ما يحرم عند القبور
٢٢٦ فقرة، ج ١ ص ٢٠٣
الصفحة ٢ من ٦
- ج ١ ص ٢٠٨
أخرجه أحمد (٦/ ١٨) بالروايتين وإسناده حسن، وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٥ - ١٣٨) بالرواية الاخرى.
-
ورواه مسلم (٣/ ٦١) وأبو داود (٢/ ٧٠) والنسائي (١/ ٢٨٥) والبيهقي (٤/ ٢ - ٣) من طريق أخرى عن ثمامة نحوه أخصر منه، وهو رواية لاحمد (٦/ ٢١) ولفظها عنده: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سووا قبوركم بالارض) .
- ج ١ ص ٢٠٩
وفي سنده ابن لهيعة وهو سئ الحفظ.
-
وأما الحديث المشهور على الالسنة بلفظ: (خير القبور الدوارس) فلا أصل له في شئ من كتب السنة، وهو بظاهره منكر، لان القبر لا ينبغي أن يدرس، بل ينبغي أن يظل ظاهرا مرفوعا عن الارض قدر شبر كما سبق، ليعرف فيصان ولا يهان، ويزار ولا يهجر.
-
ثم إن الظاهر من حديث فضالة (كان يأمرنا بتسوية القبور) تسويتها بالارض بحيث لا ترفع إطلاقا، وهذا الظاهر غير مراد قطعا، بدليل أن السنة الرفع قدر شبر كما مرت الاشارة إليه سابقا، ويؤيد هذا من الحديث نفسه قول فضالة (خففوا) أي التراب، فلم يأمر بإزالة التراب عنه بالكلية، وبهذا فسره العلماء انظر (المرقاة) (٢/ ٣٧٢) .
-
الخامس: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لان يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس (وفي رواية: يطأ) على قبر).
-
خرجه مسلم (٣/ ٦٢) وأبو داود (٢/ ٧١) والنسائي (١/ ٢٨٧) وابن ماجه (١/ ٤٨٤) (١/ ٤٨٤) والبيهقي (٤/ ٧٩) وأحمد (٢/ ٣١١، ٣٨٩، ٤٤٤) ، والرواية الاخرى إحدى روايتيه (٢/ ٥٢٨) .
-
السادس: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لان أمشي على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي (١) أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق).
- (١)أي وذلك أمر صعب شدبد إن أمكن.
-
أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٣٣) وابن ماجه (١/ ٤٧٤) بإسناد صحيح كما قال البوصيري في (الزوائد) (ق ٩٨/ ١) ، وقال المنذري في (الترغيب) : إنه جيد.
-
السابع: عن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها) .
- ج ١ ص ٢١٠
اخرجه مسلم (٣/ ٦٢) واصحاب السنن الثلاثة وغيرهم، وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الضياء المقدسي في (الاحاديث المختارة) وقد تكلمت على إسناده في (تخريج صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم) ثم في (تحذير الساجد) (ص ٢١) .
-
وفي هذه الاحاديث الثلاثة دليل على تحريم الجلوس والوطأ على قبر المسلم، وهو مذهب جمهور العلماء على ما نقله الشوكاني (٤/ ٥٧) وغيره، لكن حكى النووي والعسقلاني عنهم الكراهة فقط، وهو نص الامام الشافعي في (الأم) (١) وكذلك نص الامام محمد في (الآثار) (ص ٤٥) على الكراهة وقال: (وهو قول أبي حنيفة) .
قلت: والكراهة عندهما إذا أطلقت فهي للتحريم، وهذا أقرب إلى الصواب من القول بالكراهة فحسب، والحق القول بالتحريم لانه الذي ينص عليه حديث أبي هريرة وعقبة. لما فيهما من الترهيب الشديد، وبهذا قال جماعة من الشافعية، منهم النووي، وإليه ذهب الصنعاني في (سبل السلام) (١/ ٢١٠) ، ومال الفقيه ابن حجر الهيتمى في (الزواجر) (١/ ١٤٣) إلى أنه كبيرة، لما أشرنا إليه من الوعيد الشديد، وليس ذلك عن الصواب ببعيد.
