فصل: الصيغة تفرض مطلقة ومقيدة - القول في الصيغة المطلقة

١٠٧ فقرة، ج ١ ص ٧١

الصفحة ١ من ٣

  1. ...

    ج ١ ص ٧١
  2. القول في الصيغة المطلقة.

  3. مسألة:
  4. ١٣٩- صيغة الأمر إذا وردت مطلقة ففي اقتضائها على رأي من لا يتوقف تكرير الإمتثال خلاف بين الأصوليين:

    ج ١ ص ٧٢فذهب ذاهبون إلى أنها تقتضي التكرير على استيعاب الزمان مع الإمكان وهذا اختيارالأستاذ أبي إسحاق رحمه الله.

  5. وذهب الأكثرون إلى أنها لا تقتضي عند الإطلاق إلا الامتثال مرة واحدة.

  6. ١٤٠- ونحن نذكر ما لكل فريق ثم نختم المسألة بالمختار عندنا.

  7. أما الصائرون إلى اقتضاء التكرير فمعتقدهم الأقوى عندهم اعتبار الأمر بالنهي وفي ذلك مسلكان.

  8. أحدهما: أن الأمر اقتضاء إثبات والنهي اقتضاء انكفاف وهما يجتمعان في أصل الاقتضاء والإطلاق فإذا تضمن أحدهما استيعاب الزمان كان الثاني في معناه.

  9. والوجه الثاني في التمسك بالنهي: أن الأمر بالشيء نهى عن أضداد المأمور به وإذا كان كذلك فالنهي يقتضي الانكفاف عن أضداد المأمور به عموما ومن ضرورة الانكفاف عنها إدامة الامتثال فإن المحل لا يخلو عن الأضداد كلها لا سيما الأكوان وهي معظم أفعال المكلفين وهذا الذي تمسك به هؤلاء باطل.

  10. أما الاعتبار بالنهي مطلقا بمسلك القياس فمردود [فإن قضايا] الألفاظ لا تثبت بالأقيسة وقد سبق في ذلك قول بالغ.

  11. وأما المسلك الثاني فلا أصل له فإن الأمر عندنا لا يتضمن نهيا عن أضداد المأمور به وسيأتي القول في ذلك مشروحا إن شاء الله تعالى.

  12. ولو فرض تسليم ذلك فلا مستروح فيه فإن النهي يقتضي الاستيعاب هو النهي المجرد المقصود فأما ما يقع ضمنا فهو في [اقتضاء الانكفاف عن] الأضداد على حسب اقتضاء الأمر في الامتثال فإذا كان الخصم يعتقد أن صيغة الأمر تقتضي الامتثال مرة واحدة فتضمنها النهي عن الأضداد على هذا النحو يقع وهذا ممثل بالصيغة المقيدة بالمرة الواحدة فإنها تتضمن على هذا الرأي المسلم جدلا نهيا عن الأضداد من غير استيعاب والسبب في ذلك أن ما يقع ضمنا فإنه يتبع المتضمن في مقتضاه لا محالة.

  13. ومما تمسك به أصحاب التكرار أن قالوا الأمر يقتضي وجوب اعتقاد الامتثال والعزم عليه قبل الإقدام على الامتثال نفسه ثم العقد أو العزم يعمان ولا يختصان فليكن الإمتثال المقصود كذلك.

  14. وهذا ركيك١ لا أصل له فإن اعتقاد الوجوب ليس من مقتضيات الأمر وإنما هو من حكم العقد الصحيح المفضي بصاحبه إلى الإذعان لأوامر الله ولو فرض الأمر مقيدا بالامتثال مرة واحدة لكان القول في العقد على هذا النحو فلا حاصل لهذا الكلام.

    ج ١ ص ٧٣
  15. وإن طمع من لا يحيط بالحقائق أنه يسلم له دوام اعتقاد وجوب الامتثال في الصيغة المطلقة على معنى أن الامتثال يدوم وجوبه والعقد بحسبه فهذه غباوة وذهول عن محل الخلاف ومن شرط هذا المجموع أن نقتصر فيه على الرمز إلى [أمثال] هذه المخالات وأما العزم فسأذكر فيه فصلا مستقصى في المسألة التي تلي هذه إن شاء الله تعالى.

