولُهُمْ الَّتِي عَارَضُوا بِهَا الرَّسُولَ تُنَاقِضُ هَذَا دَلَّ عَلَى فَسَادِهَا جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالصَّانِعِ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ مَعَ كَثْرَةِ دَلَائِلِهِ وَبَرَاهِينِهِ. وَنَقُولُ هُنَا: لَا رَيْبَ أَنَّا نَشْهَدُ الْحَوَادِثَ كَحُدُوثِ السَّحَابِ وَالْمَطَرِ وَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ وَالشَّمْسِ وَحُدُوثِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ
ج ١٧ ص ٤٤٥وَحُدُوثِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَسَلْسُلُ الْمُحْدَثَاتِ بِأَنْ يَكُونَ لِلْمُحْدَثِ مُحْدِثٌ وَلِلْمُحْدَثِ مُحْدِثٌ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ. وَهَذَا يُسَمَّى تَسَلْسُلَ الْمُؤَثِّرَاتِ وَالْعِلَلِ وَالْفَاعِلِيَّةِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ وَذُكِرَ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِشْكَالَاتِ. حَتَّى ذُكِرَ كَلَامُ الآمدي والأبهري مَعَ كَلَامِ الرَّازِي وَغَيْرِهِمْ. مَعَ أَنَّ هَذَا بَدِيهِيٌّ ضَرُورِيٌّ فِي الْعُقُولِ وَتِلْكَ الْخَوَاطِرُ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ. وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَبْدَ إذَا خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ مِنْهُ وَيَنْتَهِيَ عَنْهُ. فَقَالَ: {يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ. فَيَقُولُ: فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ} . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُحْدِثَ الْوَاحِدَ لَا يُحْدِثُ إلَّا بِمُحْدِثِ. فَإِذَا كَثُرَتْ الْحَوَادِثُ وَتَسَلْسَلَتْ كَانَ احْتِيَاجُهَا إلَى الْمُحْدِثِ أَوْلَى. وَكُلُّهَا مُحْدَثَاتٌ فَكُلُّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَى مُحْدِثٍ. وَذَلِكَ لَا يَزُولُ إلَّا بِمُحْدِثِ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ بَلْ هُوَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ بِنَفْسِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَإِذَا قِيلَ: إنَّ الْمَوْجُودَ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا مُحْدَثٌ وَالْمُحْدَثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ فَيَلْزَمُ وُجُودُ الْقَدِيمِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ كَانَ بُرْهَانًا صَحِيحًا.
- ج ١٧ ص ٤٤٦
وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: إمَّا مُمْكِنٌ وَإِمَّا وَاجِبٌ وَبُيِّنَ الْمُمْكِنُ بِأَنَّهُ الْمُحْدِثُ كَانَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. وَأَمَّا إذَا فُسِّرَ الْمُمْكِنُ بِمَا يَتَنَاوَلُ الْقَدِيمَ كَمَا فَعَلَ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ كالرَّازِي كَانَ هَذَا بَاطِلًا. فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْمُمْكِنِ الْمُفْتَقِرِ إلَى الْوَاجِبِ ابْتِدَاءً وَالدَّلِيلُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِإِثْبَاتِ هَذَا ابْتِدَاءً. وَإِنَّمَا يَمْكَنُ ذَلِكَ فِي أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ. فَإِنَّ هَذَا تُشْهَدُ أَفْرَادُهُ وَتُعْلَمُ بِالْعَقْلِ كُلِّيَّاتُهُ. وَأَمَّا إثْبَاتُ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ مُمْكِنٍ فَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى امْتِنَاعِهِ. وَابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ وَافَقُوا عَلَى امْتِنَاعِهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْمَنْطِقِ تَبَعًا لِسَلَفِهِمْ؛ لَكِنْ تَنَاقَضُوا أَوَّلًا. فَسَلَفُهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: الْمُمْكِنُ الْعَامِّيُّ وَالْخَاصِّيُّ الَّذِي يُمْكِنُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ لَا يَكُونُ إلَّا حَادِثًا لَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا