فصل: في حد العلم وحقيقته
١١٧ فقرة، ج ١ ص ٢١
الصفحة ٣ من ٣
- ج ١ ص ٣١
ونحن نذكر لمساق كل مقصد مسلكا مؤيدا بمثال على قدر ما يليق بهذا المجموع إن شاء الله تعالى.
-
فأما الموقف الذي يحكم به ويحيل تعديه فهو الإحاطة بأحكام الإلهيات على حقائقها وخواصها فأقصى إفضاء العقل إلى أمور [جملية] منها والدليل القاطع في ذلك رأى الإسلاميين أن ما يتصف به حادث موسوم بحكم النهاية يستحيل أن يدرك حقيقة مالا يتناهى وعبر الأوائل عن ذلك بأن قالوا تصرف الإنسان في المعقولات بفيض ما يحتمله من العقل عليه ويستحيل أن يدرك الجزء الكل ويحيط جزء طبيعي له حكم عقلي بما وراء عالم الطبائع وهذه العبارات وإن كانت مستنكرة في الإسلام فهي محومة على الحقائق ولكن لا يعدم العاقل العلم بكلى ما وراء [عالم] الطبائع فأما الاحتواء على الحقيقة فهو حكم سلطنة الكل على الجزء.
-
وأما [ما يحمل] على تبلد العقل فهو ما يقتضيه طارئ من الاعتلال أو الاختلال ولا يكاد ينكر ذلك العاقل من نفسه ثم يتصدى له طوران أحدهما أن يعلم قصوره والمطلوب مضطرب العقل والثاني أن يتمارى أنه مضطرب العقل أم لا وبالجملة لا يحكم لمن هذا حاله بتوقف العقل كحكمنا الأول فيما تقدم.
-
٥٨- وقد صار معظم الأوائل إلى أن درك خواص الأجسام [وحقائقها] من مواقف العقول [فليس] من الممكن أن يدرك بالعقل الخاصية الجاذبة للحديد في المغناطيس وهذا عندي فيه نظر فإنها وإن دقت فهي من عالم الطبائع فالجزئي من العقل مسيطر على كل الطبائع ولكن ينقدح [عندي] في ذلك أمر يحمل التعذر عليه وهو إن تهيأ مفيض العقل من الإنسان للفيض الطبيعي فلا يكاد يبلغ هذا التركيب والتهيؤ مبلغا يفيض من العقل عليه ما يحيط بالخواص وأيضا فليست الخاصية قضية طبيعية محضة وإنما هي سلطنة النفس في المحل المختص ولا بعد في قصور [جزئي] العقل عن سلطان النفس.
-
وبالجملة لا يقوم برهان على التحاق هذا [القسم] بالمواقف إلا أن يعتمد المعتمد.
- ج ١ ص ٣٢
الاستقراء ويعلم أن هذا لو كان ممكنا لجرى الإمكان في زمان ما مع تكرر المقتضيات والله المستعان.
-
٥٩- وأما الميز بين الجواز المحكوم به وبين الجواز بمعنى التردد والشك فلائح [واضح] ومثاله أن العقل يقضي بجواز تحرك جسم ساكن وهذا الجواز حكم مبتوت للعقل وهو نقيض الاستحالة وأما الجواز بمعنى التردد والشك فكثير ونحن نكتفي فيه بمثال واحد فنقول تردد المتكلمون في انحصار الأجناس كالألوان فقطع قاطعون بأنها غير متناهية في الإمكان كآحاد كل جنس وزعم آخرون أنها منحصرة وقال المقتصدون لا ندري أنها منحصرة أم لا ولم يثبتوا مذهبهم على بصيرة وتحقيق.
-
والذي أراه قطعا أنها منحصرة فإنها لو كانت غير منحصرة لتعلق العلم منها بأجناس لا تتناهى على التفصيل وذلك مستحيل فإن استنكر الجهلة ذلك وشمخوا بآنافهم وقالوا الباري سبحانه عالم بما لا يتناهى على التفصيل سفهنا عقولهم وأحلنا تقرير هذا الفن على أحكام الصفات [في الكلام] وبالجملة علم الله تعالى إذا تعلق بجواهر لا تتناهى فمعنى تعلقه بها استرساله عليها من غير فرض تفصيل الاحاد مع نفى النهاية فإن ما يحيل دخول مالا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم والأجناس المختلفة التي فيها الكلام يستحيل استرسال العلم عليها فإنها متباينة بالخواص وتعلق العلم بها على التفصيل مع نفى النهاية محال وإذا لاحت الحقائق فليقل الأخرق بعدها ما شاء.
