تأليف: شيخ الإسلام ابن تيمية

٢٧٦ فقرة، ج ١ ص ٣

الصفحة ٣ من ٧

  1. ولفظ [ذات] تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافًا إلى غيره، فهم يقولون: فلان ذو علم وقدرة، ونفس ذات علم وقدرة. وحيث جاء في القرآن أو لغة العرب لفظ [ذو] ولفظ [ذات] لم يجئ إلا مقرونًا بالإضافة كقوله: {فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال: ١] ، وقوله: {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: ١١٩] .

    ج ١ ص ٢٤
  2. وقول خُبَيْبَ رضي الله عنه:

    وذلك في ذات الإله. . .

  3. ونحو ذلك.

  4. لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب، قالوا: إنه يقال: إنها ذات علم وقدرة، ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوه، فقالو: [الذات] . وهي لفظ مُولَّد ليس من لفظ العرب العرباء؛ ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم، كأبي الفتح بن برهان، وابن الدهان وغيرهما، وقالوا: ليست هذه اللفظة عربية ورد عليهم آخرون، كالقاضي وابن عقيل وغيرهما.

    ج ١ ص ٢٥
  5. وفصل الخطاب: أنها ليست من العربية العرباء، بل من المولدة، كلفظ الموجود ولفظ الماهية والكيفية ونحو ذلك، فهذا اللفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها، فيقال: ذات علم وذات قدرة وذات كلام والمعنى كذلك، فإنه لا يمكن وجود شىء قائم بنفسه في الخارج لا يتصف بصفة ثبوتية أصلاً، بل فرض هذا في الخارج كفرض عَرَض يقوم بنفسه لا بغيره.

  6. ففرض عرض قائم بنفسه لا صفة له، كفرض صفة لا تقوم بغيرها، وكلاهما ممتنع، فما هو قائم بنفسه فلا بد له من صفة، وما كان صفة فلابد له من قائم بنفسه متصف به.

  7. ولهذا سلم المنازعون أنهم لا يعلمون قائمًا بنفسه لا صفة له، سواء سموه جوهرًا أو جسمًا أو غير ذلك، ويقولون: وجود جوهر معرى عن جميع الأعراض ممتنع، فمن قدر إمكان موجود قائم بنفسه لا صفة له، فقد قدر ما لا يعلم وجوده في الخارج ولا يعلم إمكانه في الخارج، فكيف إذا علم أنه ممتنع في الخارج عن الذهن.

  8. وكلام نفاة الصفات جميعه يقتضي أن ثبوته ممتنع، وإنما يمكن فرضه

    ج ١ ص ٢٦في العقل، فالعقل يقدره في نفسه، كما يقدر ممتنعات، لا يعقل وجودها في الوجود ولا إمكانها في الوجود.

  9. وأيضًا فالرب تعالى إذا كان اتصافه بصفات الكمال ممكنًا وما أمكن له وجب امتنع أن يكون مسلوبًا صفات الكمال، ففرض ذاته بدون صفاته اللازمة الواجبة له فرض ممتنع.

  10. وحينئذ فإذا كان فرض عدم هذا ممتنعا عمومًا وخصوصًا، فقول القائل: يكون مفتقرًا إليها، وتكون مفتقرة إليه، إنما يعقل مثل هذا في شيئين. يمكن وجود كل واحد منهما دون الآخر، فإذا امتنع هذا بطل هذا التقدير.

  11. ثم يقال له: ما تعنى بالافتقار؟ أتعني: أن الذات تكون فاعلة للصفات مبدعة لها أو بالعكس؟ أم تعني التلازم وهو ألا يكون أحدهما إلا بالآخر؟ فإن عنيت افتقار المفعول إلى الفاعل فهذا باطل، فإن الرب ليس بفاعل لصفاته اللازمة، بل لا يلزمه شىء معين من أفعاله ومفعولاته؛ فكيف تجعل صفاته مفعولة له، وصفاته لازمة لذاته ليست من مفعولاته؟ وإن عنيت التلازم فهو حق.

  12. وهذا كما يقال: لا يكون موجودًا، إلا أن يكون قديمًا واجبًا بنفسه ولا يكون عالمًا قادرًا إلا أن يكون حيًا، فإذا كانت صفاته ملازمة لذاته، كان ذلك أبلغ في الكمال من جواز التفريق بينهما، فإنه لو جاز وجوده بدون صفات الكمال، لم يكن الكمال واجبًا له، بل ممكنًا له، وحينئذ فكان يفتقر في ثبوتها له إلى غيره، وذلك نقص ممتنع عليه، كما تقدم بيانه، فعلم أن التلازم بين الذات وصفات الكمال هو كمال الكمال.

