فصل: الصيغة تفرض مطلقة ومقيدة - القول في الصيغة المطلقة
١٠٧ فقرة، ج ١ ص ٧١
الصفحة ٣ من ٣
- ج ١ ص ٨٢
مسألة: .
-
١٦٣- ذهب بعض أئمتنا رحمهم الله إلى أن الأمر بالشيء نهى عن أضداد المأمور به وهؤلاء قدروا عين الأمر نهيا وزعموا أن اتصافه بكونه أمرا نهيا بمثابة اتصاف الكون الواحد بكونه قربا من شيء بعدا من غيره.
-
والذي مال إليه القاضي رحمه الله في آخر مصنفاته أن الأمر في عينه لا يكون نهيا ولكنه يتضمنه ويقتضيه وإن لم يكن عينه.
-
ثم الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهى عنه والأمر بالشيء نهى عن جميع أضداد المأمور به.
-
وأما المعتزلة فالأمر عندهم هو العبارة وقول [القائل] : افعل أصوات منظومة معلومة وليست هي علم نظم الأصوات في قول القائل لا تفعل فلا يمكنهم أن يقولوا الأمر هو النهي فقالوا الأمر بالشيء يقتضي النهي عن أضداده تضمنا كما ذهب إليه القاضي ولكن الأمر عند القاضي هو القائم بالنفس.
- ج ١ ص ٨٣
ونحن نقول أما من قال [إن] الأمر هو النهي بعينه فقوله عرى عن التحصيل فإن القول القائم بالنفس الذي يعبر عنه بافعل مغاير للقول الذي يعبر عنه بلا تفعل وممن جحد هذا سقطت مكالمته وعد مباهتا وهذا القدر كاف في إسقاط هذا المذهب.
-
وأما ما ذكره القاضي رحمه الله آخرا من أن الأمر بالشيء ليس عين النهي ولكنه يقتضيه ويتضمنه فليس يعني بهذا الإقتضاء الذي أطلقه المعتزلة فإن ذلك الإقتضاء الذي ذكروه راجع إلى فهم معنى من لفظ مشعر به وهذا لا يتحقق في كلام النفس فإن ما يقوم بالنفس لا إشعار له بغيره وإنما هو معنى في نفسه وذاته على حقيقته وخاصيته فالمعني بالاقتضاء على رأى القاضي أن قيام الأمر بالنفس يقتضي أن يقوم بالنفس معه قول هو نهى عن أضداد المأمور به كما يقتضي قيام العلم بالذات قيام الحياة بها ولا معنى لما قال غير هذا وهذا باطل قطعا فإن الذي يأمر بالشيء قد لا يخطر له التعرض لأضداد المأمور به إما لذهول وإما لإضراب فلم يستقم الحكم بأن قيام الأمر بالنفس مشروط بقيام النهي.
-
١٦٤- وإذا لاح سقوط المذهبين انبنى عليه ما هو الحق المبين عندنا وهو أن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن أضداده ونحن نخصص إثبات هذا المختار بذكر حقيقة المسألة.
-
فنقول الامر بالشيء متردد بين أن يكون ذاكرا لأضداده وبين أن يكون ذاهلا عنها فإن كان ذاهلا فالذي قدمناه بالغ فيه ولا خفاء بأن الذاهل عن الشيء غير عالم به ويستحيل أن يقوم بالنفس قول متعلق بالشيء مع الذهول عنه فأما إذا كان ذاكرا للأضداد عالما بأن الاتصاف بالشيء منها يمنع إيقاع المأمور به فقد يتخيل المتخيل في هذه الحالة أنه يقوم بالنفس نهى عن أضداد المأمور به [المقتضى] فإذا كان كذلك فليس الزجر عن الأضداد مقصود الآمر وإنما يخطر له النهي لو خطر ليكون الانكفاف عن الأضداد ذريعة إلى إيقاع الامتثال وليس تقدير خطور أمرها بالبال متضمنا قيام زجر عنها مقصود والذي يجرد قصده إلى النهي عن شيء يعلم قيام [زجر] عنه مقصود بذاته والذي يحقق الغرض فيه فرض أمر مستحيل يشعر بتكميل الغرض وهو أن الآمر لو قدر تجويز مجامعة الأضداد لكان لا [يأبى] وقوعها مع المأمور به ولو نهى عنها قصدا لأباها فإذا خطور الانكفاف عن الأضداد ببال الآمر آيل إلى امتناع المأمور به خلقة معها لا إلى قصد نفي الأضداد وهذا نهاية الوضوح.
- ج ١ ص ٨٤
١٦٥- فأما من قال النهى عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهى عنه فقد اقتحم أمرا عظيما وباح بالتزام مذهب الكعبي في نفي الإباحة على ما سنذكر ذلك في باب النهي فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال لا شيء مقدر مباحا إلا وهو ضد محظور فيقع من هذه الجهة واجبا فإن ترك المحظور واجب وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
-
١٦٦- ومن قال الأمر بالشيء نهى عن الأضداد أو متضمن للنهي عن الأضداد وليس النهي عن الشيء أمرا بأحد الأضداد من حيث تفطن لغائلة الكعبي فقد تناقض كلامه فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور [به] دون الانكفاف عن أضداده فيستحيل الانكفاف عن المنهى عنه دون الاتصاف بأحد الأضداد ولا يمتنع وجوب شيء من أشياء فهذا نجاز المسألة.
-
مسألة.
-
١٦٧- إذا وقع المأمور به المقتضى على حسب الإقتضاء أجزأ وكفى والمسألة مترجمة بأن موافقة الأمر تتضمن الإجزاء [أم لا] ؟.