-
فصل
مدارك العلوم في الدين ثلاثة في التقسيم الكلي.
-
٦٠- أحدها: العقول والمطلوب منها درك الجواز في كل جائز ودرك المخصص له بالوجه الذي وقع عليه ودرك وجوب مخالفة المخصص للجائزات في أحكام الجواز ودرك وجوب صفات المخصص [التي] لا يصح كونه مخصصا دونها فهذا حظ العقل المحض في الديانات.
-
٦١- والمدرك الثاني: هو المرشد إلى ثبوت كلام صدق وهذا لا يتمحض العقل فيه فإن مسلكه المعجزات وارتباطها بالعادات انخراقا واستمرارا والقول في ذلك يطول.
- ج ١ ص ٣٣
٦٢- والمدرك الثالث أدلة السمعيات المحضة وهي إذا فصلت على مراسم العلماء [ثلاثة] الكتاب والسنة والإجماع وعد عادون خبر الواحد والقياس والتحقيق في ذلك يستدعي تقديم أصلين ثم بعدهما نعد السمعيات.
-
٦٣ - فأحد الأصلين: في ذكر ما يقع الاستقلال به في إثبات العلم بكلام الله سبحانه وتعالى: الصدق ولا مطمع في استقصاء القول في ذلك ولكن القدر الذي يتفطن له العاقل أن العالم لا يخلو عن نطق النفس ثم النطق النفسي لا يكون إلا على حسب تعلق العلم وإذا كان كذلك لم يكن إلا صدقا وإن فرض فارض إجراء شيء في النفس على خلاف العلم فهو وسواس وتقديرات لا يتصور فرضها [إلا حادثة] وهذا القدر على إيجازه مقنع في غرض هذا الفصل.
-
٦٤- والأصل الثاني: في إثبات اقتضاء المعجزة صدق من ظهرت على يديه ولا سبيل إلى الخوض في شرائطها وأحكامها كملا ولكن قدر غرضنا من ذلك أن المعجزة تكون فعلا لله سبحانه وتعالى: خارقا للعادة ظاهرا على حسب سؤال مدعى النبوة مع تحقيق امتناع وقوعه في الاعتياد من غيره إذا كان يبغي معارضة ووجه دلالتها يقرب من إشعار قرائن الأحوال بالعلوم البديهية فإذا قال من يدعى النبوة قد علمتم ربا مقتدرا على ما يشاء وتحققتم أن إحياء الموتى ليس مما يدخل تحت مسالك الحيل ومدارك القوى البشرية وإنما ينفرد بالقدرة عليه إله الخلق تعالى ثم يقول أي رب إن كنت صادقا في دعواي فأحي هذه العظام الرميم فإذا ائتلفت وتمثلت شخصا ينطق فلا يستريب ذو لب في أن ذلك جرى قصدا إلى تصديقه.
-
وهذا يناظر ما ضربه القاضي أبو بكر رحمة الله عليه في كتبه مثلا حيث قال إذا تصدى ملك للداخلين عليه في مهم سنح وأخذ الناس مجالسهم وتأزر المجلس بأهله ثم قام قائم بمرأى من الملك ومسمع فقال أنا رسول الملك إليكم وآية رسالتي أن ألتمس من الملك أن يقوم ويقعد خارقا عادته المألوفة فيفعل ثم يقول أيها الملك إن كنت رسولك فصدقني بقيامك وقعودك فإذا طابقه الملك قطع الحاضرون بتصديقه إياه من غير فكر وروية وانصرفوا واثقين على ثلج من الصدور وهذا ليس قياسا وإنما أثبتناه مثلا وإيناسا وإلا فإظهار المعجزة على شرطها بهذه المثابة يفيد العلم بصدقة ضرورة من غير احتياج إلى [نظر] .
-
فإن قيل: أيتصف الرب سبحانه وتعالى: بالاقتدار على أن يظهر على يد كذاب مع ما يعتقد في العقيدة من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء؟ قلت: .
- ج ١ ص ٣٤
معتقدي وجوب وصف الرب سبحانه بهذا لا محالة.
-
فإن قيل فما المانع من وقوع ذلك وكل مقدور ممكن [الوقوع] وإنما لا يقع خلاف المعلوم من حيث علمناه معلوما؟ فبأي مسلك يتوصل إلى أن من يعتقد صادقا هو كذلك؟ وما يؤمن كونه كذابا ومراد الباري - سبحانه وتعالى - يعضده بخوارق العادات إظهارا للضلالات وإغواء للخلق؟ وهذا لا يليق بقدر هذا الكتاب ولكن إذا انتهى الكلام إليه نثبت بديعة شافية.
