فصل: في حد العلم وحقيقته

١١٧ فقرة، ج ١ ص ٢١

الصفحة ٢ من ٣

  1. وأما المقدمة والنتيجة فلست أرى في عد ذلك صنفا من أدلة العقول معنى ولا حاصل للفصل بين النظري والضروري والعلوم كلها ضرورية كما سبق تقريره.

    ج ١ ص ٢٦
  2. والاستدلال بالمتفق على المختلف لا أصل له فإن المطلوب في المعقولات العلم ولا أثر للخلاف والوفاق فيها.

  3. وأما السبر والتقسيم فمعظم ما يستعمل منه باطل فإنه لا ينحصر في نفى وإثبات كقول من يقول لو كان الإله مرئيا لرأيناه الآن فإن المانع من الرؤية القرب المفرط أو البعد [المفرط] أو الحجب إلى غير ذلك مما يعدونه وهذا الفن لا يفيد علما قط ويكفى في رده قول المعترض بم تنكرون على من يثبت مانعا غير ما ذكرتموه فلا يجد السابر المقسم من ذلك محيصا.

  4. فأما التقسيم الدائر بين النفي والإثبات فقد ينتهض ركنا في النظر الصحيح كما ذكرناه في كتاب النظر في الكلام.

  5. فصل

    يجمع قول الأصحاب في مراتب العلوم وما نختار من ذلك.

    ج ١ ص ٢٧
  6. ٥٠- قال الأئمة رحمهم الله مراتب العلوم في التقسيم الكلي عشر.

  7. الأولى: علم الإنسان بنفسه ويلتحق بذلك علمه بما يجده ضروريا من صفاته كألمه ولذاته.

  8. والدرجة الثانية: تحوي العلوم الضرورية كالعلم باستحالة المستحيلات وهذا دون الدرجة الأولى من حيث إنه يستند العلم فيه إلى فكر في ذوات المتضادات وتضادها.

  9. والثالثة: تجمع العلوم بالمحسوسات وهذه الرتبة دون الثانية لأن الحواس عرضة الآفات والتخييلات.

  10. والمرتبة الرابعة تحوي العلم بصدق المخبرين تواترا وهذا دون العلم بالمحسوسات ولما يتطرق إلى إخبار المخبرين من [إمكان] التواطؤ وإن كثر الجمع فلا بد من نوع من الفكر ولذلك ألحق الكعبي هذا القسم بالنظريات.

  11. والمرتبة الخامسة: العلم بالحرف والصناعات وهي محطوطة عما تقدم لما فيها من المعاناة والمقاساة وتوقع الغلطات.

  12. والمرتبة السادسة: في العلوم المستندة إلى قرائن الأحوال كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل وغضب الغضبان وإنما استأخرت هذه المرتبة لتعارض الاحتمالات في محامل الأحوال وخروجها عن الضبط.

  13. والمرتبة السابعة: العلوم الحاصلة بأدلة العقول وهي مستأخرة لا محالة عن الضروريات المذكورة في المراتب السابقة.

  14. والثامنة: العلم بجواز النبوات وابتعاث الرسل وجواز ورود الشرائع.

  15. والتاسعة: في العلم بالمعجزات إذا وقعت.

  16. والعاشرة: في العلم بوقوع السمعيات الكلية ومستندها الكتاب والسنة والإجماع.

  17. ٥١- ثم في بعض الأقسام التي ذكروها مواقع خلاف على ما نشير إليها.

    ج ١ ص ٢٨
  18. فمن الجملة التي اختلف فيها الخائضون في التقسيم المحسوسات فقال قائلون كلها في درجة واحدة وقال آخرون السمع والبصر مقدمان على ما سواهما ثم من هؤلاء من قدم البصر على السمع لتعلقه بجميع الموجودات بزعمه ومنهم من سوى بينهما.