-
وذهب بعض المستطرفين في علم الأصول من الفقهاء إلى أن الإجزاء لا يثبت إلا بقرينة وإن وقع الفعل على حسب الاقتضاء وسقوط هذا المذهب واضح لا حاجة إلى تكلف فيه ولكن تحرير الكلام على أوقع وجه وأقربه أن نقول لمن يشبب بالخلاف في المسألة أتسلم أن الأمر لا يقتضي حالة الإطلاق تكرير الفعل المقتضي فإن لم يسلم ذلك رددنا الكلام إلى المساق المقدم في الرد على أصحاب التكرار وإن سلم ذلك وقد وقع الامتثال فلا معنى للإجزاء إلا قيام المخاطب بموجب الأمر من غير أن يبقى طلبة من قضية الأمر فلئن فرض فارض اقتضاء أمر آخر فلا بد من تقدير أمر جديد ولا منع من تقدير ذلك ولا يتصور مع هذا الفن من الكلام مرادة وتشبيب باعتراض.
-
١٦٨- فإن قيل الحاج إذا أفسد حجة فهو مأمور بالمضي في فاسد الحج وإذا مضى فيه كما أمر لزمه في مستقبل الزمان افتتاح حج صحيح فلم يقع إذا مضيه مجزئا عنه وإن كان مأمورا به وهذا قول من يتلقى الحقائق في الأصول من خيالات في مضطرب الظنون المتعلقة بالفروع.
- ج ١ ص ٨٥
فنقول إن كان ما خاض فيه أولا حجا صحيحا مفروضا فالخطاب بإيقاع حج صحيح قائم دائم والإفساد مناف للحج لحق الامتثال وليس المضي في الفاسد مقتضى الأمر بالحج الصحيح وإنما هو متلقى من أمر جديد مختص بالحج فثبت الجريان في الفاسد بأمر وبقى على المفسد حق القيام بالأمر الأول وإن كان الحج تطوعا فيجب القضاء على المفسد بأمر جديد وليس ذلك من مقتضى الأمر بالمضي وهذا لا غموض فيه.
-
وقد يعتاص على الفقيه الفرق بين الفساد والفوات والتحلل بعذر الإحصار وحظ الأصول في هذه المسائل تقدير أمر جديد في كل مالا يتلقى من الأمر الأول وهذا ليس بالعسر بل هو مقطوع به ولست أرى هذه المسألة خلافية ولا المعترض فيها بإشكال الفقه معدودا خلافه.
- مسألة:
-
١٦٩- الأمر بالشيء يتضمن اقتضاء ما يفتقر المأمور به إليه في وقوعه فإذا ثبت في الشرع افتقار صحة الصلاة إلى الطهارة فالأمر بالصلاة الصحيحة يتضمن أمرا بالطهارة لا محالة وكذلك القول في جميع الشرائط وظهور ذلك يغني عن تكلف دليل فيه فإن المطلوب من المخاطب إيقاع الفعل الصحيح والإمكان لا بد منه في قاعدة التكليف ولا تمكن من إيقاع المشروط دون الشرط.
-
فإن قيل لا يتأتى في مطرد العرف استيعاب الوجه بالغسل دون أخذ أطراف من الرأس وليس غسل الرأس مأمورا به قلنا إذا كان لا يتأتى استغراق محل الفرض إلا بما ذكره المعترض فلا بد منه ولكن ليس ما ذكره من قبيل الشرائط التي اعتنى الشرع بإثباتها والتنصيص عليها فإنها قد تثبت مقصودة للشارع في مساق أمره وما ذكره السائل آيل إلى حكم التأتى المعتاد.
-
وكذلك القول في استصحاب الإمساك عن المفطرات في جزء من الليل آخرا وفي جزء من منقطعه أولا إذ ليس من الممكن حصر الإمساك في النهار من غير أخذ طرفين من الليلتين فقد قال المحققون ما كان كذلك فليس مقصود العبادة ولا نطلق القول بأنه شرطها الواقع مقصودا شرطا ويظهر أثر ذلك بأن الصائم يخص النية بالإمساك الواقع في النهار فلو كان الإمساك المستظهر به من العبادة لوجب بسط النية عليه.
- ج ١ ص ٨٦
١٧٠- فالقول في ذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام: .
-
أحدها: يتعلق بالمتلقى من صيغة الأمر وهو المقصود.
-
والثاني: يتلقى مما يثبت فيما سبق شرطا وهذا مستفاد من الأمر بالإيقاع وإن لم يكن ما قدر شرطا جزءا من المأمور به وليس يخرج الشرط عن كونه مقصود الشارع عليه السلام وهو ثابت في مقتضى الأمر بالمشروط وصيلة ووسيلة [شرعية] .
-
والقسم الثالث: ما يتعلق بالإمكان وليس مقصودا للشارع ولا مشروطا ولا شرطا ولكنه في حكم الجبلة يضاهى الشرط وإن لم يكن شرطا شرعا وهذا له التفات إلى الانكفاف عن أضداد المأمور به في محاولة امتثال الأمر [كما تقدم ذكره فليس الانكفاف مقصود الآمر ولكن لا بد منه في إيقاع المأمور به] .
-
فإن قيل: أيجب على سكان البوادي أن يسعوا في ابتناء مدينة ليقيموا الجمعة فيها قلنا هذا الآن من فن الخرق فإن المتبدين غير مأمورين بالجمعة ولو أمروا بها مع كون الجمعة مشروطة بالبنيان لوجب عليهم أن يسعوا في تحصيله.
-
هذه جملة من الكلام في الصيغة المطلقة ونحن نذكر الآن الصيغة المقيدة ووجوه التقييد فإذا نجز ما يتعق بهذا القسم مذهبا وخلافا وقد تقدم القول في [الصيغة] المطلقة فنذكر بعد نجاز القسمين مسائل في أحكام الأوامر لا تختص بالإطلاق والتقييد.