تأليف: شيخ الإسلام ابن تيمية

٢٧٦ فقرة، ج ١ ص ٣

الصفحة ٤ من ٧

  1. فلهذا قلنا الكمال الممكن الوجود، فما هو ممتنع في نفسه فلا حقيقة له فضلا عن أن يقال هو موجود أو يقال هو كمال للوجود.

    ج ١ ص ٣٣
  2. وأما الشرط الآخر: وهو قولنا الكمال الذي لا يتضمن نقصا - على التعبير بالعبارة السديدة - أو الكمال الذي لا يتضمن نقصا يمكن انتفاؤه - على عبارة من يجعل ماليس بنقص نقصا - فاحتراز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، وهو نقص بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصا كالأكل والشرب مثلا، فإن الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل والشرب، لأن قوامه بالأكل والشرب، فإذا قدر غير قابل له كان ناقصا عن القابل لهذا الكمال، لكن هذا يستلزم حاجة الآكل الشارب إلى غيره، وهو مايدخل فيه من الطعام والشراب وهو مستلزم لخروج شيء منه كالفضلات، وما لايحتاج إلى دخول شيء فيه أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف كماله على غيره أنقص مما لايحتاج في كماله إلى غيره، فإن الغني عن شيء أعلى من الغني به، والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره.

  3. ولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق، وهو كل ما كان مستلزما لإمكان العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزما للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزما لفقره المنافي لغناه.

  4. فصل:
  5. إذا تبين هذا تبين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي يدل عليه المعقول، وأن أولى الناس بالحق أتبعهم له وأعظمهم له موافقة، وهم سلف الأمة وأئمتها الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات، ونزهوه عن مماثلة المخلوقات، فإن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام صفات كمال ممكنة بالضرورة ولا نقص فيها، فإن ما اتصف بهذه فهو أكمل مما لا يتصف بها، والنقص في انتفائها لا في ثبوتها.

  6. والقابل للاتصاف بها كالحيوان أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها كالجماد.

  7. و " أهل الإثبات " يقولون " للنفاة " لو لم يتصف بهذه الصفات لاتصف بأضدادها من الجهل والبكم والعمي والصمم، فقال لهم " النفاة " هذا الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والإيجاب، والمتقابلات تقابل العدم والملكة إنما يلزم من انتفاء أحدهما ثبوت الآخر إذا كان المحل قابلا لهما، كالحيوان الذي لا يخلو إما أن يكون أعمى وإما أن يكون بصيرا، لأنه قابل لهما بخلاف الجماد فإنه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا.

  8. فيقول لهم " أهل الإثبات " هذا باطل من وجوه:

    أحدها: أن يقال الموجودات نوعان: نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ونوع لايقبله كالجماد، ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل مما لا يقبل ذلك، وحينئذ فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها، وأن يكون القابل لها وهو الحيوان الأعمى والأصم الذي لا يقبل السمع والبصر أكمل منه، فإن القابل للسمع والبصر في حال عدم ذلك أكمل ممن لا يقبل ذلك فكيف المتصف بها؟ فلزم من ذلك أن يكون مسلوبا لصفات الكمال على قولهم ممتنعا عليه صفات الكمال فأنتم فررتم من تشبيهه بالأحياء فسبهتموه بالجمادات وزعمتم أنكم تنزهونه عن النقائص فوصفتموه بما هو أعظم النقص.

    ج ١ ص ٣٥
  9. الوجه الثاني: أن يقال: هذا التفريق بين السلب والإيجاب وبين العدم والملكة أمر اصطلاحي، وإلا فكل ما ليس بحي فإنه يسمى ميتا كما قال تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} .

  10. الوجه الثالث: أن يقال: نفي سلب هذه الصفات نقص وإن لم يقدر هناك ضد ثبوتي فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيا عليما قديرا متكلما سميعا بصيرا أكمل ممن لا يكون كذلك، وأن ذلك لا يقال سميع ولا أصم كالجماد، وإذا كان مجرد إثبات هذه الصفات من الكمال ومجرد سلبها من النقص، وجب ثبوتها لله تعالى لأنه كمال ممكن للوجود ولا نقص فيه بحال بل النقص في عدمه.

  11. وكذلك إذا قدرنا موصوفين بهذه الصفات: أحدهما يقدر على التصرف بنفسه فيأتي ويجيء وينزل ويصعد ونحو ذلك من أنواع الأفعال القائمة به، والآخر: يمتنع ذلك منه فلا يمكن أن يصدر منه شيء من هذا الأفعال كان هذا القادر على الأفعال التي تصدر عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه.

