ابتداء الناسخ والمنسوخ
٧ فقرات، ج ٢ ص ١٠٦
- ج ٢ ص ١٠٦
٣١٢ - قال الشافعي إنَّ الله خلَق الخلْق لِما سَبَق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم لا مُعَقِّبَ لحُكْمه وهو سريع الحِساب
٣١٣ - وأنزل عليهم الكتاب تِبْياناً لكل شئ وهدى ورحمة وفرض فيهم فرائض أثبتها وأُخْرَى نسَخَها رحمةً لِخَلْقه بالتخفيف عنهم وبالتوسعة عليهم زيادة فيما ابتدأهم به مِن نِعَمه وأثابَهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جَنَّتَه والنجاة من عذابه فعَمَّتْهم رحمتُه فيما أثبت ونسخ فله الحمد على نعمه
٣١٤ - (٢) وأبان الله لهم (٣) أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب وأن السنةَ لا ناسخةٌ للكتاب (٤) وإنما هي تَبَع للكتاب يُمَثِّلُ ما نَزل (٥) نصاً ومفسِّرةٌ معنى ما أنزل الله منه جُمَلاً
٣١٥ - قال الله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا (٦) ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بدله قل ما يكون لي أن
ج ٢ ص ١٠٧أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ ربي عذاب يوم عظيم (١) ).
-
٣١٦ - (٢) فأخبر الله (٣) أنه فرَضَ على نبيه اتباعَ ما يوحَى إليه ولم يجعل له تبديله نفسه
٣١٧ - وفي قوله (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أبدله من تلقاء نفسي) بيانُ ما وصفتُ مِن أنه لا يَنْسخ كتاب الله إلا بكتابه كما كان المبتدئ لفرضه (٤) فهو المُزيلُ المثبت لِما شاء (٥) منه جل ثناؤه ولا يكون ذلك لأحد من خلقه
٣١٨ - وكذلك قال (٦) : (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ ويثبت وعنده أم الكتاب (٧) )
-
٣١٩ - (٨) وقد قال بعضُ أهل العلم في هذه الآية والله أعلم دِلَالة على أن الله جعَل لرسوله أنْ يقولَ مِن تِلقاء نفسه بتوفيقه فيما لم يُنْزِلْ فيه كتاباً والله أعلم
٣٢٠ - وقيل (٩) في قوه (يمحو الله ما يشاء) يمحو فرض ما يشاء ويثبت ما يشاء (١٠) وهذا يُشبه ما قيل والله أعلم
ج ٢ ص ١٠٨٣٢١ - وفي كتاب الله دِلالة عليه قال الله (ما ننسخ من آية (١) أو ننسها [*] نأت بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كل شئ قدير (٢) )
-
٣٢٢ - فأخبر الله أن ننسخ القُرَآن وتأخيرَ إنْزالِه لا يكون إلا بِقُرَآن مثلِه
٣٢٣ - وقال: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ (٣) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مفتر (٤) )
-
٣٢٤ - (٥) وهكذا سنة رسول الله لا يَنْسَخُها إلا سنةٌ لرسول الله ولو أحدث الله لرسوله (٦) في أمر سنَّ فيه غيَر ما سنَّ (٧) رسول الله لَسَنَّ (٨) فيما أحدث الله إليه حتى يُبَيِّنَ (٩) للناس أن له سنةً ناسخةَ لِلَّتي قّبْلَها مما يخالفها وهذا مذكور في سنته صلى الله عليه وسلم
٣٢٥ - (١٠) فإن قال قائل فقد وجدنا الدِّلالة على أنَّ القُرَآن ينسخ القرآن لا أنه لا مثلَ للقرآن فأوْجِدْنا ذلك في السنة
٣٢٦ - قال الشافعي فيما وصفتُ مِن فرْضِ الله على الناس
