حكم صلاة الجماعة
١٥ فقرة، ج ١ ص ٣٢٤
- ج ١ ص ٣٢٤
(هي من آكد السنن) وأعظم الشعائر الإسلامية وأفضل القرب الدينية؛ لما ورد فيها من الترغيبات، حتى إنه [صلى الله عليه وسلم] صرح بأنها تزيد على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة؛ كما في " الصحيحين " ، ووقع منه الإخبار بأنه قد هم بأن يحرق على المتخلفين دورهم.
قال ابن القيم: ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة، فترك الصلاة في الجماعة هو من الكبائر. اه.
-
ولازمها [صلى الله عليه وسلم] من الوقت الذي شرعها الله - تعالى - فيه إلى أن قبضه الله - تعالى - إليه، ولم يرخص [صلى الله عليه وسلم] في تركها لمن سمع النداء، فإنه سأله الرجل الأعمى أن يصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: " هل تسمع النداء؟ " ، قال: نعم، قال: " فأجب " ، وكل ما ذكرناه ثابت في " الصحيح " .
-
وثبت في " الصحيح " أيضا عن ابن مسعود، أنه قال: " لقد رأيتنا؛ وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق " .
قال ابن القيم: وهذا فوق الكبيرة. اه.
- ج ١ ص ٣٢٥
" ولقد كان الرجل يؤتى به، يهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصف " (١) .
- (١)وهذا تتمة أثر ابن مسعود المذكور - قبل -، وهو في " صحيح مسلم " (٢٥٧) .
-
أقول: أما كونها فريضة متحتمة؛ فالأدلة متعارضة، ولكن ههنا طريقة أصولية يجمع بها بين هذه الأدلة؛ وهي أن أحاديث أفضلية الجماعة مشعرة بأن صلاة المنفرد مجزئة، وهي أحاديث كثيرة؛ مثل حديث: " الذي ينتظر الصلاة مع الإمام؛ أفضل من الذي يصلي وحده ثم ينام " ؛ وهو في " الصحيح " .
-
ومنه حديث المسيء صلاته - المشهور -؛ فإنه أمره بأن يعيد الصلاة منفردا.
-
ومنه حديث: " ألا رجل يتصدق على هذا؟ " عند أن رأى رجلا يصلي منفردا.
-
ومن ذلك أحاديث التعليم لأركان الإسلام؛ فإنه لم يأمر من علمه بأن لا يصلي إلا في جماعة، مع أنه قال لمن قال له؛ لا يزيد على ذلك ولا ينقص: " أفلح - وأبيه (٢) - إن صدق " .
- (٢)وهذه زيادة شاذة؛ فانظر تعليق شيخنا على " مختصر صحيح مسلم " (٢١) للمنذري.
-
ونحو ذلك من الأدلة؛ فالجميع صالح لصرف: " فلا صلاة له " ؛ الواقع في الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة إلى نفي الكمال، لا إلى نفي الصحة.
- ج ١ ص ٣٢٦
وأما ما وقع منه [صلى الله عليه وسلم] من الهم بتحريق المتخلفين: فهو وإن لم يكن قولا ولا فعلا ولا تقريرا، لكنه لا يكون ما يهم به إلا جائزا، ولا يجوز التحريق بالنار لمن ترك ما لم يفرض عليه: فالجواب عنه قد بسطه شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى " .
قال في " الحجة البالغة " : لما كان في شهود الجماعة حرج للضعيف، والسقيم، وذي الحاجة: اقتضت الحكمة أن يرخص في تركها عند ذلك؛ ليتحقق العدل بين الإفراط والتفريط.
-
فمن أنواع الحرج؛ ليلة ذات برد ومطر، ويستحب عند ذلك قول المؤذن: ألا صلوا في الرحال (١) .
- (١)انظر كتابي " أحكام الشتاء في ضوء السنة المطهرة " (٤١ - ٤٤) .
-
ومنها حاجة يعسر التربص بها كالعشاء إذا حضر؛ فإنه ربما يتشوف إليه، وربما يضيع الطعام.
-
وكمدافعة الأخبثين؛ فإنه بمعزل عن فائدة الصلاة، مع ما به من اشتغال النفس.
-
ولا اختلاف بين حديث: " لا صلاة بحضرة الطعام " ، وحديث: " لا تؤخر الصلاة لطعام ولا غيره " (٢) ؛ إذ يمكن تنزيل كل واحد على صورة أو معنى، والمراد نفي وجوب الحضور؛ سدا لباب التعمق، وعدم التأخير هو الوظيفة لمن أمن شر التعمق، وذلك كتنزيل فطر الصائم وعدمه على الحالين،
ج ١ ص ٣٢٧أو التأخير إذا كان تشوف إلى الطعام أو خوف ضياع، وعدمه - إذا لم يكن كذلك - مأخوذ من حال العلة.
- (٢)رواه أبو داود (٣٧٥٨) بسند ضعيف؛ فانظر " المشكاة " (١٠٧١) .
-
ومنها ما إذا كانت خوف فتنة؛ كامرأة أصابت بخورا، ولا اختلاف بين قوله [صلى الله عليه وسلم] : " إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها " ، وبين ما حكم به جمهور الصحابة من منعهن؛ إذ المنهي عنه الغيرة التي تنبعث من الأنفة دون خوف الفتنة، والجائز ما فيه خوف الفتنة، وذلك قوله [صلى الله عليه وسلم] : " الغيرة غيرتان ... " (١) الحديث، وحديث عائشة: أن النساء أحدثن ... الحديث.
ومنها الخوف والمرض، والأمر فيهما ظاهر، ومعنى قوله [صلى الله عليه وسلم] للأعمى: " أتسمع النداء؟ ... " الخ: أن سؤاله كان في العزيمة، فلم يرخص له.
- (١)رواه أبو داود (٢٦٥٩) وغيره، وهو حديث حسن، انظر " الإرواء " (١٩٩٩) .