    ج ١ ص ٣٦
  12. وإذا قيل: قيام هذه الأفعال يستلزم قيام الحوادث به كان كما إذا قيل قيام الصفات به يستلزم قيام الأعراض به، والأعراض والحودث لفظان مجملان.

  13. فإن أريد بذلك ما يعقله " أهل اللغة " من أن الأعراض والحوادث هي الأمراض والآفات، كما يقال: فلان قد عرض له مرض شديد، وفلان قد أحدث حدثا عظيما، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " وقال: " لعن الله من أحدث أو آوى محدثا " وقال: " إذا أحدث أحدكم فلا يصل حتى يتوضأ " .

  14. ويقول " الفقهاء " الطهارة نوعان، طهارة الحدث وطهارة الخبث.

  15. ويقول " اهل الكلام " : اختلف الناس في أهل الأحداث من أهل القبلة كالربا والسرقة وشرب الخمر، ويقال فلان به عارض من الجن، وفلان حدث له مرض، فهذه النقائص التي تنزه الله عنها.

  16. وإن أريد بالأعراض والحوادث اصطلاح خاص، فإنما أحدث ذلك

    ج ١ ص ٣٧الاصطلاح من أحدثه من " أهل الكلام " وليست هذه لغة العرب ولا لغة أحد من الأمم، لا لغة القرآن ولا غيره ولا العرف العام ولا اصطلاح أكثر الخائضين في العلم، بل مبتدعو هذا الاصطلاح هم من " أهل البدع " المحدثين في الأمة الداخلين في ذم النبي صلي الله عليه وسلم.

  17. وبكل حا ل مجرد هذا الاصطلاح وتسمية هذه أعراضا وحوادث لا يخرجها عن أنها من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف بها، أو يمكنه ذلك ولا يتصف بها.

  18. وأيضا: فإذا قدر اثنان: أحدهما موصوف بصفات الكمال التي هي أعراض وحوادث على اصطلاحهم كالعلم والقدرة والفعل والبطش، والآخر: يمتنع أن يتصف بهذه الصفات التي هي أعراض وحوادث، كان الأول أكمل، كما أن الحي المتصف بهذه الصفات أكمل من الجمادات.

  19. وكذلك إذا قدر اثنان: أحدهما يحب نعوت الكمال ويفرح بها ويرضاها، والآخر لافرق عنده بين صفات الكمال وصفات النقص - فلا يحب لا هذا ولا هذا ولا يرضى لا هذا ولا هذا، ولا يفرح لا بهذا ولا بهذا - كان الأول أكمل من الثاني.

  20. ومعلوم أن الله تبارك وتعالى يجب المحسنين والمتقين والصابرين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهذه كلها صفات كمال.

  21. وكذلك إذ قدر اثنان: أحدهما يبغض المتصف بضد الكمال كالظلم والجهل

    ج ١ ص ٣٨والكذب ويغضب على من يفعل ذلك، والآخر: لا قرق عنده بين الجاهل الكاذب الظالم وبين العالم الصادق العادل لا يبغض لا هذا ولا هذا، ولا يغضب لا على هذا ولا هذا - كان الأول أكمل.

  22. وكذلك إذا قدر اثنان: أحدهما يقدر أن يفعل بيديه ويقبل بوجهه والآخر لا يمكنه ذلك - إما لامتناع أن يكون له وجه ويدان، وإما لامتناع الفعل والإقبال عليه باليدين والوجه - كان الأول أكمل.

  23. فالوجه واليدان لا يعدان من صفات النقص في شيء مما يوصف بذلك، ووجه كل شيء بحسب ما يضاف إليه وهو ممدوح به لا مذموم، كوجه النهار، ووجه الثوب، ووجه القوم، ووجه الخيل، ووجه الرائ، وغير ذلك، وليس الوجه المضاف إلى غيره هو نفس المضاف إليه في شيء من موارد الاستعمال سواء كان الاستعمال حقيقة أو مجازا.

  24. فإن قيل: من يمكنه الفعل بكلامه أو بقدرته بدون يديه أكمل ممن يفعل بيديه، قيل من يمكنه الفعل بقدرته أو تكليمه إذا شاء وبيديه إذا شاء هو أكمل ممن لا يمكنه الفعل إلا بقدرته أو تكليمه، ولا يمكنه أن يفعل باليد، لهذا كان الإنسان أكمل من الجمادات التي تفعل بقوى فيها كالنار والماء.