  19. ٥٢ - وذهب بعض أصحاب الأقاويل إلى تقديم السمع على البصر لوجهين أحدهما أن السمع لا يحتاج إلى الأشعة المتعرضة للحركات والتعريجات والأخر أن السمع لا يختص في دركه بجهة بخلاف البصر وذكر القتبي١ هذا واختاره وذكر أن الباري سبحانه وتعالى: قدم السمع على البصر فقال: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ} ٢ ثم قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ} ٣ وجمع من هذا كثيرا وهو ولاج هجوم على مالا يحسنه ومما قاله: إن الله لم يبتعث أصم وفي الأنبياء عليهم السلام عميان.

  20. ومما خاض فيه الخائضون أنا قدمنا ما يدرك بالحواس على ما يدرك بالعقل وهو اختيار شيخنا أبي الحسن الأشعري٤ رحمة الله عليه وقدم القلانسي المعقولات بالأدلة النظرية على المحسوسات من حيث إن العقل مرجع المعقولات ومحلها ومرجع المحسوسات إلى الحواس وهي عرضة الآفات فهذه جمل من المقالات.

  21. ٥٣- والحق عندنا بعيد نازح عن هذه المسالك وما أرى المقسمين بنوا تقاسيمهم إلا على الرضا والقناعة لعقود ظاهره لا تبلغ الثلج ومسلك اليقين ومن أحاط بحقيقة العلم واعتقد العلوم كلها ضرورية لم يتخيل فيها تقديما [ولا] تأخيرا.

  22. نعم الطرق إليها قد يتخيل أن فيها ترتيبا في تعرضها للزلل فأما العلوم في نفسها إذا حصلت على حقيقتها فيستحيل اعتقاد ترتيبها.

  23. فصل

    فيما يدرك بالعقل لا غير وفيما يدرك بالسمع لا غير وفيما يجوز فرض إدراكه بهما جميعا.

    ج ١ ص ٢٩
  24. ٥٤- فأما مالا يدرك إلا بالعقل فحقائق الأشياء ودرك [استحالة] المستحيلات وجواز الجائزات ووجوب الواجبات العقلية لا التكليفية الضرورية منها والنظرية.

  25. وأما ما لا يدرك إلا بالسمع فوقوع الجائزات وانتفاؤها وأما ما يشترك فيه السمع والعقل وبذكره ينضبط ما تقدم من القسمين فنقول فيه كل مدرك يتقدم على ثبوت كلام صدق فيستحيل دركه من سمع فإن مستند السمعيات كلها الكلام الحق الصدق.

  26. وبيان ذلك بالمثال: أن وجود الباري سبحانه وتعالى: وحياته وأن له كلاما صدقا لا يثبته سمع فأما من أحاط بكلام صدق ونظر بعده في جواز الرؤية وفي خلق الأفعال وأحكام القدرة فما يقع من هذا الفن بعد ثبوت مستند السمعيات لا يمتنع اشتراك السمع والعقل فيه.

  27. فصل

    يشتمل على مقدار من مدارك العقول تمس الحاجة إليه في مسائل الأصول.

  28. ٥٥- فنقول لا يجول العقل في كل شيء بل يقف في أشياء وينفذ في أشياء ولا يحصل مقدار غرضنا في هذا المجموع من مضمون هذا الفصل العظيم القدر إلا بتقديم قاعدة موضع استقصائها كتاب النظر من الكلام.

  29. فالنظر عندنا مباحثة في أنحاء الضروريات وأساليبها ثم العلوم الحاصلة على أثرها كلها ضرورية كما سبق تقرير ذلك وتلك الأنحاء يئول حاصل القول فيها إلى تقاسيم منضبطة بالنفي والإثبات منحصرة بينهما يعرضها العاقل على الفكر العقلي ويحكم فيها بالنفي والإثبات فإن كان ينقدح فيها نفى أو إثبات قطع به وليس للدليل تحصيل إلا تجريد الفكر من ذي نحيزة صحيحة إلى جهة يتطرق إلى مثلها العقل فإذا استد النظر وامتد إلى اليقين والدرك فهو الذي يسمى نظرا ودليلا.