وَكُلُّ مَا كَانَ قَدِيمًا أَزَلِيًّا فَهُوَ ضَرُورِيٌّ عِنْدَهُمْ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْمَوْجُودُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مَخْلُوقًا وَالْمَخْلُوقُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَوْجُودٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ فَثَبَتَ وُجُودُ الْمَوْجُودِ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْمَوْجُودُ إمَّا غَنِيٌّ عَنْ غَيْرِهِ وَإِمَّا فَقِيرٌ إلَى غَيْرِهِ وَالْفَقِيرُ الْمُحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ لَا تَزُولُ حَاجَتُهُ وَفَقْرُهُ إلَّا بِغِنَى عَنْ غَيْرِهِ
ج ١٧ ص ٤٤٧فَيَلْزَمُ وُجُودُ الْغِنَى عَنْ غَيْرِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْحَيُّ إمَّا حَيٌّ بِنَفْسِهِ وَإِمَّا حَيٌّ حَيَاتُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَمَا كَانَتْ حَيَاتُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَذَلِكَ الْغَيْرُ أَوْلَى بِالْحَيَاةِ فَيَكُونُ حَيًّا بِنَفْسِهِ فَثَبَتَ وُجُودُ الْحَيِّ بِنَفْسِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْعَالِمُ إمَّا عَالِمٌ بِنَفْسِهِ وَإِمَّا عَالِمٌ عَلَّمَهُ غَيْرُهُ وَمَنْ عَلَّمَ غَيْرَهُ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ غَيْرِهِ كَانَ عَالِمًا بِنَفْسِهِ فَثَبَتَ وُجُودُ الْعَالِمِ بِنَفْسِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْحَاصِرَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ سِوَى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ وَالْقِسْمَيْنِ. فَإِذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ إلَّا أَحَدُهُمَا وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ الْعَالِمُ بِنَفْسِهِ مَوْجُودٌ وَالْحَيُّ بِنَفْسِهِ مَوْجُودٌ وَالْغَنِيُّ بِنَفْسِهِ مَوْجُودٌ وَالْقَدِيمُ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ مَوْجُودٌ لَزِمَ وُجُودُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَامْتِنَاعُ عَدَمِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْقَادِرُ إمَّا قَادِرٌ بِنَفْسِهِ وَإِمَّا قَادِرٌ قَدَّرَهُ غَيْرُهُ وَمَنْ أَقْدَرَ غَيْرَهُ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ قَادِرًا. وَإِذَا لَمْ تَكُنْ قُدْرَتُهُ مِنْ غَيْرِهِ كَانَتْ قُدْرَتُهُ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ فَثَبَتَ وُجُودُ الْقَادِرِ بِنَفَسِهِ الَّذِي قُدْرَتُهُ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ وَعِلْمُهُ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ وَحَيَاتُهُ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
- ج ١٧ ص ٤٤٨
وَكَذَلِكَ الْحَكِيمُ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَكِيمًا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ حِكْمَتُهُ مِنْ غَيْرِهِ. وَمَنْ جَعَلَ غَيْرَهُ حَكِيمًا فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ حَكِيمًا فَيَلْزَمُ وُجُودُ الْحَكِيمِ بِنَفْسِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الرَّحِيمُ إمَّا أَنْ تَكُونَ رَحْمَتُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ جَعَلَهُ رَحِيمًا. وَمَنْ جَعَلَ غَيْرَهُ رَحِيمًا فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ رَحِيمًا وَتَكُونَ رَحْمَتُهُ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ فَثَبَتَ وُجُودُ الرَّحِيمِ بِنَفَسِهِ الَّذِي رَحْمَتُهُ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْكَرِيمُ الْمُحْسِنُ إمَّا أَنْ يَكُونَ كَرَمُهُ وَإِحْسَانُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ. وَمَنْ جَعَلَ غَيْرَهُ كَرِيمًا مُحْسِنًا فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كِرِيمًا مُحْسِنًا وَذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ.