  25. فإذا قدر اثنان: أحدهما لا يمكنه الفعل إلا بقوة فيه، والآخر: يمكنه الفعل بقوة فيه بكلامه - فهذا أكمل.

  26. فإذا قدر آخر بقوة فيه وبكلامه وبيديه إذا شاء فهو أكمل وأكمل.

  27. وأما صفات النقص فمثل النوم، فإن الحي اليقضان أكمل من النائم والوسنان، والله لا تأخذه سنة ولا نوم.

    ج ١ ص ٣٩
  28. وكذلك من يحفظ بلا اكتراث أكمل ممن يلزمه ذلك والله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما.

  29. وكذلك من يفعل ولا يتعب أكمل ممن يتعب والله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب.

  30. ولهذا وصف الرب بالعلم دون الجهل والقدرة دون العجز، والحياة دون الموت، والسمع والبصر والكلام دون الصمم والعمى البكم، والضحك دون البكاء، والفرح دون الحزن.

  31. وأما الغضب مع الرضاء والبغض مع الحب فهو أكمل ممن لا يكون منه إلا الرضى والحب دون البغض والغضب للأمور التي تستحق أن تذم وتبغض, ولهذا كان اتصافه بأنه يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، أكمل من اتصافه بمجرد الإعطاء والإعزاز والرفع، لأن الفعل الآخر حيث تقتضي الكلمة ذلك أكمل ممن لا يفعل إلا أحد النوعين ويخل بالآخر في المحل المناسب له.

  32. من اعتبر هذه الباب، وجده على قانون الصواب، والله الهادي لأولى الباب.

  33. فصل:
  34. وأما قول " ملاحدة المتفلسفة " وغيرهم: إن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره فيكون ناقصا بذاته، وإن أوجب له نقصا لم يجز اتصافه بها، فيقال:

    الكمال المعين هو الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه.

  35. وحينئذ قول القائل: يكون يكون نقصا بذاته إن أراد به أنه يكون بدون هذه الصفات ناقصا فهذا حق، لكن من هذا فررنا وقدرنا أنه لابد من صفات الكمال وإلا كان نقصا.

  36. وإن أراد به أنه إنما صار كاملا بالصفات التي اتصف بها فلا يكون كاملا بذاته المجردة عن هذه الصفات فيقال:

    أولا: هذا إنما يتوجه أن لو أمكن وجود ذات مجردة عن هذه الصفات، أو أمكن وجود ذات كاملة مجردة عن هذه الصفات فإذا كان أحد هذين ممتنعا امتنع كماله بدون هذه الصفات، فكيف إذا كا ن كلاهما ممتنعا، فإن وجود ذات كاملة بدون هذه الصفات ممتنع.

  37. فإنا نعلم بالضرورة أن الذات التي لا تصير علة بالفعل واحتاج مصيرها علة بالفعل إلى سبب آخر، فإن كان المخرج لها من القوة إلى الفعل هو نفسه

    ج ١ ص ٤١صار فيه ما هو بالقوة وهو المخرج له إلى الفعل، وذلك يستلزم أن يكون قابلاً أو فاعلاً، وهم يمنعون ذلك لامتناع الصفات التي يسمونها التركيب.

  38. وإن كان المخرج له غيره كان ذلك ممتنعًا بالضرورة والاتفاق؛ لأن ذلك ينافى وجوب الوجود؛ ولأنه يتضمن الدور المعي والتسلسل في المؤثرات، وإن كان هو الذي صار فاعلا للمعين بعد أن لم يكن، امتنع أن يكون علة تامة أزلية، فقدم شىء من العالم يستلزم كونه علة تامة في الأزل، وذلك يستلزم ألاَّ يحدث عنه شىء بواسطة وبغير واسطة، وهذا مخالف للمشهود.

  39. ويقال ثانيا في إبطال قول من جعل حدوث الحوادث ممتنعًا: هذا مبني علي تجدد هذه الأمور بتجدد الإضافات، والأحوال والأعدام؛ فإن الناس متفقون على تجدد هذه الأمور. وفرق الآمدي بينهما من جهة اللفظ، فقال: هذه حوادث وهذه متجددات، والفروق اللفظية لا تؤثر في الحقائق العلمية.

  40. فيقال: تجدد هذه المتجددات إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن أوجب له نقصًا لم يجز وصفه به.