حرف الجيم
٧٥ فقرة، ج ١ ص ٢٣
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٣
٨ - أحمد بن جعفر أبو عبد الرحمن الضرير الوكيعىّ
سمع وكيع بن الجراح، وأبا معاوية، وإمامنا فى آخرين. قال زكريا بن يحيى الساجى: حدثنى أحمد بن محمد قال: سمعت أبا نعيم يقول: ما رأيت ضريرا أحفظ من أحمد بن جعفر الوكيعى. وقال أبو داود: كان أبو عبد الرحمن الوكيعى يحفظ العلم على الوجه. وقال الدارقطنى: أحمد الوكيعى ثقة، وابنه محمد ثقة.
-
أنبأنا على بن بطه أخبرنا محمد بن أيوب، سمعت إبراهيم الحربى يقول:
قال أحمد ابن جعفر الوكيعى لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، لم يقع إلينا من حديث الزهرى شئ. قال أحمد: قد خرّجت منها حديث سالم، خذ حتى أمليه عليك. قال إبراهيم: فأملى علينا وهو جالس مغمض العينين من حفظه.
- ج ١ ص ٢٤
وبالإسناد: قال الحربى سمعت أحمد بن حنبل يقول لأحمد الوكيعى:
يا أبا عبد الرحمن، إنّي لأحبك. حدثنا يحيى عن ثور عن حبيب بن عبيد عن المقدام قال قال النبى ﷺ «إذا أحبّ أحدكم أخاه فليعلمه» .
قال الحربى: مات أحمد الوكيعى ببغداد سنة خمس عشرة، يعنى ومائتين.
-
وعرضت عليه مسند ابن أبى شيبة كله. فكان يذكر الحديث، فأسأله عنه؟ فيقول: ما سمعت هذا من محدث، وإنما سمعتكم يوم الجمعة تذكرونه.
قال ابراهيم: وكان الوكيعى يحفظ مائة ألف حديث، ما أحسبه سمع حديثا.
-
قط إلا حفظه.
-
[٩ - أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله،]
- أبو العباس الفارسى الاصطخرى روى عن إمامنا أشياء:
-
منها: ما قرأت على المبارك عن علىّ بن عمر البرمكى. قال أخبرنا أحمد بن عبد الله المالكى، حدثنا أبى حدثنا محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب بن زوران - لفظا - حدثنا أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسى الاصطخرى قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل:
«هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروقها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب النبى ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها.
-
فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها: فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.
-
فكان قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونيّة، وتمسك بالسنة. والإيمان يزيد وينقص، ويستثنى فى الإيمان، غير أن لا يكون الاستثناء شكّا؛ إنما هى سنة ماضية عند العلماء.
ج ١ ص ٢٥قال: وإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. ومن زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان هو القول، والاعمال شرائع: فهو مرجئ. ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد قال بقول المرجئة، ومن لم ير الاستثناء فى الإيمان فهو مرجئ. ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل والملائكة فهو مرجئ. ومن زعم أن المعرفة ننفع فى القلب لا يتكلم بها فهو مرجئ.
قال: والقدر خيره وشرّه، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيّئه. وأوّله وآخره: من الله، قضاء قضاه، وقدرا قدّره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة الله عز وجل . ولا يجاوز قضاءه: بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقفون فيما قدّر عليهم لأفعاله. وهو عدل منه عزّ ربنا وجل. والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام. والشرك بالله والمعاصى كلها: بقضاء وقدر، من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجّة. بل لله الحجة البالغة على خلقه. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وعلم الله عز وجل ماض فى خلقه بمشيئة منه، قد علم من إبليس ومن غيره ممن عصاه - من لدن أن عصى تبارك وتعالى إلى أن تقوم الساعة - المعصية.
-
وخلقهم لها. وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها. وكلّ يعمل لما خلق له.
-
وصائر لما قضى عليه وعلم منه. لا يعدو واحد منهم قدر الله ومشيئته. والله الفاعل لما يريد، الفعال لما يشاء.
-
ومن زعم أن الله شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة، وأن العباد شاءوا لأنفسهم للشر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم، فقد زعم أن مشيئة العباد أغلظ من مشيئة الله تبارك وتعالى . فأى افتراء أكثر على الله عز وجل من هذا؟.
