٤٩٦ - مهنا بن يحيى الشامي السلمى، أبو عبد الله.
٩٣ فقرة، ج ١ ص ٣٤٥
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ٣٤٥
حدث عن بقية بن الوليد، وسمرة بن ربيعة، ومكى بن إبراهيم، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وإمامنا أحمد، وبشر، فى آخرين. روى عنه حمدان الوراق، وابراهيم النيسابورى، وعبد الله بن إمامنا أحمد، وسهل التسترى فى آخرين.
-
قرأت فى كتاب أبى بكر الخلال وقد ذكر مهنا - فقال: من كبار أصحاب أبى عبد الله. روى عن أبى عبد الله من المسائل ما فخر به. وكان أبو عبد الله يكرمه، ويعرف له حق الصحبة. ورحل معه إلى عبد الرزاق. وصحبه إلى أن مات. ومسائله أكثر من أن تحد من كثرتها. وكتب عنه عبد الله بن أحمد مسائل كثيرة بضعة عشر جزءا، مسائل جيادا عن أبيه. لم تكن عند عبد الله عن
ج ١ ص ٣٤٦أبيه، ولا عند غيره. وكان عبد الله يرفع قدره، ويذكره كثيرا. وحدث عنه بأشياء كثيرة عن أبيه وغيره
وأخبرنى عمر بن إبراهيم، أبو بكر، قال سمعت مربّعا قال: رأيت أحمد ابن حنبل يكرم مهنا الشامى
وقرئ على عبد الله بن أحمد - وأنا أسمع - أن أباه قال: مهنا كان معنا تلك السنة - يعنى عند عبد الرزاق - وكنت أرى مهنا يسأل أبى حتى يضجره ويكرر عليه جدا، حتى ربما قام وضجر. وكنت أشبهه بابن جريج، حين كان يسأل عطاء
قال عبد الله: قال مهنا: لزمت أبا عبد الله ثلاثا وأربعين سنة. واتفقنا عند عبد الرزاق. ورأيته بمكة عند سفيان بن عيينة سنة ثمان وتسعين
قال عبد الله: سمعت مهنا يقول: صحبت أبا عبد الله، فتعلمت منه العلم والأدب، واكتسبت به مالا. قال قلت: كيف اكتسبت به مالا؟ قال: فقال:
ولى أبو موسى الأنصارى على الصدقات. فكتب العلماء، فمضوا وأخذوا. قال:
وجاء إلى أبى عبد الله، فعرض عليه فى القول. فخرج منه. فلما كان بعد ذلك ضقت، فجئت إلى أبى عبد الله، فقلت له: اكتب لى إلى أبى موسى فى الغارمين.
-
فلم يفعل، وقال: لو بقى الإنسان على كذا وكذا - لشئ يذكره - ما كان ينبغى له أن يفعل هذا. قال: فسكت عنه مدة. قال: ثم عاودته الكلام. فسكت عنى. قال: فسكت عنه مدة، قال ثم عاوته الكلام. فقال: لن أفعل ولا أفعل.
قال فلما قال: لا أفعل، علمت أنه لا يفعل. فسكت عنه مدة. ثم أتيته، فقلت:
يا أبا عبد الله لى عليك حقوق: حق الجوار، وحق الصحبة. وجعلت أذكر له حقوقى عليه. وقد قلت «لا أفعل» فأكتب عن لسانك كتابا؟ قال: فقال لى:
افعل، أنت أعلم. قال: فكتبت عن لسانه. فلما جئت بالكتاب إلى أبى موسى أنكره وقال: أحمد لا يكتب فى مثل هذا. فهذا خطه؟ قال: فحدثته بالقصة،
ج ١ ص ٣٤٧فقلت: إن شئت قبلت، وإن شئت وجهت إليه وسألته. قال: واختبرنى، وكتب لى إلى البصرة بأربعة آلاف، قال: وأحسب قال: كتب لى مرة أخرى قال: فاشتريت وبعت. قال عبد الله: وكان ينسى - قال: فاكتسبت نحوا من ثلاثين ألفا.