  16. ١٤١- وأما الصائرون إلى أن الصيغة [المطلقة] تقتضي امتثال المأمور به مرة واحدة فقد تمسكوا بمسلكتين.

  17. أحدهما: يشتمل على الاستشهاد بالأمثلة.

  18. والثاني: يتضمنه معنى [يرونه] معتمدهم.

  19. فأما الأمثلة فقد قالوا: إذا قال قائل: تصدق زيد أو ليتصدق زيد٢ لم يتضمن ذلك إدامته بل يشعر بالفعل مرة واحدة فليكن صيغة الأمر كذلك ومما استشهدوا به البر في اليمين ثم أوردوا الحنث نظيرا للنهي فقالوا من حلف ليفعلن بر بالمرة الواحدة وهو نظير الأمر فإذا حلف لا يدخل الدار فمتضمنه الانكفاف عنه عموما وهذا يناظر النهي.

  20. وهذا المسلك غير مرضى عند المحققين فإن مساقه القياس واعتبار اللفظ باللفظ وهو محسوم عند المحققين فإن أمكن تحقيق اللفظ نقلا واستنباطا فهو المفيد وإن كان بالتعويل على القياس فهو ساقط ولا سيما مع العلم بتفاوت صيغ الأفعال واختلاف مقتضياتها.

  21. والمسلك الثاني للقوم أنهم قالوا من امتثل الأمر مرة يسمى ممتثلا ولو كان ما جاء به بعض مقتضى اللفظ لما ساغ تسميته ممتثلا وهذا ساقط فإنه يجري مثله في.

  22. الأمر المقيد بالتكرار وهو في القيام بالامتثال موصوف في قدر ما جاء به بحكم الموافقة وعليه الاستتمام.

    ج ١ ص ٧٤
  23. ١٤٢- فإن قيل: فما المختار وقد أبطلتم بزعمكم مسلك الفريقين وليس بين النفي والإثبات مرتبة قلنا الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال والمرة الواحدة.

  24. لا بد منها وأنا على الوقف في الزيادة عليها فلست أنفيه ولست أثبته والقول في ذلك يتوقف على القرينة والدليل القاطع فيه أن صيغة الأمر وجملة صيغ الأفعال عن المصدر والمصدر لا يقتضي استغراقا ولا يختص بالمرة الواحدة والأمر استدعاء المصدر فنزل على حكمه ووجب من ذلك القطع بالمرة الواحدة والتوقف فيما سواها فإن المصدر لم يوضع للاستغراق وإنما هو صالح لو وصف به وسيأتي ذلك مشروحا بعد هذا وذلك يستدعي إبانة بقرينة.

  25. فإذا [وضح] هذا مستقلا طاب بعده ضرب صيغ الأفعال مثالا فإذا قال القائل تصدق زيد لم يتضمن اختصاصا بصدقة واحدة بل الأمر فيه على حسب ما نبهنا عليه في الأمر.

  26. فإن قيل: مقتضى ما ذكرتموه أن النهي لا يتضمن استيعاب الزمان بالانكفاف [بل] يقتضي الانكفاف مرة واحدة ويتوقف فيما عداها قلنا لو كان النهي متلقى من المصدر لكان كذلك وإنما هو متلقى من النفي والنفي المضاف إلى واحد منكر من جنس يقتضي التعميم فإذا قال القائل لم أر رجلا اقتضى هذا نفى الرؤية عن جنس الرجال وإذا قال رأيت رجلا اقتضى واحدا من الجنس فالنفي الذي في النهي قرينة تقتضي الاستغراق ولا يتصور على هذا أن يكون النهي إلا مقترنا وليس الأمر كذلك فلزم فيه الاستغراق فوجب تنزيل الأمر على حكم المصدر المحض.

  27. وإن راجع باحث فيما ذكرناه من اقتضاء النفي العموم فليس ذلك من غرض هذه المسألة ولا شك فيه.