-
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ رَأَى امْرَأَةً مِنْ السَّبْيِ إذَا رَأَتْ طِفْلًا أَرْضَعْته رَحْمَةً لَهُ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا} . فَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أَرْحَمِ الْوَالِدَاتِ بِوَلَدِهَا. فَإِنَّهُ مَنْ جَعَلَهَا رَحِيمَةً أَرْحَمُ مِنْهَا. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ {وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} وَقَوْلُنَا " اللَّهُ أَكْبَرُ "
- ج ١٧ ص ٤٤٩
فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. وَخَيْرُ الْغَافِرِينَ وَخَيْرُ الْفَاتِحِينَ وَخَيْرُ النَّاصِرِينَ وَأَحْسَنُ الْخَالِقِينَ وَهُوَ نِعْمَ الْوَكِيلِ وَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرِ. وَهَذَا يَقْتَضِي حَمْدًا مُطْلَقًا عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّهُ كَافِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يَتَوَلَّى عَبْدَهُ تَوَلِّيًا حَسَنًا وَيَنْصُرُهُ نَصْرًا عَزِيزًا. وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُنَا " اللَّهُ أَكْبَرُ " . وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْمُتَكَلِّمُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ جَعَلَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا. وَمَنْ جَعَلَ غَيْرَهُ مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا وَإِلَّا كَانَ الْمَفْعُولُ أَكْمَلَ مِنْ الْفَاعِلِ فَإِنَّ هَذِهِ صِفَاتُ كَمَالٍ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ: الْعَادِلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَادِلًا بِنَفْسِهِ وَالصَّادِقُ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ جَعَلَهُ صَادِقًا عَادِلًا. وَمَنْ جَعَلَ غَيْرَهُ صَادِقًا عَادِلًا فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ صَادِقًا عَادِلًا. فَهَذِهِ كُلُّهَا طُرُقٌ صَحِيحَةٌ بَيِّنَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: يُعَارَضُ هَذَا بِأَنْ يُقَالَ: مَنْ جَعَلَ غَيْرَهُ ظَالِمًا أَوْ كَاذِبًا فَهُوَ أَيْضًا ظَالِمٌ كَاذِبٌ وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ إنَّهُ جَعَلَ غَيْرَهُ كَذَلِكَ
ج ١٧ ص ٤٥٠وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ سُبْحَانَهُ قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ جَعَلَ غَيْرَهُ عَلَى صِفَةٍ أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَا بَلْ مَنْ جَعَلَ غَيْرَهُ عَلَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَهُوَ أَوْلَى بِاتِّصَافِهِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ مِنْ مَفْعُولِهِ. وَأَمَّا صِفَاتُ النَّقْصِ فَلَا يَلْزَمُ إذَا جَعَلَ الْجَاعِلُ غَيْرَهُ نَاقِصًا أَنْ يَكُونَ هُوَ نَاقِصًا. فَالْقَادِرُ يَقْدِرُ أَنْ يَعْجِزَ غَيْرَهُ وَلَا يَكُونُ عَاجِزًا. وَالْحَيُّ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْتُلَ غَيْرَهُ وَيُمِيتَهُ وَلَا يَكُونُ مَيِّتًا. وَالْعَالِمُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُجْهِلَ غَيْرَهُ وَلَا يَكُونُ جَاهِلًا. وَالسَّمِيعُ وَالْبَصِيرُ وَالنَّاطِقُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعْمِيَ غَيْرَهُ وَيُصِمَّهُ وَيُخْرِسَهُ وَلَا يَكُونُ هُوَ كَذَلِكَ. فَلَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنَّ مَنْ جَعَلَ غَيْرَهُ ظَالِمًا وَكَاذِبًا أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا وَظَالِمًا لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ نَقْصٍ. فَإِنْ قِيلَ: الْكَاذِبُ وَالظَّالِمُ قَدْ يُلْزِمُ غَيْرَهُ بِالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ أَحْيَانًا قِيلَ: هُوَ لَمْ يَجْعَلْهُ صَادِقًا وَعَالِمًا وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. وَلَمْ نَقُلْ: كُلُّ مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِشَيْءِ كَانَ مُتَّصِفًا بِمَا أَمَرَ بِهِ غَيْرَهُ. الثَّانِي: أَنَّ الظُّلْمَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ إضَافِيٌّ فَمَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يَقْتُلَ شَخْصًا