ج ٢ ص ١٠٩اتباع أمر رسول الله (١) دليلٌ على أن سنة رسول الله إنما قُبِلَتْ عن الله فَمَنْ اتبعها فبِكتاب الله تَبِعَها (٢) ولا نجد خبراً ألزمه الله خلْقَه نصاً بَيِّناً إلا كتابَه ثم سنةَ نبيه فإذا كانت السنة كما وصفتُ لا شِبْهَ لها مِنْ قول خَلْقٍ من خلق الله لَمْ يَجُزْ أن ينسخها إلا مثلُها ولا مثل لها غيرُ سنة رسول لأن الله لم يجعل لآدمي بعده ما جعل له بل فرَض على خلقه اتباعَه فألزمهم (٣) أمره فالخلْق كلهم له تبعٌ ولا يكون للتابع أن يخالف ما فُرِضَ عليه اتباعُه (٤) ومن وجب عليه اتباع سنة رسول الله لم يكن له خلافُها ولم يقُمْ مَقامَ أنْ ينسخ شيئاً منها
٣٢٧ - (٥) فإن قال أفيَحْتَمِلُ أنْ تكون له سنة مأثورة قد نُسِخَتْ ولا تُؤْثَرُ السنة التي نَسَخَتْها
٣٢٨ - فلا يحتمل هذا وكيف يَحْتَمِلُ أنْ يُؤثر ما وُضِع فرضُه ويُتْرَكَ ما يَلْزَم فرضُه ولو جاز هذا خرج عامةُ السنن من أيدي الناس بِأنْ يقولوا لَعَّلها مَنْسوخَة وليس يُنْسَخُ فرضٌ أبداً إلا ثبت مكانه فرض كما نسخت نسخت قبله بيت المقدس فأثبت
ج ٢ ص ١١٠مكانَها الكعبةُ (١) وكلُّ منسوخ في كتاب وسنة هكذا (٢)
-
٣٢٩ - (٣) فإن قال قائل هل ننسخ السنةُ بالقُرَآن
٣٣٠ - قيل لو نُسخَت السنة بالقُرَآن كانت للنبي فيه سنةٌ تُبَيِّنُ أنَّ سنته الأولى منسوخة بسُنته الآخِرة (٤) حتى تقوم الحجةُ على الناس بأن الشئ ينسخ بمثله
ج ٢ ص ١١١٣٣١ - (١) فإنْ قال ما الدليل على ما تقول (٢)
-
٣٣٢ - فما وصَفْتُ مِنْ مَوْضعه من الإبانة عن الله معنى ما أراد بفرائضه خاصاً وعاماً مما وصفت في كتابي هذا وأنه لا يقول أبدا لشئ إلا بحُكْم الله ولو نسخ الله مما قال حكْماً لَسنَّ رسول الله فيما نسخه سنة
٣٣٣ - ولو جاز أن يقال قد سنَّ رسول الله ثم نسخ (٣) سنتَه بالقُرَآن ولا يُؤْثَرُ عن رسول الله السنةُ الناسخةُ جاز (٤) أن يقال فيما حرم رسول الله من البُيوع كلِّها قد يحتمل أن يكون حرَّمَها قبل أن ينزل عليه (أحل الله البيع وحرم الربا (٥) ) وفيمن رجَم مِن الزناة قد يحتمل أن يكون الرجم منسوخاً لقول الله (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة (٦) وفي المسح على
ج ٢ ص ١١٢الخُفَّيْن نَسَخت آيةُ الوُضوء المسحَ وجاز أن يقال لا يُدْرَأُ (١) عن سارق سرق من غير حِرْزٍ وسرِقَتُهُ أقلُّ من ربع دينار لقول الله (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (٢) ) لأن اسم السرقة يَلْزَم من سرَق قليلاً وكثيراً (٣) ومن حِرز ومن غيِر حرز ولجاز رَدُّ كل حديث عن رسول الله بأن يقال (٤) لم يقله (٥) إذا لم يَجِدْه (٦) مثلَ التنزيل وجاز (٧) رد السنن بهذين الوجهين فتُرِكَتْ كلُّ سنة معها كتابٌ جملةً تحتمل سنتُه أن توافقه (٨) وهي لا تكون ابدا
ج ٢ ص ١١٣إلا موافِقة له إذا (١) احتمل اللفظ فيما رُوِي عنه خلافَ اللفظ في التنزيل بوجه أو احتمل أن يكون في اللفظ عنه أكثرُ مما في اللفظ في التنزيل (٢) وإنْ كان مُحتمِلا أن يخالفه من وجه
٣٣٤ - وكتابُ الله وسنةُ رسوله (٣) تدل على خلاف هذا القول وموافِقةٌ ما قلنا
٣٣٥ - وكتاب الله البيانُ الذي يُشْفى (٤) به من العَمى وفيه الدلالة على موضع رسول الله من كتاب الله ودينه واتباعِه له وقيامه بتَبْيِينِه عن الله