  28. والقدر الكافي في التنبيه على اقتضاء النفي العموم أن الإثبات يختص بثابت والنفي لا اختصاص له فكان الجنس كالشخص في حقه.

  29. مسألة:
  30. ١٤٣- الصيغة المطلقة التي فيها الكلام إن قيل إنها تقتضي استغراق الأوقات بالامتثال فمن ضرورة ذلك الفور والبدار واستيعاب الصيغة في موردها اقتضاء مبادرة الامتثال.

  31. فإذا جرى التفريع على المذهب الآخر في أن الصيغة لا تقتضي استغراق الزمان فعلى هذا اختلف الأصوليون فذهب طائفة إلى أن مطلق الصيغة يقتضي الفور والبدار إلى الامتثال وهذا [معزى] إلى أبي حنيفة١ رحمه الله ومتبعيه.

    ج ١ ص ٧٥
  32. وذهب ذاهبون إلى أن الصيغة المطلقة لا تقتضي الفور وإنما مقتضاها الامتثال مقدما أو مؤخرا وهذا ينسب إلى الشافعي٢ رحمه الله وأصحابه وهو الأليق بتفريعاته في الفقه وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول.

  33. وأما الواقفية فقد تحزبوا حزبين فذهب غلاتهم في المصير إلى الوقف إلى أن الفور والتأخير إذا لم يتبين أحدهما ولم يتعين بقرينة فلو أوقع المخاطب ما خوطب به عقيب فهم الصيغة لم يقطع بكونه ممتثلا ويجوز أن يكون غرض الآمر فيه أن يؤخر وهذا سرف عظيم في حكم الوقف.

  34. وذهب [المقتصدون] من الواقفية إلى أن من بادر في أول الوقت كان ممتثلا قطعا فإن أخر وأوقع الفعل المقتضى في آخر الوقت فلا يقطع بخروجه عن عهدة الخطاب وهذا هو المختار عندنا.

  35. وذهب القاضي أبو بكر٣ رحمه الله إلى ما شهر عن الشافعي من حمل الصيغة.

  36. على إيقاع الامتثال من غير نظر وقت مقدم أو مؤخر وهذا بديع من قياس مذهبه مع استمساكه بالوقف وتجهيله من لا يراه.

  37. ١٤٤- ومما يتعين التنبيه له أمر يتعلق بتهذيب العبارة فإن المسألة مترجمة بأن الصيغة على الفور أم على التراخي فأما من قال إنها على الفور فهذا اللفظ لا بأس به ومن قال إنها على التراخي فلفظه مدخول فإن مقتضاه أن الصيغة المطلقة فالوجه أن يعبر عن المذهب الأخير المعزو إلى الشافعي والقاضي رحمهما الله بأن يقال الصيغة تقتضي الامتثال ولا يتعين لها وقت.

  38. ١٤٥- وإذا بانت المذاهب فنذكر بعدها معتمد كل فريق ونتعقبه بالنقض ونجرد بعد المباحثة توجيه ما اخترناه فلتقع البداية بأصحاب الفور.

  39. فمما اعتمدوه أن الصيغة إذا وردت واقتضت إيجابا لم يخل القول بعد ذلك من أن يقال يعصى المخاطب بالتأخير عن وقت الفهم والإمكان وهذا معنى الفور أو يقال لا يعصي بتأخير الامتثال ثم لا ينضبط جواز التأخير بوقت ولا يتعين له زمان فلو مات المخاطب بعد امتداد الزمن وما كان امتثل لم يخل الأمر فيه إما أن ينسب إلى العصيان أو لا ينسب إليه.

    ج ١ ص ٧٦
  40. فإن قيل إنه مات غير عاص فهذا إسقاط الإيجاب بالكلية قطعا وإن قيل مات عاصيا كان ذلك مناقضا لجواز التأخير فإنه فعل ما له أن يفعل فإن قيل جوز له التأخير بشرط سلامة العاقبة كان ذلك ربط التكليف بلبس وعماية.