  30. وبيان ذلك بالأمثلة الهندسية والأرتماطيقية والكلامية فمن المقدمات الهندسية ما تهجم العقول عليها من غير احتجاج إلى فكر كالعلم بأن الجزء أقل من الكل والكل.

  31. أكثر من الجزء والخطوط المستقيمة الخارجة من مركز الدائرة إلى محيطها متساوية إلى غير ذلك من الأمثلة إلى تسمى المصادرات.

    ج ١ ص ٣٠
  32. فإذا بنى المهندس على هذه المقدمات شكلا وركب عليها دعاوي وبرهنها بما يستند إلى تلك المقدمات فقد يحتاج في ترتيب الاستخراج إلى فكر طويل وإذا أحاط بما يبغيه فعلمه به على حسب علمه بالمقدمات وكذلك القول في العدديات.

  33. ويقول المتكلم في الجسم الساكن إذا تحرك [قد] تجدد أمر لم يكن وهذا مهجوم عليه من غير نظر ثم إن استد فكره في جهة إثبات [الأعراض] [قال] هذا التجدد جائز أم لا فيفرض التقسيم بين النفى والإثبات ثم يفكر فيطيل فكره أو يقصره على التفاوت في احتداد القرائح وكلالها فيعلم من غير وسيلة ما يسمى دليلا أن الحكم بوجوب التحرك محال فيعلم الجواز ثم يعن له تقسيم آخر في أن ما علم جوازه يثبت لنفسه أم لا فيفكر كما تقدم فيتعين له أحد القسمين تعيينا ضروريا.

  34. فهذا هو التردد في أنحاء الضروريات ولكنها لما انقسمت إلى مهجوم عليه وإلى ما يحتاج فيه إلى تقسيم وفكر سمى أحد القسمين نظريا والثاني ضروريا.

  35. فإذا تقرر ذلك فالقول الضابط في مقصود الفصل أن كل ما يتجه فيه تقسيم مضبوط وينقدح تعيين أحدهما فهو الذي يتطرق العقل إليه وما لا ينضبط فيه التقسيم أو ينضبط ولا يهتدي العقل مع الفكر الطويل إلى تعيين أحدهما فهو من [محارات] العقل.

  36. وبيان ذلك بمثالين: أحدهما: أن من أخذ يبغي جواز رؤية الباري سبحانه وتعالى: من النظر في أن مصحح الرؤية ماذا فهذا وقبيله لا يحصره النفي والإثبات فلا ينتهي النظر فيه قط إلى العلم.

  37. وأما المثال الثاني: فهو أن من نظر وقد عن له تقسيم بين نفى وإثبات في أن الجوهر هل يجوز أن يخلو عن الألوان أم لا فهذا تقسيم منضبط ولكن العقل لا يعين أحد القسمين وإن تمادى فيه فكر العاقل أبد الآباد ومن أراد أن يأخذ ذلك من القياس على الأكوان فقد نأى عن مسلك العقل فليس في العقل قياس.

  38. والتحقيق فيه: أن النظر الذي اقتضى استحالة العرو عن الأكوان إن قام في الألوان أغناك عن الاستشهاد بالأكوان فإذا لم يقم في الألوان فالعقل لا يحكم على الأكوان بحكم الألوان من غير بصيرة.

  39. ٥٦- ومما يتعين على الطالب الاهتمام به في مضايق هذه الحقائق أن يفصل بين موقف العقل وبين تبلده وقصوره لفرض عوائق تعوق.

    ج ١ ص ٣١
  40. ٥٧- ومما يجب الاعتناء به الميز بين الجواز الذي هو حكم مدرك [بالعقل] وبين الجواز الذي معناه التردد.