-
أخبرنى بركة الدلال أخبرنا إبراهيم عن عبد العزيز حدثنا محمد بن على حدثنا مهنا قال: سألت أحمد عن معاوية بن أبى سفيان؟ فقال: له صحبة. فقلت:
ومن أين هو؟ قال: مكى، قطن الشام
حدثنا مهنا قال: سألت أحمد عن يزيد بن معاوية؟ فقال: هو الذى فعل بالمدينة ما فعل. قلت: وما فعل؟ قال: نهبها. قلت: فيذكر عنه الحديث؟ قال: لا تذكر عنه الحديث، ولا ينبغى لأحد أن يكتب عنه حديثا. قلت:
ومن كان معه بالمدينة حين فعل ما فعل؟ قال: أهل الشام. قلت: وأهل مصر؟ قال: لا. إنما كان أهل مصر فى أمر عثمان
أنبأنا محمد عن الدارقطنى حدثنا أحمد بن محمد بن أبى شيبة حدثنا مهنا بن يحيى حدثنا زيد بن أبى الزرقاء عن سفيان عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله افترض عليكم الجمعة فى مقامى هذا، فى يومكم هذا، فى شهركم هذا، إلى يوم القيامة، ألا فمن تركها استخفافا بها أو تهاونا بها، فلا جمع الله له شمله. ولا بارك له. ألا، ولا صلاة له، ألا، ولا يؤمّن فاجر برّا» قال الدارقطنى: هذا حديث غريب من حديث سفيان الثورى عن على بن زيد بن جدعان. تفرد به زيد بن أبى الزرقاء وتفرد به مهنا بن يحيى. سئل الدارقطنى عن مهنا بن يحيى؟ فقال: ثقة نبيل
قال مهنا: سألت أحمد عن رجل مات وترك كتبا كثيرة من كتب الرازى، وترك عليه دينا. فقلت له. فأى شئ يصنع بالكتب؟ قال: تدفن
ج ١ ص ٣٤٨وسألت أحمد عن الرجل يحفظ الشئ ويكون فى الكتاب شئ: أيهما أحب إليك؟ قال: الكتاب
وسألت أحمد عن الرجل يجد فى كتابه الشئ، فيقول له الناس خلاف ما فى كتابه؟ قال: يقول: فى كتابى كذا وكذا، ويقول الناس: كذا
وسألت أحمد عن هشيم؟ فقال: ثقة، إذ لم يدلس، فقلت له: والتدليس عيب هو؟ قال: نعم. قلت لأبى عبد الله: سمعت عبد الرزاق يقول: قال بعض أصحابنا لسفيان الثورى: يا أبا عبد الله، حدثنا كما سمعت. قال: والله ما إليه سبيل. وما هو إلا المعافى. فقال أحمد: هو ذاك
وسألت أحمد عن الاقعاء فى الصلاة، قلت: ما تقول أنت فيه؟ قال: أليس يروى عن العبادلة: أنهم كانوا يفعلون ذلك؟ قلت: ومن العبادلة؟ قال: عبد الله ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص قلت لأحمد: وابن مسعود؟ قال: ليس عبد الله بن مسعود من العبادلة.
-
أخبرنا المبارك - قراءة - أخبرنا إبراهيم أخبرنا أبو عمر أخبرنا طيب أخبرنا أحمد القطان الهيتى حدثنا سهل التسترى قال: قرأ علينا مهنا بن يحيى الشامى:
هذا كتاب فى الصلاة، وعظم خطرها، وما يلزم الناس من تمامها وأحكامها يحتاج إليه أهل الإسلام، لما قد شملهم من الاستخفاف بها، والتضييع لها ومسابقة الإمام، فيها كتبه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل إلى قوم صلّى معهم بعض الصلوات.