-
ونقول قد أجرينا في أدراج الكلام أن المعجزات تجرى مجرى قرائن الأحوال والرب سبحانه وتعالى: قادر على ألا يخلق لنا العلم الضروري بخجل الخجل عند ظهور قرائن الأحوال بل هو قادر على أن يخلق عندها الجهل ولكن تجويز ذلك لا يغض من يقيننا بالعلم الحاصل ولو فرض خرق هذه العادة لعدم العاقل مذاق هذا العلم.
-
وكذلك لو فرضنا ظهور المعجزة على حقها لحصل العلم ضروريا عندها مع سبق العلم بالصانع واعتقاد أنه المقتدر [بقدرته] على هذا الفن [كقدرته على كل شيء] وما أتى منكر لصدق نبي حق إلا من جهات منها التردد في إثبات صانع مختار ومنها اعتقاد الواقع تخييلا ومنها اعتقاده موصولا إليه بالغوص على العلوم والإحاطة بالخواص فأما من لم تخطر له هذه الفنون وهدى للحق الواضح واعتقد أن المعجزة فعل الله ولا يتوصل إلى مثلها محتال وقد وقعت على موافقة الدعوى فإنه لا يستريب مع ذلك في صدق من ظهرت عليه المعجزة ولو خرق الله سبحانه وتعالى: العادة في إظهارها على أيدي الكذابين لانسلت العلوم عن الصدور كما سبق تمثيله في قرائن الأحوال.
-
٦٥- ونقول بعد هذين الأصلين الأصل في السمعيات كلام الله تعالى وهو مستند قول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لا يثبت عندنا كلام الله تعالى إلا [من] جهة من يثبت صدقه بالمعجزة إذا أخبر عن كلام الله تعالى فمال السمع إلى كلام الله تعالى وهو متلقى من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومستند الثقة بالتلقي منه ثبوت صدقه والدال على صدقة المعجزة والمعجزة تدل من جهة نزولها منزلة التصديق بالقول وذلك مستند إلى اطراد العرف في إعقاب القرائن للعلم وثبوت العلم بأصل الكلام لله تعالى يدل عليه وجوب اتصاف العالم بالشيء بالنطق الحق.
- ج ١ ص ٣٥
الصدق عما هو عالم به فإذا ذكرنا في مراتب السمعيات الكتاب فهو الأصل وإذا ذكرنا السنة فمنها تلقى الكتاب والأصل الكتاب فأما الإجماع فقد أسنده معظم العلماء إلى نص الكتاب وذكروا قول الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرسول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} ١ [الآية] وهذا عندنا ليس على رتبة الظاهر فضلا عن ادعاء منصب النص [فيها] وإنما يتلقى الإجماع من أمر متعلق بالعادة أولا فإن علماء الدهر إذا قطعوا أقوالهم جزما في مظنون وعلم استحالة التواطؤ منهم فالعرف يقضى باستناد اعتقادهم واتفاقهم إلى خبر مقطوع به عندهم وسيأتي ذلك مفردا في كتاب الإجماع إن شاء الله تعالى فإذا ليس الإجماع في نفسه دليلا بل العرف قاض باستناده إلى خبر والخبر مقبول من أمر الله تعالى بقبوله وأمر الله من كلامه وكلامه متلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق رسوله من مدلول تصديق الله تعالى إياه بالمعجزة وما ذكرناه من [الخبر] في أثناء الكلام عنينا به الخبر المتواتر النص الذي ثبت أصله وفحواه قطعا.
-
فأما خبر الواحد إن عد من مراتب السمعيات فلا نعني بذكره أنه يستقل بنفسه ولكن العمل عنده يستند إلى خبر متواتر وإلى إجماع مستند إلى الخبر المتواتر وكذلك القول في القياس.
-
وبالجملة أصل السمعيات كلام الله تعالى وما عداه طريق نقله أو مستند إليه فهذا بيان العقلي المحض والسمعي المحض والمتوسط بينهما.
