فصل: في حد العلم وحقيقته
١١٧ فقرة، ج ١ ص ٢١
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ٢١
٤٠- قال قائلون منا العلم تبين المعلوم على ما هو به وهذا مدخول من جهة أن التبين مشعر بوضوح الشيء عن إشكال وهذا يخرج العلم القديم عن الحد.
-
وقال [الشيخ] أبو الحسن رحمه الله العلم ما يوجب لمن قام به كونه عالما.
-
وهذا وإن كان يطرد وينعكس فهو مدخول فإن من جهل العلم وحمله جهله به [على] السؤال عنه فهو جاهل بكل اسم مشتق منه ووضوح ذلك يغنى عن بسطه وأصدق شاهد في فساده جريانه في كل صفة يفرض السؤال عنها وهو بمثابة قول القائل العلم ما علمه الله تعالى علما.
-
وقال الأستاذ أبو بكر١ [بن فورك] رحمه الله العلم ما يصح من المتصف به إحكام الفعل وإتقانه.
-
وليس من المقولات في حد العلم أظهر فسادا من هذا فإنه أولا حد العلم بكيفية العمل وخلى معظم العلوم على أن العلم لا يتأتى به الإحكام دون القدرة فيلزم من ذلك إدراج القدرة في حد العلم وإخراجها عن الرأي الذي رآه.
وقالت المعتزلة٢: حد العلم اعتقاد الشيء على ما هو به مع طمأنينة النفس.
-
وهذا بعد تطويل لا يليق بهذا المجموع باطل باعتقاد المقلد المصمم على عقده فإنه ليس علما عندهم وإن أنكروا الطمأنينة فيه كانوا مباهتين فإنا نرى الحشوي٣ من الحنابلة مصمما على عقد يتعلق بالمعتقد على ما هو به مع إنكاره.
- ج ١ ص ٢٢
النظر ولو نشر بالمنشار لم يكع ولم يرجع وكيف يتجه إنكار الطمأنينة والكفار مطمئنون إلى كفرهم ومن أنكر ذلك منهم مع اتفاقهم على الإخبار عن طمأنينتهم وهم الجم الغفير والعدد الكثير الذي لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد فقد خرق حجاب الهيبة واستأصل قاعدة العرف فقد بطل حدهم.
وقال القاضي أبو بكر رحمه الله: العلم معرفة المعلوم على ما هو به فإذا قيل له المعرفة هي العلم قال مجيبا الحد هو المحدود بعينه ولو كان غيره لم يكن حده وإنما على الحاد أن يأتي بعبارة يظن السائل عالما بها إن جهل ما سأل عنه فإن جهل العبارات كلها فسحقا سحقا.
-
ولست أرى ما قاله القاضي سديدا فإن الغرض من الحد الإشعار بالحقيقة التي بها قيام المسئول عن حده وبه تميزه الذاتي عما عداه وهذا لا يرشد إليه تغاير العبارات فإن قيل قد تتبعتم عيون كلام المحققين بالنقض فما المرتضى عندكم في حقيقة العلم وهل العلم مما تحويه صناعة الحد أم لا فليس كل شيء محدودا.
-
٤١- قلنا: الرأي السديد عندنا أن نتوصل إلى درك حقيقة العلم بماحثة نبغي بها ميز مطلوبنا مما ليس منه فإذا انتفضت الحواشي وضاق موضع النظر حاولنا مصادفة المقصد جهدنا.
-
٤٢- فنقول: الجهل عقد يتعلق بالمعتقد على خلاف ما هو به والعلم خالفه في ذلك ويتميز عنه والشك والظن يترددان بين معتقدين وهو بخلافهما في ذلك فلا يبقى إلا النظر في عقد يتعلق بالمعتقد على ما هو به من مقلد في ذلك مع التصميم والاستقرار مع القطع بأنه ليس علما والنظر في العلم الحق وما يتميز به عن عقد المقلد فليجرد الناظر فكره لمحاولة المميز بينهما فإن استتب له ذلك فقد أحاط بحقيقة العلم فإن ساعدت عبارة سديدة في الحد حد بها وإن لم تساعد اكتفى بدرك الحقيقة ولم يضر تقاعد العبارة فليس كل من يدرك حقيقة شيء تنتظم له عبارة عن حده ولو فرضنا رفض اللغات ودروس العبارات لاستقلت العقول بدرك المعقولات وإيضاح ذلك بالمثال أن ذا العقل يدرك [حقيقة] رائحة المسك ولو رام أن يصوغ عبارة عنها لم يجدها.
-
فنقول: عقد المقلد إذا لم يكن له مستند عقلي فهو على القطع من جنس الجهل وبيان ذلك بالمثال أن من سبق إلى عقده أن زيدا في الدار ولم يكن فيها.