  13. فصل

    وأما القائل: إنها أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب، والمركب ممكن محتاج، وذلك عين النقص، فللمثبتة للصفات في إطلاق لفظ [العَرَض] على صفاته ثلاث طرق:

    منهم: من يمنع أن تكون أعراضًا، ويقول: بل هي صفات وليست أعراضًا، كما يقول ذلك الأشعري، وكثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره.

    ج ١ ص ٢٧
  14. ومنهم: من يطلق عليها لفظ الأعراض كهشام وابن كَرَّام وغيرهما.

  15. ومنهم: من يمتنع من الإثبات والنفي، كما قالوا في لفظ الغير، وكما امتنعوا عن مثل ذلك في لفظ الجسم ونحوه، فإن قول القائل: العلم عرض بدعة، وقوله: ليس بعرض بدعة، كما أن قوله: الرب جسم بدعة، وقوله: ليس بجسم بدعة.

  16. وكذلك أيضًا لفظ [الجسم] ، يراد به في اللغة: البدن والجسد، كما ذكر ذلك الأصمعي وأبو زيد، وغيرهما من أهل اللغة.

  17. وأما أهل الكلام، فمنهم من يريد به المركب، ويطلقه على الجوهر الفرد بشرط التركيب، أو على الجوهرين، أو على أربعة جواهر، أو ستة، أو ثمانية، أو ستة عشر، أو اثنين وثلاثين، أو المركب من المادة والصورة.

  18. وعامة هؤلاء، وهؤلاء يجعلون المشار إليه مساويا في العموم والخصوص، فلما كان اللفظ قد صار يفهم منه معان بعضها حق وبعضها باطل، صار مخلا. وحينئذ فالجواب العلمي أن يقال: أتعني بقولك إنها أعراض أنها قائمة بالذات أو صفة للذات، ونحو ذلك من المعاني الصحيحة، أم تعني بها أنها آفات ونقائص؟ أم تعني بها أنها تعرض وتزول ولا تبقى زمانين؟

    ج ١ ص ٢٨
  19. فإن عنيت الأول فهو صحيح. وإن عنيت الثاني فهو ممنوع. وإن عنيت الثالث فهذا مبني على قول من يقول: العرض لا يبقى زمانين. فإن قال ذلك وقال هي باقية قال أسميتها أعراضا_ لم يكن مانعا من تسميتها أعراضا.

  20. وقولك: العرض لا يقوم إلا بجسم. فيقال للحي عليم قدير عندك، وهذه الأسماء لا ينسمى بها إلا جسم، كما أن هذه الصفات التي جعلتها أعراضا لا يوصف بها إلا جسم؟ فما كان جوابك عن ثبوت الأسماء كان جوابا "لأهل الإثبات" عن إثبات الصفات. ويقال له: ما تعني بقولك هذه الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم؟

  21. أتعني بالجسم المركب الذي كان مفترقًا فاجتمع؟ أو ما ركبه مركب فجمع أجزاءه؟ أو ما أمكن تفريقه وتبعيضه وانفصال بعضه عن بعض ونحو ذلك؟ أم تعني به ما هو مركب من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة؟ أو تعني به ما يمكن الإشارة إليه؟ أو ما كان قائمًا بنفسه؟ أو ما هو موجود؟

    ج ١ ص ٢٩
  22. فإن عنيت الأول، لم نسلم أن هذه الصفات التي سميتها أعراضًا لا تقوم إلا بجسم بهذا التفسير، وإن عنيت به الثاني، لم نسلم امتناع التلازم، فإن الرب تعالى موجود قائم بنفسه، مشار إليه عندنا، فلا نسلم انتفاء التلازم على هذا التقدير.

  23. وقول القائل: المركب ممكن، إن أراد بالمركب: المعاني المتقدمة؛ مثل كونه كان مفترقًا فاجتمع، أو ركبه مركب أو يقبل الانفصال، فلا نسلم المقدمة الأولى التلازمية، وإن عنى به ما يشار إليه أو ما يكون قائمًا بنفسه موصوفًا بالصفات، فلا نسلم انتفاء الثانية، فالقول بالأعراض مركب من مقدمتين؛ تلازمية، واستثنائية بألفاظ مجملة، فإذا استفصل عن المراد حصل المنع والإبطال لأحدهما أو لكليهما، وإذا بطلت إحدى المقدمتين على كل تقدير، بطلت الحجة.

  24. فصل

    وأما قول القائل: لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث، والحادث إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالاً لم يجز وصفه به.

