ما يحرم عند القبور
٢٢٦ فقرة، ج ١ ص ٢٠٣
الصفحة ١ من ٦
- ١٢٨ - ويحرم عند القبور ما يأتي:
-
١ - الذبح لوجه الله، لقوله صلى الله عليه وسلم:
(لاعقر في الاسلام) ، قال عبد الرزاق بن همام:
(كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة) .
-
أخرجه (أبو داود (٢/ ٧١) وقول عبد الرزاق له، والبيهقي (٤/ ٥٧) وأحمد (٣/ ١٩٧) وإسناده صحيح على شرط الشيخين. (١)
- (١)وقال شيخ الاسلام في (الاقتضاء) (ص ١٨٢): (وأما الذبح هناك - يعني عند القبور - فمنهي عنه مطلقا ذكره أصحابنا وغيرهم لهذا الحديث. قال أحمد في رواية المروزي -: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا عقر في الاسلام. كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وكره أبو عبد الله أكل لحمه. قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه) وقال النووي في (المجموع) (٥/ ٣٢٠): (وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس هذا، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح). قلت: وهذا إذا كان الذبح هناك لله تعالى وأما إذ كان لصاحب القبر كما يفعله بعض الجهال فهو شرك صريح، وأكله حرام وفسق كما قال تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: ١٢١]. أي والحال أنه كذلك بأن ذبح لغير الله، إذ هذا قو الفسق هنا كما ذكره الله تعالى بقوله (أو فسقا أهل لغير الله به)، كما في (الزواجر) (١/ ١٧١) للفقيه الهيتمى. وقال: (لعن الله (وفي رواية: ملعون) من ذبح لغير الله). أخرجه أحمد (رقم ٢٨١٧، ٢٩١٥، ٢٩١٧) بسند حسن عن ابن عباس، ومسلم (٦/ ٨٤) عن علي نحوه.
- ج ١ ص ٢٠٤
٢ - رفعها زيادة على التراب الخارج منها.
-
٣ - طليها بالكلس ونحوه.
-
٤ - الكتابة عليها.
-
٥ - البناء عليها.
-
٦ - القعود عليها.
-
وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبى عليه، [أو يزاد عليه] ، [أو يكتب عليه] ) .
-
أخرجه مسلم (٣/ ٦٢) وأبو داود (٢/ ٧١) والنسائي (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥، ٢٨٦) والترمذي (٢/ ١٥٥) وصححه، والحاكم (١/ ٣٧٠) والبيهقي (٤/ ٤) وأحمد (٣/ ٢٩٥
٣٣٢، ٣٣٩، ٣٩٩).
-
والزيادتان لابي داود والنسائي، وللبيهقي الأولى.
-
والثانية عند الترمذي والحاكم وصحح إسنادها ووافقه الذهبي.
-
وأعلها المنذري (٤/ ٣٤١) وغيره بالانقطاع بين سليمان بن موسى وجابر.
-
لكن هذا بالنظر لطريق أبي داود وغيره، وإلا فقد أخرجها الحاكم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر.
-
وهذا سند على شرط مسلم.
-
وقد صرح ابن جريج عنده بسماعه من أبي الزبير وهذا من جابر، فزال بذلك شبهة تدليسهما، ومن هذا الوجه جاءت الأولى عند من ذكرنا، وقال النووي (٥/ ٢٩٦) : (وإسنادها صحيح) .
-
ثم استدل بها على أنه يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرج منه وقال: (قال الشافعي: فإن زاد فلا بأس، قال أصحابنا: معناه أنه ليس بمكروه) .
قلت: وهذا خلاف ظاهر النهي فإن الاصل فيه التحريم، فالحق ما قاله ابن حزم في (المحلى) (٥/ ٣٣) :
(ولا يحل أن يبنى القبر، ولا أن يجصص، ولا أن يزاد على ترابه شئ ويهدم كل ذلك) .