-
٦٦- فإن قيل قد أثبتم النطق لله تعالى بالعقل المحض وقد عددتموه فيما تقدم من الرتبة المتوسطة قلنا الرتبة المتوسطة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم المتعلق بالمعجزة والذي ذكرناه قبل من ثبوت الصدق متوسطا فإياه عنينا إذ لا يثبت حكم إلهي سمعي إلا بعد تقدم العلم بوجوب الصدق لله تعالى فلو كان الصدق لله تعالى في نفسه ثبت بالسمع ومستند كل سمع كلام الله تعالى لأدى [ذلك] إلى إثبات الكلام بالكلام وهذا لا سبيل إليه ولا ينتظم العقد فيه وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرتبط بالسمع أيضا وإنما يتردد بين حكم العرف وقضايا العقل.
-
٦٧- قال الأصوليون الأدلة العقلية هي التي [يقتضي] النظر التام فيها العلم بالمدلولات وهي تدل لأنفسها وما هي عليه من صفاتها ولا يجوز تقديرها غير دالة.
- ج ١ ص ٣٦
[كالفعل] الدال على القادر والتخصيص الدال على المريد والإحكام الدال على العالم فإذا وقعت هذه الأدلة دلت لأعيانها من غير حاجة إلى قصد قاصد إلى نصبها أدلة.
-
وأما السمعيات فإنها تدل بنصب ناصب إياها أدلة وهي ممثلة باللغات والعبارات الدالة على المعاني عن توقيف من الله تعالى فيها أو اصطلاح صدر عن الاختيار.
-
٦٨- وتمام الغرض في ذلك أن المعقولات تنقسم إلى البدائه وهي التي يهجم العقل عليها من غير احتياج إلى تدبر وإلى ما لا بد فيه من فرط تأمل فإذا تقرر على سداده أعقب العلم الضروري إن لم يطرأ آفة ثم ليس في العقليات على الحقيقة انقسام إلى جلي وخفي فإن قصاراها كلها العلم الضروري ولكن يتطرق إليها نوعان من الفرق أحدهما أن الشيء قد يحوج إلى مزيد تدبر لبعد القريحة عن معاناة الفكر في أمثاله ولا شيء ينال طال الفكر فيه أو قصر إلا بتجريد الفكر في جهة الطلب فهذا نوع من الفرق بين النظرين.
-
والنوع الثاني: أن الناظر قد يبغي شيئا نازحا بعيدا يقع بعد عشر رتب مثلا من النظر ويطول الزمان في استيعاب معناها وقد يطرأ على الناظر في الأواخر نسيان الأوساط والأوائل فيتخبط النظر وقد يكون المطلوب في الرتبة الثالثة مثلا فيقرب المدرك ولا يتوعر المسلك ولا يطرأ من الذهول في ذلك ما يطرأ على من يتعدد عليه رتب النظر ويطول الزمان في استيعاب جميعها على الطالب قبل مطلوبه فهذا هو تفاوت النظر والناظر وإلا فليس في حقيقة النظر العقلي المفضي إلى العلم تفاوت.
-
٦٩- ثم البرهان ينقسم إلى البرهان [المستد] وإلى البرهان الخلف.
-
فأما البرهان المستد فهو النظر المفضى بالناظر إلى عين مطلوبه وبرهان الخلف هو الذي لا يهجم بنفسه على تعيين المقصود ولكن يدير الناظر المقصود بين قسمى نفى وإثبات ثم يقوم البرهان على استحالة النفي فيحكم الناظر بالثبوت أو يقوم على استحالة الثبوت فيحكم الناظر بالنفي.
-
والأحكام الإلهية كلها تستند إلى البرهان الخلف وبيان ذلك بالمثال أن من اعتقد على الثقة صانعا ثم ردد النظر بين كونه في جهة وبين استحالة ذلك عليه فلا يهجم النظر على موجود لا في جهة ولكن يقوم البرهان القاطع على استحالة قديم في جهة فيترتب عليه لزوم القضاء بموجود لا في جهة.
- ج ١ ص ٣٧
وإذا تكلمنا في مسالك العقول من غير فرض الكلام في الإله سبحانه وصفاته فالنظر المستد يجرى في جميع مطالب العقل إلا في شيئين: .
-
أحدهما: ما يتعلق بأحكام الأزل ونفى الأولية.
-
والثاني: ما يتعلق بنفى الإنقسام عن الجوهر الفرد.
-
فهذا القدر كاف في التنبيه على مسالك العقول والسمع واستكمال ذلك يستدعي طرفا من الكلام صالحا في البيان ومعناه فقد رسمه الأصوليون وطولوا أنفاسهم فيه ونحن الآن نبتدىء به بعون الله وتوفيقه.