-
أى قوم، إنّي صليت معكم. فرأيت من أهل مسجدكم من سبق الإمام فى الركوع والسجود، والرفع والخفض. وليس لمن سبق الإمام صلاة. بذلك جاءت الأحاديث عن النبى ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم. جاء الحديث عن النبى ﷺ أنه قال «أما يخاف الذى يرفع رأسه قبل
ج ١ ص ٣٤٩الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار (١) » وفى رواية «صورة كلب (٢) » وذلك لإساءته صلاته. لأنه لا صلاة له. ولو كانت له صلاة لرجي له الثواب، ولم يخف عليه العقاب: أن يحول الله رأسه رأس حمار. وجاء عنه ﷺ أنه قال «الإمام يركع قبلكم، ويسجد قبلكم، ويرفع قبلكم (٣) » وجاء عن البراء بن عازب قال «كنا خلف النبى ﷺ . فكان إذا انحط من قيامه للسجود: لا يحنى أحد منا ظهره حتى يضع رسول الله ﷺ جبهته على الأرض. وكان أصحاب رسول الله ﷺ يلبثون خلفه قياما حتى ينحط النبى ﷺ ويكبر، ويضع جبهته على الأرض، وهم قيام، ثم يتبعونه (٤) » وجاء الحديث عن أصحاب النبى ﷺ أنهم قالوا «لقد كان رسول الله ﷺ يستوى قائما. وإنا لسجود بعد» وجاء الحديث عن ابن مسعود «أنه نظر إلى من سبق الإمام. فقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت» والذى لم يصل وحده، ولم يقتد بإمامه: فذلك لا صلاة له. وجاء الحديث عن ابن عمر «أنه نظر إلى من سبق الإمام. فقال له: لا صليت وحدك، ولا صليت مع الإمام. ثم ضربه، وأمره أن يعيد الصلاة (٥) » ولو كانت صلاة عند عبد الله بن عمر ما أوجب عليه الإعادة. وجاء عن حطّان بن عبد الله الرقاشى أنه قال «صلّى بنا أبو موسى الأشعرى صلاة. فلما كان عند القعدة، قال رجل من القوم: أقرّت بالبر والزكاة؟ فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم، انصرف. فقال: أيكم القائل هذا الكلمات؟ فأرمّ القوم (٦) . ثم سألهم فأرموا.
ج ١ ص ٣٥٠فقال: لعلك يا حطان قلتها؟ قال: قلت: والله ما قلتها. ولقد خفت أن تبكعنى (١) بها. فقال رجل من القوم: أنا قلتها، ولم أرد بها إلا الخير. فقال أبو موسى الأشعرى: أما تعلمون كيف تقولون فى صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا وما تقول فيها. قال رسول الله ﷺ : إذا صليتم فأقيموا صفوفكم. ثم ليؤمكم أحدكم. فإذا كبر الإمام فكبروا. وإذا قرأ فأنصتوا.
- (١)متفق عليه من حديث أبى هريرة
- (٢)رواه الطبرانى موقوفا على ابن مسعود ورواه ابن حبان من حديث أبى هريرة
- (٣)رواه مسلم من حديث أبى موسى الأشعرى
- (٤)متفق عليه. ورواه البزار من حديث النعمان بن بشير
- (٥)رواه مسلم وأبو داود والنسائى
- (٦)أرم القوم: أى سكتوا
- (١)قال النووى فى شرح مسلم (١١٩:٤) هو بفتح التاء المثناة فى أوله وإسكان الباء الموحدة: أى تبكتنى وتوبخنى
-
وإذا قال (﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾) فقولوا: آمين يجبكم الله. وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا. فإن الإمام يركع قبلكم. ويرفع قبلكم. فقال رسول الله ﷺ : فتلك بتلك. وإذا رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، فارفعوا رءوسكم وقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم. وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا. وإذا رفع رأسه فكبر، فارفعوا رءوسكم وكبروا - قال رسول الله ﷺ : فتلك بتلك - وإذا كان فى القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله والصلوات والطيبات حتى تفرغوا من التشهد».
-
قول النبى ﷺ «إذا كبر فكبروا» معناه: أن تنتظروا الإمام حتى يكبر، ويفرغ من تكبيره، وينقطع صوته، ثم تكبرون بعده.