-
ومن زعم أن الزنا ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة، حملت من الزنا
ج ١ ص ٢٦وجاءت بولد: هل شاء الله عز وجل أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى فى سابق علمه؟ فإن قال: لا. فقد زعم أن مع الله خالقا. وهذا هو الشرك صراحا.
-
ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر، وأكل المال الحرام: ليس بقضاء وقدر:
فقد زعم: أن هذا الانسان قادر على أن يأكل رزق غيره. وهذا صراح قول المجوسية. بل أكل رزقه، وقضى الله أن يأكله من الوجه الذى أكله.
-
ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر من الله عز وجل ، وأن ذلك بمشيئته فى خلقه: فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله. وأى كفر أوضح من هذا؟ بل ذلك بقضاء الله عز وجل . وذلك بمشيئته فى خلقه، وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم. وهو العدل الحق الذى يفعل ما يريد. ومن أقر بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصّغر والقماء.
-
ولا نشهد على أحد من أهل القبلة: أنه فى النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون فى ذلك حديث، كما جاء على ما روى فنصدّقه، ونعلم أنه كما جاء. ولا ننصّ الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه فى الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه، إلا أن يكون فى ذلك حديث، كما جاء على ما روى، ولا ننص الشهادة.
-
والخلافة فى قريش ما بقى من الناس اثنان. ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم، ولا نقرّ لغيرهم بها إلى قيام الساعة. والجهاد ماض قائم مع الأئمة، برّوا أو فجروا، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. والجمعة والعيدان، والحج مع السلطان، وإن لم يكونوا بررة عدولا أتقياء. ودفع الصّدقات والخراج والأعشار، والفيئ والغنائم إلى الأمراء، عدلوا فيها أم جاروا.
-
والانقياد إلى من ولاّه الله أمركم، لا تنزع يدا من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا. ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعة. فمن فعل ذلك: فهو مبتدع مخالف مفارق للجماعة. وإن أمرك
ج ١ ص ٢٧السلطان بأمر هو لله معصية، فليس لك أن تطيعه البتة. وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه.
-
والإمساك فى الفتنة سنة ماضية واجب لزومها، فإن ابتليت فقدّم نفسك دون دينك، ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، ولكن اكفف يدك ولسانك وهواك. والله المعين.
-
والكفّ عن أهل القبلة. ولا تكفر أحدا منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون فى ذلك حديث، فيروى الحديث كما جاء، وكما روى، وتصدقه وتقبله، وتعلم أنه كما روى، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام فاتبع الأثر فى ذلك ولا تجاوزه.
-
والأعور الدجّال خارج لا شك فى ذلك ولا ارتياب، وهو أكذب الكاذبين
وعذاب القبر حق، يسأل العبد عن دينه وعن ربه، وعن الجنة، وعن النار، ومنكر ونكير حق، وهما فتّانا القبر. نسأل الله الثبات.
-
وحوض محمد ﷺ حق ترده أمته. وله آنية يشربون بها منه.
-
والصراط حق يوضع على سواء جهنم، ويمرّ الناس عليه. والجنة من وراء ذلك.
-
نسأل الله السلامة. والميزان حق توزن به الحسنات والسيئات، كما يشاء الله أن، توزن. والصّور حق ينفخ فيه إسرافيل فيموت الخلق، ثم ينفخ فيه الأخرى، فيقومون لربّ العالمين وللحساب والقضاء. والثواب والعقاب، والجنة والنار، واللوح المحفوظ تستنسخ منه أعمال العباد لما سبق فيه من المقادير والقضاء. والقلم حق، كتب الله به مقادير كل شئ وأحصاه فى الذكر تبارك وتعالى .
-
والشفاعة يوم القيامة حق، يشفع قوم فى قوم فلا يصيرون إلى النار. ويخرج قوم من النار بشفاعة الشافعين. ويخرج قوم من النار بعد ما دخلوها ولبثوا فيها ما شاء الله، ثم يخرجهم من النار. وقوم يخلدون فيها أبدا. وهم أهل الشرك
ج ١ ص ٢٨والتكذيب والجحود، والكفر بالله عز وجل . ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنة والنار.
-
وقد خلقت الجنة وما فيها، والنار وما فيها، خلقهما الله عز وجل . وخلق الخلق لهما. لا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبدا.
-
فإن احتج مبتدع، أو زنديق، بقول الله عز وجل (٨٨:٢٨ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾) وبنحو هذا من متشابه القرآن؟.