- ج ١ ص ٢٣
ثم استمر العقد فدخلها زيد فحال المعتقد لا يختلف وإن اختلف المعتقد وعن ذلك نقل النقلة عن عبد السلام بن الجبائي وهو أبو هاشم أنه كان يقول العلم بالشيء والجهل به مثلان وأطال المحققون ألسنتهم فيه وهذا عندي غلط عظيم في النقل فالذي نص عليه الرجل في كتاب الأبواب أن العقد الصحيح مماثل للجهل وعنى بالعقد اعتقاد المقلد وقد سبق أن الوجه القطع بمساواة عقد المقلد الجهل فإذا ظهر ذلك قدمنا أمرا آخر وقلنا الشاك يرتبط عقده بأن زيدا في الدار أم لا والمقلد سابق إلى أحد المعتقدين من غير ثقة مستمر عليه إما عن وفاق أو عن سبب يقتضيه اتباع الأولين وحذار مخالفة الماضين.
-
ومن أحكام عقد المقلد أنه لو أصغى إلى جهة في التشكيك ولم يضرب عن حقيقة الإصغاء لتشكك لا محالة كالذي يتنبه وهو يأرق في وقفته.
-
٤٣- ومن عجيب الأمر ظن من ظن أن العلم [عقد من العقود أو نوع منها] وهو عندي نقيض جميعها فإن معنى العقد ربطك الفكر بمعتقد والاعتقاد افتعال منه والعلم يشعر بانحلال العقود وهو الانشراح والثلج والثقة.
-
وحق ذي العلم ألا يتصور تشككه وإن تناهى في الإصغاء إلى جهة التشكيك فإن أورد متحذق مسلكا في التشكيك على واثق بالعلم الحق كان العالم على حالات إحداها أن يتبين له سقوط جهة التشكيك والأخرى ألا يفهمها ولا يتخالجه ريب في معلومة لعدم علمه بما أورد عليه والأخرى أن ينقدح له اندفاع الشك ولا يتحرر له عبارة في دفعه ويرى معارضة جدلا محجاجا.
-
٤٤- وقد يقرأ على العالم المحقق في أمر سؤال صادر عن عقد له تقليدي والسؤال يلزم لزوما لا دفع له لو كان ذلك العقد علما فإذا كان الأول علما والثاني نقيضه فلا يستريب ذو التحصيل في بطلان عقده ولا يستطيع لو أنصف مراء وقد يكيع عن تغير عقده حذارا من أمر فتثور منه ثوائر في عقد التقليد والعلم السابق [يجاذبه] وليس ذلك شكا أرشدتم فيما تقدم وإنما هو إيثار ذهول عن الأول ليستمر ما يحاوله من الاستقرار على العقد التقليدي [و] لن يبالي بذلك إلا من ضعف غريزة عقله وهذا أوان الوقوف على هذا المنتهى فإن مجاوزته تزيد على قدر هذا المجموع وسأتحفك إن ساعدت الأقدار بلباب هذه الفنون مستعينا بالله وهو خير معين.
- ج ١ ص ٢٤
فصل
يحوي الأقاويل في مدارك العلوم.
-
٤٥- حكى أصحاب المقالات عن بعض الأوائل حصرهم مدارك العلوم في الحواس ومصيرهم إلى أن لا معلوم إلا المحسوسات.
-
ونقلوا عن طائفة يعرفون بالسمنية أنهم ضموا إلى الحواس أخبار التواتر ونفوا ما عداها.
-
وحكى عن بعض الأوائل أنهم قالوا لا معلوم إلا مادل عليه النظر العقلي وهذا في ظاهره مناقض للقول الأول ومتضمنة أن المحسوسات غير معلومة.
-
والذي أراه أن الناقلين غلطوا في نقل هذا عن القوم وأنا أنبه على وجه الغلط.
-
قال الأوائل العلوم كل ما تشكل في الحواس وما يفضي إليه نظر العقل مما لا يتشكل فهو معقول فنظر الناقلون إلى ذلك ولم يحيطوا باصطلاح القوم وقال المطلعون من مذاهبهم على أن لا معلوم إلا المحسوس من أصلهم أن المدارك تنحصر في الحواس وقال من رآهم يسمون النظريات معقولات من أصل هؤلاء أن المدارك منحصرة في سبل النظر وهذا ظن ولا أرى خلافا في المعنى وقال قائلون مدارك العلوم الإلهام.
-
وقال آخرون من الحشوية المشبهة لا مدارك للعلوم إلا الكتاب والسنة والإجماع وقال المحققون مدارك العلوم الضروريات التي تهجم مبادئ فكر العقلاء عليها والنظريات العقليات والسمعيات على ما سيأتي تفصيلها فأما الضروريات فإنها تقع بقدرة الله تعالى غير مقدورة للعباد والنظريات في رأى معظم الأصحاب مقدورة بالقدرة الحادثة.