-
والناس يغلطون فى هذه الأحاديث ويجهلونها، مع ما عليه عامتهم من الاستخفاف بالصلاة، والاستهانة بها. فساعة يأخذ الإمام فى التكبير يأخذون معه فى التكبير وهذا خطأ. لا ينبغى لهم أن يأخذوا فى التكبير حتى يكبر الإمام. ويفرغ من تكبيره، وينقطع صوته. وهكذا قال النبى ﷺ «إذا كبر الإمام فكبروا» والإمام لا يكون مكبرا حتى يقول «الله أكبر» لأن الإمام لو قال «الله» ثم سكت: لم يكن مكبرا، حتى يقول «الله أكبر» فيكبر الناس بعد قوله «الله أكبر» وأخذهم فى التكبير مع الإمام خطاء: وترك لقول النبى
ج ١ ص ٣٥١ﷺ . لأنك لو قلت: إذا صلّى فلان فكلمه، معناه: أن تنتظره حتى إذا صلّى وفرغ من صلاته كلمه. وليس معناه: أن تكلمه وهو يصلى. فكذلك معنى قول النبى ﷺ «إذا كبر الإمام فكبروا» وربما طول الإمام فى التكبير، إذا لم يكن له فقه. والذى يكبر معه: ربما جزم التكبير، ففرغ من التكبير قبل أن يفرغ الإمام. فقد صار هذا مكبرا قبل الإمام. ومن كبر قبل الإمام: فليست له صلاة. لأنه دخل فى الصلاة قبل الإمام، وكبر قبل الإمام فلا صلاة له
وقول النبي ﷺ «إذا كبر وركع، فكبروا واركعوا» معناه:
أن ينتظروا الإمام حتى يكبر ويركع، وينقطع صوته وهم قيام، ثم يتبعونه
وقول النبى ﷺ «فإذا رفع رأسه وقال سمع الله لمن حمده فارفعوا رءوسكم، وقولوا: اللهم ربنا لك الحمد» معناه: أن ينتظروا الإمام ويثبتوا ركعا، حتى يرفع الإمام رأسه، ويقول «سمع الله لمن حمده» وينقطع صوته، وهم ركع، ثم يتبعونه، فيرفعون رءوسهم ويقولون «اللهم ربنا لك الحمد» .
-
وقوله «إذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا» معناه: أن يكونوا قياما حتى يكبر وينحط للسجود ويضع جبهته على الأرض، وهم قيام. ثم يتبعونه. وكذلك جاء عن البراء بن عازب. وهذا كله موافق لقول النبى ﷺ «الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم»
-
وقول النبى ﷺ «وإذا رفع رأسه وكبر، فارفعوا رءوسكم وكبروا» معناه: أن يثبتوا سجودا حتى يرفع رأسه فيكبر وينقطع الإمام صوته وهم سجود اتبعوه، فرفعوا رءوسهم.
-
وقول النبى ﷺ «فتلك بتلك» يعنى انتظاركم إياه قياما حتى يكبر ويرفع وأنتم قيام، ثم تتبعونه. وانتظاركم إياه ركوعا حتى يرفع رأسه، ويقول «سمع الله لمن حمده» وأنتم ركوع. فإذا قال «سمع الله لمن حمده»
- ج ١ ص ٣٥٢
وانقطع صوته، وأنتم ركوع: اتبعتموه، فرفعتم رءوسكم، وقلتم «اللهم ربنا لك الحمد» وقوله «فتلك بتلك» فى كل رفع وخفض وهذا تمام الصلاة. فأعقلوه وأبصروه، وأحكموه.
-
واعلموا أن أكثر الناس اليوم ما يكون لهم صلاة لسبقهم الإمام بالركوع والسجود، والرفع والخفض. وقد جاء الحديث قال «يأتى على الناس زمان يصلون ولا يصلون» وقد تخوفت أن يكون هذا الزمان. لو صليت فى مائة مسجد ما رأيت أهل مسجد واحد يقيمون الصلاة على ما جاء عن النبى ﷺ ، وعن أصحابه رحمة الله عليهم. فاتقوا الله، وانظروا فى صلاتكم وصلاة من يصلى معكم.
-
واعلموا أن لو أن رجلا أحسن الصلاة، فأتمها وأحكمها، ثم نظر إلى من أساء فى صلاته وضيعها، وسبق الإمام فيها فسكت عنه، ولم يعلمه فى إساءته فى صلاته ومسابقته الإمام فيها، ولم ينهه عن ذلك، ولم ينصحه: شاركه فى وزرها وعارها.