- (١)قال الشافعي رحمه الله (١/ ٢٤٦): (وأكره وطأ القبر والجلوس والاتكاء عليه، إلا أن لا يجد الرجل السبيل إلى قبر ميته إلا بأن يطأه فذلك موضع ضرورة، فأرجو حينئذ أن يسعه إن شاء الله تعالى، وقال بعض أصحابنا: لا بأس بالجلوس عليه، وإنما نهي عن الجلوس عليه للتغوط! وليس هذا عندنا كما قال، وإن كان نهي عنه للمذهب فقد نهي عنه مطلقا لغير المذهب). وكان الشافعي رحمه الله يشير إلى إلامام مالك رحمه الله فإنه صرح في (الموطأ) بالتأويل المذكور، ولا شك في بطلانه كما بينه النووي فيما نقله الحافظ (٣/ ١٧٤).
-
٧ - الصلاة إلى القبور للحديث المتقدم آنفا (لا تصلوا إلى القبور .. ) وفيه دليل على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهي، وهو اختيار النووي، فقال المناوي في (فيض القدير) شارحا للحديث:
ج ١ ص ٢١١(أي مستقبلين إليها، لما فيه من التعظيم البالغ، لانه من مرتبة المعبود، فجمع - يعنى الحدبث بتمامه - بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم، والتعظيم البليغ) ثم قال في موضع آخر: (فإن ذلك مكروه، فإن قصد إنسان التبرك بالصلاة في ثلك البقعة فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، والمراد كراهة التنزيه، قال النووي: كذا قال أصحابنا، ولو قيل بتحريمه لظاهر الحديث لم يبعد.
-
ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة، فهو مكروه كراهة تحريم).
-
وينبغي أن يعلم أن التحريم المذكور إنما هو إذا لم يقصد بالاستقبال تعظيم القبور، وإلا فهو شرك، قال الشيخ علي القاري في (المرقاة) (٢/ ٣٧٢) في شرحه لهذا الحديث: (ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر ولصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه،
وينبغي أن يكون كراهة تحريم، وفي معناه بل أولى منه: الجنازة الموضوعة.
-
وهو مما ابتلي به أهل مكة، حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها).
-
٨ - الصلاة عندها ولو بدون استقبال، وفيه أحاديث:
الأول: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) .
-
أخرجه أصحاب السنن الأربعة إلا النسائي - وغيرهم بسند صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، وأعل بالارسال، وليس بشئ، ولو سلم به فقد جاء من طريق أخرى سالمة من الارسال وهي على شرط مسلم، وقد فصلت القول في ذلك في (الثمر المستطاب) في المبحث السادس من (الصلاة) .
-
الثاني: عن أنس
(أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بين القبور) .
-
قال في (المجمع) (٢/ ٢٧) (رواه البزار ورجاله رجال الصحيح) .
ج ١ ص ٢١٢قلت: ورواه ابن الاعرابي في معجمه (٢٣٥/ ١) والطبراني في (الاوسط) (١/ ٢٨٠) والضياء المقدسي في (الاحاديث المختارة) (٧٩/ ٢) وزادوا: (على الجنائز) .
-
الثالث: عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا) .
-
أخرجه البخاري (١/ ٤٢٠) ومسلم (٢/ ١٨٧) وأحمد (رقم ٤٥١١، ٤٦٥٣، ٦٠٤٥) الرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) .
-
أخرجه مسلم.
-
وقد ترجم البخاري للحديث الثالث بقوله: (باب كراهية الصلاة في المقابر) .