-
قيل له: كل شئ مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك. والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك. وهما من الآخرة لا من الدنيا. والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة، ولا عند النفخة، ولا أبدا. لأن الله عز وجل خلقهن للبقاء لا للفناء. ولم يكتب عليهن الموت. فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضلّ عن سواء السبيل.
-
وخلق سبع سماوات بعضها فوق بعض. وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام. وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام. والماء فوق السماء العليا السابعة. وعرش الرحمن عز وجل فوق الماء. والله عز وجل على العرش. والكرسى موضع قدميه. وهو يعلم ما فى السموات والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى. وما فى قعر البحار ومنبت كل شعرة وشجرة. وكل زرع وكلّ نبات ومسقط كل ورقة. وعدد كل كلمة.
-
وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم. ويعلم كل شئ. لا يخفى عليه من ذلك شئ وهو على العرش فوق السماء السابعة. ودونه حجب من نور ونار وظلمة. وما هو أعلم به.
-
فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله عز وجل (١٦:٥٠ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾) وبقوله (٤:٥٧ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ﴾) وبقوله (٧:٥٨ ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا﴾) ونحو هذا من متشابه القرآن.
- ج ١ ص ٢٩
فقل: إنما يعنى بذلك العلم. لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العلياء ويعلم ذلك كله. وهو بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان.
-
ولله عز وجل عرش. وللعرش حملة يحملونه. والله عز وجل على عرشه، ليس له حدّ والله أعلم بحدّه. والله عز وجل سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، قريب لا يغفل، (يتحرّك) ويتكلم وينظر، ويبصر ويضحك، ويفرح ويحبّ ويكره، ويبغض ويرضى، ويغضب ويسخط، ويرحم ويعفو، ويفقر ويعطى ويمنع. وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء (١١:٤٢ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾) وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، ويوعيها ما أراد. وخلق آدم بيده على صورته، والسموات والأرض يوم القيامة فى كفّه، ويضع قدمه فى النار فتزوى، ويخرج قوما من النار بيده، وينظر أهل الجنة إلى وجهه يرونه فيكرمهم، ويتجلّى لهم فيعطيهم، ويعرض عليه العباد يوم القيامة، ويتولى حسابهم بنفسه، لا يلى ذلك غيره عز وجل .
-
والقرآن كلام الله، تكلم به، ليس بمخلوق. ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمىّ كافر، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف، ولم يقل: ليس بمخلوق: فهو أخبث من قول الأوّل، ومن زعم أن ألفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله: فهو جهمى، ومن لم يكفر هؤلاء القوم كلهم فهو مثلهم.
-
وكلم الله موسى تكليما من (فيه) (١) ، وناوله التوراة من يده إلى يده، ولم يزل الله عز وجل متكلما، فتبارك الله أحسن الخالقين.
- (١)كذا بالأصول، ولعل فيها تحريفا أو نحوه، فلتحرر
-
والرؤيا من الله عز وجل ، وهى حقّ إذا رأى صاحبها شيئا فى منامه ما ليس هو ضغث، فقصّها على عالم، وصدق فيها، وأولها العالم على أصل تأويلها الصحيح ولم يحرّف. فالرؤيا حينئذ حق. وقد كانت الرؤيا من الأنبياء عليهم السلام وحى فأى جاهل أجهل ممن يطعن فى الرؤيا، ويزعم أنها ليست بشئ. وبلغنى أن
ج ١ ص ٣٠من قال هذا القول لا يرى الاغتسال من الاحتلام. وقد روى عن النبى ﷺ «أن رؤيا المؤمن كلام يكلم الربّ عبده (١) » وقال «إن الرؤيا من الله عز وجل » وبالله التوفيق.
- (١)فى نسخة القرشى «يكلم العبد ربه»
-
ومن الحجة الواضحة الثابتة البينة المعروفة: ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساويهم، والخلاف الذى شجر بينهم. فمن سبّ أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدا منهم، أو تنقّصه أو طعن عليهم، أو عرّض بعيبهم، أو عاب أحدا منهم: فهو متبدع رافضى خبيث مخالف، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. بل حبهم سنة، والدّعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة.
-
وخير الأمّة بعد النبى ﷺ : أبو بكر، وعمر بعد أبى بكر، وعثمان بعد عمر، وعلى بعد عثمان. ووقف قوم على عثمان. وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير النّاس.
-
لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب، ولا بنقص. فمن فعل ذلك فقد وجب على السّلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فان تاب قبل منه، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلّده الحبس، حتى يموت أو يراجع.