    ج ١ ص ٣٠
  25. فيقال أولا: هذا معارض بنظيره من الحوادث التي يفعلها، فإن كليهما حادث بقدرته ومشيئته، وإنما يقترنان في المحل. وهذا التقسيم وارد على الجهتين.

  26. وإن قيل في الفرق: المفعول لا يتصف به، بخلاف الفعل القائم به، قيل في الجواب: بل هم يصفونه بالصفات الفعلية، ويقسمون الصفات إلى نفسية وفعلية، فيصفونه بكونه خالقًا ورازقًا بعد أن لم يكن كذلك، وهذا التقسيم وارد عليهم.

  27. وقد أورده عليهم الفلاسفة في مسألة حدوث العالم، فزعموا أن صفات الأفعال ليست صفة كمال ولا نقص.

  28. فيقال لهم: كما قالوا لهؤلاء في الأفعال التي تقوم به، إنها ليست كمالاً ولا نقصًا.

  29. فإن قيل: لابد أن يتصف إما بنقص أو بكمال. قيل: لابد أن يتصف من الصفات الفعلية إما بنقص وإما بكمال، فإن جاز ادعاء خلو أحدهما

    ج ١ ص ٣١عن القسمين، أمكن الدعوى في الآخر مثله، وإلا فالجواب مشترك.

  30. وأما المتفلسفة فيقال لهم: القديم لا تحله الحوادث، ولا يزال محلاً للحوادث عندكم، فليس القدم مانعًا من ذلك عندكم، بل عندكم هذا هو الكمال الممكن الذي لا يمكن غيره، وإنما نفوه عن واجب الوجود؛ لظنهم عدم اتصافه به.

  31. وقد تقدم التنبيه على إبطال قولهم في ذلك، لاسيما وما قامت به الحوادث المتعاقبة يمتنع وجوده عن علة تامة، أزلية موجبة لمعلولها؛ فإن العلة التامة الموجبة يمتنع أن يتأخر عنها معلولها، أو شىء من معلولها، ومتى تأخر عنها شىء من معلولها كانت علة له بالقوة هذا عند من سماه نقصا من النقص الممكن انتفاؤه.

  32. فإذا قيل: خلق المخلوقات في الأزل صفة كمال فيجب أن تثبت له.

  33. فيل وجود الجمادات كلها أو واحد منها يستلزم الحوادث كلها أو واحد منها في الأزل، فيمتنع وجود الحوادث المتعاقبة كلها في آن واحد سواء

    ج ١ ص ٣٢قدر ذلك الآن ماضيا أو مستقبلا، فضلا عن أن يكون أزليا، وما يستلزم الحوادث المتعاقبة يمتنع وجود في آن واحد فضلا عن أن يكون أزليا، فليس هذا ممكن الوجود فضلا عن أن يكون كمالا، لكن فعل الحوادث شيئا بعد شيء أكمل من التعطيل عن فعلها بحيث لايحدث شيئا بعد أن لم يكن، فإن الفاعل القادر علي الفعل أكمل من الفاعل العاجز عن الفعل.

  34. فإذا قيل لايمكنه إحداث الحوادث، بل مفعوله لازم لذاته، كان هذا نقصا بالنسبة إلى القادر الذي يفعل شيئا بعد شيء.

  35. وكذلك إذا فيل: جعل الشيء الواحد متحركا ساكنا موجودا معدوما صفة كمال قيل: هذا ممتنع لذاته.

  36. وكذلك إذا قيل: إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال، قيل: هذا ممتنع لنفسه، فإن كونه مبدعا يقتضى أن لايكون واجبا بنفسه بل واجبا بغيره.

  37. فإذا قيل: هو واجب موجود بنفسه وهو لم يوجد إلا بغيره، كان هذا جمعا بين النقيضين.

  38. وكذلك إذا قيل: الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه إذا كان اتصافه بها صفة كمال، فقد فاتته في الأزل، وإن كان صفة نقص فقد لزم اتصافه بالنقائص.

  39. قيل: الأفعال المنفعلة بمشيئة وقدرته أن يكون كل منها أزليا.

  40. وأيضا: فلا يلزم أن يكون وجود هذه في الأزل صفة كمال، بل الكمال أن توجد حيث اقتضت الحكمة وجودها، وأيضا فلو كانت أزلية لم تكن موجودة شيئا بعد شيء، فقول القائل فيما حقه أن يوجد شيئا بعد شيء فينبغي أن يكون في الأزل جمع بين النقيضين، وأمثال هذا كثير.

    ج ١ ص ٣٣