ج ١٧ ص ٤٥١فَقَتَلَهُ هَذَا الْقَاتِلُ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ يَعْلَمُهُ كَانَ ظَالِمًا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْآمِرُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ قَتَلَ أَبَاهُ وَالْمَأْمُورُ لَمْ يَفْعَلْهُ لِذَلِكَ. فَلَوْ فَعَلَهُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا. فَإِنْ كَانَ لَهُ مَعَهُ غَرَضٌ فَقَتَلَهُ ظُلْمًا وَلَكِنَّ الْآمِرَ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِقَتْلِهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِمَا هُوَ كَذِبٌ مِنْ الْمَأْمُورِ كَأَمْرِ يُوسُفَ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَقُولَ {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَصَدَ. إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ وَهُوَ صَادِقٌ فِي هَذَا. وَالْمَأْمُورُ قَصَدَ: إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ الصُّوَاعَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ سَرَقُوهُ فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُ كَذِبًا. وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا تُقَاسُ أَفْعَالُهُ بِأَفْعَالِ عِبَادِهِ. فَهُوَ يَخْلُقُ جَمِيعَ مَا يَخْلُقُهُ لِحِكْمَةِ وَمَصْلَحَةٍ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ مَا خَلَقَهُ فِيهِ قُبْحٌ كَمَا يَخْلُقُ الْأَعْيَانَ الْخَبِيثَةَ كَالنَّجَاسَاتِ وَكَالشَّيَاطِينِ لِحِكْمَةِ رَاجِحَةٍ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ دَلَائِلَ إثْبَاتِ الرَّبِّ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَعْقُولَ يُعَارِضُ خَبَرَ الرَّسُولِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّهُمْ أَثْبَتُوا وَاجِبَ الْوُجُودِ أَوْ الْقَدِيمَ أَوْ الصَّانِعَ هُمْ لَمْ يُثْبِتُوهُ بَلْ حُجَجُهُمْ تَقْتَضِي نَفْيَهُ وَتَعْطِيلَهُ فَهُمْ نَافُونَ لَهُ. لَا مُثْبِتُونَ لَهُ. وَحُجَجُهُمْ بَاطِلَةٌ
- ج ١٧ ص ٤٥٢
فِي الْعَقْلِ لَا صَحِيحَةٌ فِي الْعَقْلِ. وَالْمَعْرِفَةُ بِاَللَّهِ لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى أُصُولِهِمْ. بَلْ تَمَامُ الْمَعْرِفَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِفَسَادِ أُصُولِهِمْ وَإِنْ سَمَّوْهَا " أُصُولَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ " فَهِيَ " أُصُولُ الْجَهْلِ وَأُصُولُ دِينِ الشَّيْطَانِ لَا دِينِ الرَّحْمَنِ " . وَحَقِيقَةُ كَلَامِهِمْ " تَرْتِيبُ الْأُصُولِ فِي مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ وَالْمَعْقُولِ " كَمَا قَالَ أَصْحَابُ النَّارِ {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} . فَمَنْ خَالَفَ الرَّسُولَ فَقَدْ خَالَفَ السَّمْعَ وَالْعَقْلَ خَالَفَ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ. أَمَّا الْقَائِلُونَ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ فَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى وَاجِبِ الْوُجُودِ. وَأَنَّ الرَّازِيَّ لَمَّا تَبِعَ ابْنَ سِينَا لَمْ يَكُنْ فِي كُتُبِهِ إثْبَاتُ وَاجِبِ الْوُجُودِ. فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا وُجُودَهُ مَوْقُوفًا عَلَى إثْبَاتِ " الْمُمْكِنِ " الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْقَدِيمُ. فَمَا بَقِيَ يُمْكِنُ إثْبَاتُ وَاجِبِ الْوُجُودِ عَلَى طَرِيقِهِمْ إلَّا بِإِثْبَاتِ مُمْكِنٍ قَدِيمٍ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي بَدِيهَةِ الْعَقْلِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. فَكَانَ طَرِيقُهُمْ مَوْقُوفًا عَلَى مُقَدِّمَةٍ بَاطِلَةٍ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى بُطْلَانِهَا فَبَطَلَ دَلِيلُهُمْ. وَلِهَذَا كَانَ كَلَامُهُمْ فِي " الْمُمْكِنِ " مُضْطَرِبًا غَايَةَ الِاضْطِرَابِ. وَلَكِنْ أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ وَهُوَ