- ج ١ ص ٢٠٥
وهو ظاهر قول الامام أحمد، فقال أبو داود في (المسائل) (ص ١٥٨) : (سمعت أحمد قال: لا يزاد على القبر من تراب غيره، إلا أن يسوى بالارض فلا يعرف. فكأنه رخص إذ ذاك) .
-
لكن ذكر في (الانصاف) (٢/ ٥٤٨) عنه الكراهة فقط! وقال الامام محمد في (الاثار) (ص ٤٥) : (أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كان يقال: ارفعوا القبر حتى يعرف أنه قبر فلا يوطأ.
قال محمد: وبه نأخذ، ولا نرى أن يزاد على ما خرج منه، ونكره أن يجصص، أو يطين، أو يجعل عنده مسجدا أو علما، أو يكتب عليه، ويكره الآجر أن يبنى به، أو يدخله القبر، ولا نرى برش الماء عليه بأسا، وهو قول أبي حنيفة).
قلت: ويدل الحديث بمفهومه على جواز رفع القبر، بقدر ما يساعد عليه التراب الخارج منه، وذلك يكون نحو شبر، فهو موافق للنص المتقدم في المسألة (١٠٧) وأما التجصيص فهو من (الجص) وهو الكلس.
-
والمراد الطلي به قال في (القاموس) : (وجصص الاناء ملاه، والبناء طلاه بالجص) .
-
ولعل النهي عن التجصيص من أجل أنه نوع زينة كما قال بعض المتقدمين.
- وعليه فما حكم تطيين القبر؟ للعلماء فيه قولان:
-
الأول: الكراهة، نص عليه الامام محمد فيما نقلته آنفا عنه، والكراهة عنده للتحريم إذا أطلقت.
-
وبالكراهة قال أبو حفص من الحنابلة كما في (الانصاف) (٢/ ٥٤٩) والاخر: أنه لا بأس به.
-
حكاه أبو داود (١٥٨) عن الامام أحمد.
-
وجزم به في (الانصاف) .
-
وحكاه الترمذي (٢/ ١٥٥) عن الامام الشافعي، قال النووي عقبه: (ولم يتعرض جمهمور الاصحاب له، فالصحيح أنه لاكراهة فيه كما نص عليه، ولم يرد فيه نهي) .
قلت: ولعل الصواب التفصيل على نحو ما يأتي: إن كان المقصود من التطين المحافظة على القبر وبقائه مرفوعا قدر ما سمح به الشرع، وأن لا تنسفة الرياح ولا تبعثره الامطار، فهو جائز بدون شك لانه يحقق غاية مشروعة.
-
ولعل هذا هو وجه من قال من الحنابلة
ج ١ ص ٢٠٦أنه يستحب. وإن كان المقصود الزينة ونحوها مما لا فائدة فيه فلا يجوز لانه محدث.
-
وأما الكتابة، فظاهر الحديث تحريمها، وهو ظاهر كلام الامام محمد، وصرح الشافعية والحنابلة بالكراهة فقط! وقال النووي (٥/ ٢٩٨) : (قال أصحابنا: وسواء كان المكتوب على القبر في لوح عند رأسه كما جرت عادة بعض الناس، أم في غيره، فكله مكروه لعموم الحديث) .
-
واستثنى بعض العلماء كتابة اسم الميت لا على وجه الزخرفة، بل للتعرف قياسا على وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحجر على قبر عثمان بن مظعون كما تقدم في المسألة المشار إليها آنفا (ص ١٥٥) . قال الشوكاني:
(وهو من التخصيص بالقياس وقد قال به الجمهور، لا أنه قياس في مقابلة النص كما قال في (ضوء النهار) ، ولكن الشأن في صحة هذا القياس).
-
والذي أراه - والله أعلم - أن القول بصحة هذا القياس على اطلاقه بعيد، والصواب تقييده بما إذا كان الحجر لا يحقق الغاية التي من أجلها وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر، ألا وهي التعرف عليه، وذلك بسبب كثرة القبور مثلا وكثرة الاحجار المعرفة! فحينئذ يجوز كتابة الاسم بقدر ما تتحقق به الغاية المذكورة. والله أعلم.