-
وبين وجه ذلك الحافظ في شرحه فقال ما مختصره: (استنبط من قوله في الحديث: (لا تتخذوها قبورا) أن القبور ليست بمحل للعبادة، فتكون الصلاة فيها مكروهة، وقد نازع الاسماعيلي المصنف في هذه الترجمة فقال: الحديث دال على كراهة الصلاة في القبر لا في المقابر: قات: قد ورد بلفظ المقابر كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ (لا تجعلوا بيوتكم مقابر) ، وقال ابن التين: تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر: وتأوله جماعة على أنه إنا فيه الندب إلى الصلاة في البيوت، إذ الموتى لا يصلون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك.
-
قلت إن أراد أنه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق فمسلم.
-
وإن أراد نفي ذلك مطلقا فلا، فقد قدمنا وجه استنباطه، وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة.
-
وكذا قال البغوي في (شرح السنة) والخطابي).
ج ١ ص ٢١٣قلت: وهذا هو الارجح أن الحديث يدل على أن المقبرة ليست موضعا للصلاة، لا سيما بلفظ أبي هريرة فهو أصرح في الدلالة، وقول الاسماعيلي: يدل على كراهة الصلاة في القبر لا في المقابر، مع مخالفته الصريحة لحديث أبي هريرة، فلا يحسن حمل حديث ابن عمر عليه، لان الصلاة في القبر غير ممكنة عادة، فكيف يحمل كلام الشارع عليه!؟ وقول ابن التين: (هو من شراح (صحيح البخاري) واسمه عبد الواحد)
-
(الموتى لا يصلون) .
-
ليس بصحيح، لانه لم يرد نص في الشرع بنفي ذلك، وهو من الامور الغيبية التي لا ينبغي البت فيها إلا بنص، وذلك مفقود، بل قد جاء ما يبطل إطلاق القول به، وهو صلاة موسى عليه الصلاة والسلام في قبره كما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به على ما رواه مسلم في (صحيحه) ، وكذلك صلاة الانبياء عليهم الصلاة والسلام مقتدين به في تلك الليلة كما ثبت في (الصحيح) بل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) .
-
أخرجه أبو يعلى باسناد جيد، وقد خرجته في (الاحاديث الصحيحة) (٦٢٢) .
-
بل قد جاء عنه صلى الله عليه وسلم ما هو أعم مما ذكرنا، وذلك في حديث أبي هريرة في سؤال الملكين للمؤمن في القبر: (فيقال له اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد آذنت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولان: إنك ستفعل) .
-
أخرجه ابن حبان في (صحيحه) (٧٨١) والحاكم (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠) وقال (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي! وإنما هو حسن فقط، لان فيه محمد بن عمرو ولم يحتج به مسلم وإنما روى له مقرونا أو متابعة.
-
فهذا الحديث صريح في أن المؤمن أيضا يصلي في قبره، فبطل بذلك القول بأن الموتى لا يصلون، وترجح أن المراد بحديث ابن عمر أن المقبرة ليست موضعا للصلاة، والله أعلم.
- ج ١ ص ٢١٤
وقد دل الحديث وما ذكر معه على كراهة الصلاة في المقبرة، وهي للتحريم لظاهر النهي في بعضها، وذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة فيها لان النهي يدل على فساد النهي عنه، وهو قول ابن حزم، واختاره شيخ الاسلام ابن تيمية، والشوكاني في (نيل الاوطار) (٢/ ١١٢) ، وروى ابن حزم (٤/ ٢٧ - ٢٨) عن الامام أحمد أنه قال: (من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدا) (١) ثم إن كراهة الصلاة في المقبرة تشمل كل مكان منها سواء كان القبر أمام المصلي أو خلفه أو عن يمينه، أو عن يساره، لان النهي مطلق، ومن المقرر في علم الاصول أن المطلق يجرى على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده، ولم يرد هنا شئ من ذلك، وقد صرح بما ذكرنا بعض فقهاء الحنفية وغيرهم كما يأتي، فقال شيخ الاسلام ابن تيمية في (الاختبارات العلمية) (ص ٢٥) : (ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة، لانه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا.