ج ١٧ ص ٤٥٣وَاجِبُ الْوُجُودِ. وَلَكِنْ قَدْ أَثْبَتُوا قَدِيمًا لَيْسَ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ. فَصَارَ مَا أَثْبَتُوهُ مِنْ الْقَدِيمِ يُنَاقِضُ أَنْ يَكُونَ هُوَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إذْ أَثْبَتُوا قَدِيمًا يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَإِلَى غَيْرِ وَاجِبٍ. وَأَيْضًا فَالْوَاجِبُ الَّذِي أَثْبَتُوهُ قَالُوا: إنَّهُ يَمْتَنِعُ اتِّصَافُهُ بِصِفَةِ ثُبُوتِيَّةٍ. وَهَذَا مُمْتَنِعُ الْوُجُوبِ لَا مُمْكِنُ الْوُجُوبِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الْوُجُودِ كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ وَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي يَدَّعُونَهُ يَقُولُونَ إنَّهُ لَا يَكُونُ لَا صِفَةً وَلَا مَوْصُوفًا أَلْبَتَّةَ. وَهَذَا إنَّمَا يَتَخَيَّلُ فِي الْأَذْهَانِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ. وَالْوَاجِبُ إذَا فُسِّرَ بِمُبْدِعِ الْمُمَكَّنَاتِ فَهُوَ حَقٌّ وَهُوَ اسْمٌ لِلَّذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِصِفَاتِهَا. وَإِذَا فُسِّرَ بِالْمَوْجُودِ بِنَفَسِهِ الَّذِي لَا فَاعِلَ لَهُ فَالذَّاتُ وَاجِبَةٌ وَالصِّفَاتُ وَاجِبَةٌ. وَإِذَا فُسِّرَ بِمَا لَا فَاعِلَ لَهُ وَلَا مُحْدِثَ فَالذَّاتُ وَاجِبَةٌ وَالصِّفَاتُ لَيْسَتْ وَاجِبَةً. وَإِذَا فُسِّرَ بِمَا لَيْسَ صِفَةً وَلَا مَوْصُوفًا فَهَذَا بَاطِلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ. بَلْ هُوَ مُمْتَنِعُ الْوُجُودِ لَا مُمْكِنَ الْوُجُودِ وَلَا وَاجِبَ الْوُجُودِ. وَكُلَّمَا أَمْعَنُوا فِي تَجْرِيدِهِ عَنْ الصِّفَاتِ كَانُوا أَشَدَّ إيغَالًا فِي التَّعْطِيلِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا إنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْقَدِيمَ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ والكَرَّامِيَة الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِحُدُوثِ الْأَعْرَاضِ
ج ١٧ ص ٤٥٤وَلُزُومِهَا لِلْأَجْسَامِ وَامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ فَهَؤُلَاءِ لَمْ يُثْبِتُوا الصَّانِعَ لِمَا عُرِفَ مِنْ فَسَادِ هَذَا الدَّلِيلِ حَيْثُ ادَّعَوْا امْتِنَاعَ كَوْنِ الرَّبِّ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ أَوْ فَعَّالًا لِمَا يَشَاءُ. بَلْ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ امْتِنَاعُ كَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا. وَأَدِلَّتُهُمْ عَلَى هَذَا الِامْتِنَاعِ قَدْ ذُكِرَتْ مُسْتَوْفَاةً فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَذُكِرَ كَلَامُهُمْ هُمْ فِي بَيَانِ بُطْلَانِهَا. وَأَمَّا كَوْنُهُمْ عَطَّلُوا الْخَالِقَ فَلِأَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ فَهُوَ مُحْدِثٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ مُحْدِثًا لَا قَدِيمًا. بَلْ حَقِيقَةُ أَصْلِهِمْ أَنَّ مَا قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ وَالْأَفْعَالُ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَكُلُّ مَوْجُودٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَوْجُودٍ مُحْدِثًا. وَلِهَذَا صَرَّحَ أَئِمَّةُ هَذَا الطَّرِيقِ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ بِنَفْيِ صِفَاتِ الرَّبِّ وَبِنَفْيِ قِيَامِ الْأَفْعَالِ وَسَائِرِ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِذَاتِهِ إذْ هَذَا مُوجَبُ دَلِيلِهِمْ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَازِمَةٌ لَهُ وَنَفْيُ اللَّازِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمَلْزُومِ. فَكَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ نَفْيَ الرَّبِّ وَتَعْطِيلَهُ. وَهُمْ يُسَمُّونَ الصِّفَاتِ أَعْرَاضًا وَالْأَفْعَالَ وَنَحْوَهَا حَوَادِثَ. فَقَالُوا الرَّبُّ يُنَزَّهُ عَنْ أَنْ تَقُومَ بِهِ الْأَعْرَاضُ وَالْحَوَادِثُ. فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا. قَالُوا: وَقَدْ أَقَمْنَا الدَّلِيلَ عَلَى حُدُوثِ كُلِّ جِسْمٍ. فَإِنَّ