-
وأما قول الحاكم عقب الحديث:
(ليس العمل عليه، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف) .
-
فقد رده الذهبي بقوله:
(ما قلت طائلا، ولا نعلم صحابيا فعل ذلك، وإنما هو شئ أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم - ولم يبلغهم النهي) .
-
الثاني: عن أبي سعيد وهو الخدري
(أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبر) .
- ج ١ ص ٢٠٧
أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٣ - ٣٧٤) بسند رجاله جميعا رجال الصحيح، إلا أنه منقطع، فقد قال البوصيري في (الزوائد) (ق ٩٧/ ٢) : (رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، القاسم برن مخيمرة لم يسمع من أبي سعيد) قلت: فقول السندي في حاشية ابن ماجه:
(وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات) ، وهم لا أدري ممن هو؟ ورواه أبو يعلى بلفظ: (نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها) قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٣/ ٦١) : (ورجاله ثقات) .
-
الثالث: عن أبي الهياج الاسدي قال: (قال لي علي بن أبي طالب: ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا [رواية: صورة] [في بيت] إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته) .
-
أخرجه مسلم (٣/ ٦١) وأبو داود (٢/ ٧٠) والنسائي (٥١/ ٢٨) والترمذي (٢/ ١٥٣ - ١٥٤) حسنه، والحاكم (١/ ٣٦٩) والبيهقي (٤/ ٣) والطيالسي في (رقم ١٥٥) وأحمد (رقم ٧٤١، ١٠٦٤) من طريق أبي وائل عنه، والطبراني في (المعجم الصغير) (ص ٢٩) من طريق أبي إسحاق عنه.
-
وله في مسند الطيالسي (رقم ٩٦) وأحمد (رقم ٦٥٧، ٦٥٨، ٦٨٣، ٦٨٩) طريقان آخر ان عن علي رضي الله عنه. (١)
- (١)قال الشوكاني رحمه الله تعالى (٤/ ٧٢) في شرح هذا الحديث: (فيه أن السنة أن القبر لا يرفع رفعا كبيرا من غير فرق بين من كان فاضلا ومن كان غير فاضل. والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم. وقد صرح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة الشافعي ومالك. قال: ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أولياء القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك كما سيأتي. وكم قد نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الاسلام. منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للاصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها = = قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجا لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا واستغاثوا. وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالاصنام إلا فعلوه! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله، ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالما ولا متعلام، ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا، وقد توارد إلينا من الاخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني! تلعثم وتلكأ وأبي واعترف بالحق! وهذا من أبين الادلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للاسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأى مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك واجبا؟! لقد أسمعت لو ناديت حياً * ولكن لا حياة لمن تنادي ولو نارا نفخت بها أضاءت * ولكن أنت تنفخ في رماد وللشوكاني رحمه الله تعالى رسالة لطيفة نافعة في هذا الباب أسماها (شرح الصدور في تحريم رفع القبور) مطبوعة في المجموعة المنيرية (١/ ٦٢ - ٧٦).
- الرابع: عن ثمامة بن شفي قال:
-
(خرجنا مع فضالة بن عبيد إلى أرض الروم، وكان عاملا لمعاوية على الدرب، (وفي رواية: غزونا أرض الروم، وعلى ذلك الجيش فضالة بن عبيد الانصاري) ، فأصيب ابن عم لنا [ب] (رودس) (١) فصلى عليه فضالة، وقام على حفرته حتى واراه، فلما سوينا عليه حفرته قال: أخفوا عنه، (وفي الرواية الاخرى: خففوا عنه) (٢) فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا بتسوية القبور).
- (١)جزيرة معروفة في البحر الابيض المتوسط، جنوب غرب تركيا.
- (٢)هي بمعنى الرواية التي قبلها، إلا أن هذه عديت بالتشديد وتلك بالالف.