- (١)ثم قال ابن حزم: (وكره إلصلاة إلى القبر وفي المقبرة وعلى القبر أبو حنيفة والاوزاعي وسفيان ولم ير ماك بذلك بأسا! واحتج له بعض مقلديه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قبر المسكينة السوداء! قال ابن حزم: (وهذا عجب ناهيك به أن يكون هؤلاء القوم يخالفون هذا الخبر فيما جاء فيه، فلا يجيزون أن نصلى صلاة الجنازة على من دفن، ثم يستبيحون ما ليس فيه أثر منه ولا إشارة، مخالفة للسنن الثابتة. قال: كل هذه الاثار حق، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا إلا صلاة الجنازة فإنها تصلى في المقبرة، وعلى القبر الذي قد دفن صاحبه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحرم ما نهى عنه، ونعد من التقرب إلى الله تعالى أن نفعل! مثل ما فعل فأمره ونهيه حق، وفعله حق، وما عدا ذلك فباطل). قلت: وفيما قاله في صلاة الجنازة نظر، لانه لا نص على جوزها في المقبرة ولو كان ابن حزم من القائلين فالقياس لقلنا أنه قاس ذلك على الصلاة على القبر: ولكنه يقول ببطلان القياس من أصله، وصلاة الجنازة في المقبرة خلاف السنة التي لم تأت إلا بصلاتها في المصلى وفي المسجد كما سبق بيانه في محله، بل قد جاء النهي الصريح عن الصلاة عليها بين القبور كما في رواية في حديث أنس المذكور في هذا الفصل، وهو الحديث الثاني منه.
-
وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من
ج ١ ص ٢١٥القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر.
وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه.
-
وذكر الامدي وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه أي المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر.
-
وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد).
-
وفي كلام الشيخ رحمه الله التصريح بأن علة النهي عن الصلاة في المقبرة إنما هي سد الذريعة، وهذا أحد قولي العلماء في ذلك، والقول الاخر أن العلة إنما هي نجاسة أرض المقبرة! وهما قولان في مذهب الحنفية، وقد نظر ابن عابدين في (الحاشية) (١/ ٣٥٢) في الثاني منهما، وذلك لان الاستحالة مطهرة عندهم، فكيف تكون هذه العلة صحيحة!؟ ولا شك عندنا أن القول الأول هو الصحيح، وقد بين ذلك شيخ الاسلام في كتبه، واستدل له بما لا تجده عند غيره، فراجع مثلا كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) (١٥٢، ١٩٣) ، وعليه مشى في (الحانية) من كتب الحنيفة، وأشار إليه الطحاوي في حاشيته على (مراقي الفلاح) فقال عند قول الشارح (وتكره الصلاة في المقبرة) (١/ ٢٠٨) (بتثليث الباء، لانه تشبه باليهود والنصارى، قال صلى الله عليه وسلم: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وسواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه. ويستثنى مقابر الأنبياء عليهم السلام فلا تكره الصلاة فيها مطلقا منبوشة أو لا، بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة، لانهم أحياء في قبورهم) !
قلت: وهذا الاستثناء باطل ظاهر البطلان، كيف وهو يناقض العلة التي ذكرها والحديث الذي استدل به عليها، وكيف يصح مثل هذا الاستثناء والاحاديث مستفيضة في لعن أهل الكتاب لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد ثم صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك، فالنهي منصب على اتخاذ قبور الأنبياء مباشرة، وغيرهم يلحق بهم، فكيف يعقل استثناؤهم!؟ والحق أن مثل هذا الاستثناء إنما يتمشى مع القول الثاني أن العلة النجاسة وقبور الأنبياء بلا شك طاهرة لانهم كما قال عليه السلام: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) ، ولكن هذه العلة باطلة وما بني على باطل فهو باطل. (١)
- (١)وقد فصلت القول في خطأ الطحاوئي وتناقصه في الاستثناء المذكور في كتابي (الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب).
- ج ١ ص ٢١٦
٩ - بناء المساجد عليها.