-
٤٦- والمرتضى المقطوع به عندنا أن العلوم كلها ضرورية والدليل القاطع على ذلك أن من استد نظره وانتهى نهايته ولم يستعقب النظر ضد من أضداد العلم بالمنظور فيه فالعلم يحصل لا محالة من غير تقدير فرض خيرة فيه ولن يبلغ المرء مبلغ التحقيق في ذلك حتى يعرف مذهبنا في حقيقة النظر وسنبدي أنه تردد في أنحاء الضروريات ومراتبها على ما سيأتي شرحنا عليه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
- ج ١ ص ٢٥
٤٧- فأما المعتزلة فإنهم فهموا أن العلوم ليست مباشرة بالقدرة وعلموا أن النظر يستعقبها استعقابا لا دفع له فزعموا أن النظر يولدها توليد الأسباب مسبباتها.
-
والمقدور الذي هو مرتبط التكليف والثواب هو النظر عندي.
-
٤٨- ثم رتب أئمتنا أدلة العقل ترتيبا ننقله ثم نبين فساده ونوضح مختارنا فنكون جامعين بين نقل تراجم المذاهب والتنبيه على الصواب منها.
-
قالوا أدلة العقول تنقسم أربعة أقسام أحدها بناء الغائب على الشاهد والثاني إنتاج المقدمات النتائج والثالث السبر والتقسيم والرابع الاستدلال بالمتفق عليه على المختلف فيه.
-
ثم قالوا أما بناء الغائب على الشاهد فلا يجوز التحكم به من غير جامع عقلي ومن التحكم به شبهت المشبهة وعطلت المعطلة وعميت بصائر الزنادقة.
فقالت المشبهة: لم نر فاعلا ليس متصورا وقالت المعطلة: الموجود الذي لا يناسب موجودا غير معقول ثم حصروا الجوامع في أربع جهات أحدها الجمع بالعلة والثاني الجمع بالحقيقة والثالث الجمع بالشرط والرابع الجمع بالدليل فأما الجمع بالعلة فكقول [مثبتي] الصفات إذا كان كون العالم عالما شاهدا [معللا] بالعلم لزم طرد ذلك غائبا.
-
والجمع بالحقيقة كقول القائل حقيقة العالم شاهدا من له علم فيجب طرد ذلك غائبا.
-
والجمع بالشرط كقولنا العلم مشروط بالحياة شاهدا فيجب الحكم بذلك على الغائب.
-
[والجمع] بالدليل كقولنا الحدوث والتخصيص والإحكام يدل على القدرة والإرادة والعلم شاهدا فيجب طرد ذلك غائبا.
-
وأما بناء النتائج على المقدمات فهو كقولنا الجواهر لا تخلو عن حوادث مستندة إلى أولية فهذه هي المقدمة والنتيجة أن مالا يخلو عن الحوادث لا يسبقها.
-
والاستدلال بالمتفق على المختلف كقياسنا الألوان على الأكوان [في] استحالة تعري الجواهر عنها.
-
فهذا سياق كلام الأصحاب في ذلك.
- ج ١ ص ٢٦
ثم قالوا قد تكون المقدمة ضرورية والنتيجة نظرية وهذا هو الأكثر كقولنا تحرك الجوهر ولم يكن متحركا فهذه مقدمة ضرورية نتيجتها أنه لا بد والحالة هذه من فرض زائد على الذات.
-
وقد تكون المقدمة نظرية والنتيجة ضرورية كقولنا الجوهر لا يخلو عن الحوادث التي لها أول وهذه مقدمة نظرية لا يتوصل إليها إلا بدقيق النظر والنتيجة أن ما لا يخلو عن الحوادث التي لها أول حادث وهذا ضروري.
-
٤٩- فأما نحن فلا نرتضى شيئا من ذلك فأما بناء الغائب على الشاهد فلا أصل له فإن التحكم به باطل وفاقا والجمع بالعلة لا أصل له إذ لا علة ولا معلول عندنا وكون العالم عالما هو العلم بعينه.
-
والجمع بالحقيقة ليس بشيء فإن العلم الحادث مخالف للعلم القديم فكيف يجتمعان في الحقيقة مع اختلافهما فإن قيل جمعتهما العلمية فهو باطل مبنى على القول بالأحوال وسنوضح بطلانها على قدر مسيس الحاجة.
-
والقول الجامع في ذلك أنه إن قام دليل على المطلوب في الغائب فهو المقصود ولا أثر لذكر الشاهد وإن لم يقم دليل على المطلوب في الغائب فذكر الشاهد لا معنى له وليس في المعقول قياس وهذا يجري في الشرط والدليل.