- ج ١٧ ص ٤٥٥
الْجِسْمَ لَا يَنْفَكُّ مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمُحْدَثَةِ وَلَا يَسْبِقُهَا وَمَا لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ الْحَوَادِثِ وَلَمْ يَسْبِقْهَا فَهُوَ حَادِثٌ. وَقَدْ قَامَتْ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَأَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ فَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ الْحَوَادِثَ وَلَمْ يَنْفَكَّ عَنْهَا. وَيَجِبُ عَلَى قَوْلِهِمْ كَوْنُهُ حَادِثًا. فَالْأَصْلُ الَّذِي أَثْبَتُوا بِهِ الْقَدِيمَ هُوَ نَفْسُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِقَدِيمِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ قَدِيمٌ. كَمَا أَنَّ أُولَئِكَ أَصْلُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ بِذَاتِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ وَاجِبٌ بِذَاتِهِ. وَالطَّرِيقُ الَّتِي قَالُوا بِهَا يَثْبُتُ الصَّانِعُ مُنَاقِضَةٌ لِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ. وَإِذَا قَالُوا: لَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِالصَّانِعِ إلَّا بِهَا كَانَ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: بَلْ لَا يُمْكِنُ تَمَامُ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِفَسَادِهَا. وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِصِحَّتِهَا قَدْ كَذَّبَ بَعْضَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مِمَّا هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الرَّبِّ وَنَفْيُ اللَّازِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمَلْزُومِ. وَاَلَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ مِنْ جِنْسِ مَا زَعَمَ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى إمْكَانِ الْأَجْسَامِ. وَكُلٌّ مِنْهُمَا بَاطِلٌ.
- ج ١٧ ص ٤٥٦
وَمُقْتَضَاهُ حُدُوثُ كُلِّ مَوْجُودٍ وَإِمْكَانُ كُلِّ مَوْجُودٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ قَدِيمٌ وَلَا وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ. فَأُصُولُهُمْ تُنَاقِضُ مَطْلُوبَهُمْ. وَهِيَ طَرِيقَةٌ مُضِلَّةٌ لَا هَادِيَةٌ. لَكِنَّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} .
-
وَأَمَّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: نُثْبِتُ الصَّانِعَ وَالْخَالِقَ وَيَقُولُونَ: إنَّا نَسْلُك غَيْرَ هَذِهِ الطَّرِيقِ كَالِاسْتِدْلَالِ بِحُدُوثِ الصِّفَاتِ عَلَى الرَّبِّ. فَإِنَّ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى مَا الْتَزَمَهُ أُولَئِكَ. وَالرَّازِي قَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الطَّرِيقَ. وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ نَفْسُهُ فَلَمْ يَسْتَدِلَّ بِهَا. بَلْ " فِي اللُّمَعِ " و " رِسَالَتِهِ " إلَى الثَّغْرِ اسْتَدَلَّ بِالْحَوَادِثِ عَلَى حُدُوثِ مَا قَامَتْ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي النُّطْفَةِ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. ثُمَّ جَعَلَ حُدُوثَ تِلْكَ الْجَوَاهِرِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى حُدُوثِهَا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الصَّانِعِ. وَهَذِهِ الطَّرِيقُ بَاطِلَةٌ كَمَا قَدْ بُيِّنَ. وَأَمَّا تِلْكَ فَهِيَ صَحِيحَةٌ لَكِنْ أَفْسَدُوهَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِمْ جَعَلُوا