-
فالمحسن فى صلاته: شريك المسئ فى إساءته، إذا لم ينهه ولم ينصحه. وجاء الحديث عن بلال بن سعد أنه قال «الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها. وإذا ظهرت فلم تغيّر ضرت العامة (١) » لتركهم ما لزمهم، وما وجب عليهم من التغيير والإنكار على من ظهرت منه الخطيئة. وجاء عن النبى ﷺ أنه قال «ويل للعالم من الجاهل، حيث لا يعلمه (٢) » فلولا أن تعليم الجاهل واجب على العالم لازم، وفريضة، وليس بتطوع: ما كان له الويل فى السكوت عنه. وفى ترك تعليمه. والله تعالى لا يؤاخذ من ترك التطوع إنما يؤاخذ من ترك الفرائض.
- (١)أخرجه ابن حزم فى تراجم الصحابة الذين أخرج لهم بقى بن مخلد
- (٢)أخرجه أبو يعلى من حديث أنس
-
فتعليم الجاهل فريضة. فلذلك كان له الويل فى السكوت عنه وترك تعليمه
فاتقوا الله تعالى فى أموركم عامة، وفى صلاتكم خاصة. واتقوا الله فى تعليم
ج ١ ص ٣٥٣الجاهل. فإن تعليمه فريضة واجب لازم. والتارك لذلك: مخطئ آثم
وأمروا أهل مسجدكم بإحكام الصلاة وإتمامها، وأن لا يكون تكبيرهم إلا بعد تكبير الإمام، ولا يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم وخفضهم إلا بعد تكبير الإمام، وبعد ركوعه وسجوده ورفعه وخفضه.
-
واعلموا أن ذلك من تمام الصلاة. وذلك الواجب على الناس واللازم لهم.
-
كذلك جاء عن النبى ﷺ وعن أصحابه رحمة الله عليهم
ومن العجب: أن يكون الرجل فى منزله، فيسمع الأذان، فيقوم فزعا يتهيأ، ويخرج من منزله يريد الصلاة، ولا يريد غيرها ثم لعله يخرج فى الليلة المطيرة المظلمة، ويتخبط فى الطين، ويخوض الماء وتبتل ثيابه، وإن كان فى ليالى الصيف:
فليس يأمن العقارب والهوام فى ظلمة الليل، ولعله مع هذا: أن يكون مريضا ضعيفا. فلا يدع الخروج إلى المسجد. فيتحمل هذا كله إيثارا للصلاة، وحبّا لها، وقصدا إليها. لم يخرجه من منزله غيرها. فإذا دخل مع الإمام فى الصلاة خدعه الشيطان، فيسابق الإمام فى الركوع والسجود والرفع والخفض، خدعا من الشيطان له، لما يريد من إبطال صلاته، وإحباط عمله. فيخرج من المسجد ولا صلاة له
ومن العجب: أنهم كلهم يستيقنون أنه ليس أحد ممن خلف الإمام ينصرف من صلاته حتى ينصرف الإمام. وكلهم ينتظرون الإمام حتى يسلم. وهم كلهم - إلا ما شاء الله - يسابقونه فى الركوع والسجود والرفع والخفض، خدعا من الشيطان لهم، واستخفافا بالصلاة منهم، واستهانة بها، وذلك حظهم من الإسلام.
-
وقد جاء الحديث قال «لاحظ فى الإسلام لمن ترك الصلاة (١) » فكل مستخف
ج ١ ص ٣٥٤بالصلاة مستهين بها: هو مستخفّ بالإسلام مستهين به. وإنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة. ورغبتهم فى الإسلام على قدر رغبتهم فى الصلاة.
- (١)ذكر الهيثمى فى مجمع الزوائد: «أن المسور بن مخرمة دخل على عمر، وهو مسحى - بعد أن طعن - فقال: أيقظوه بالصلاة - إلى أن قال - فقال عمر: ها الله إذن، ولاحظ فى الإسلام لمن ترك الصلاة» رواه الطبرانى فى الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وكذلك رواه مالك فى الموطأ فى باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف
-
فاعرف نفسك يا عبد الله، واعلم أن حظك من الإسلام وقدر الإسلام عندك بقدر حظك من الصلاة وقدرها عندك. واحذر أن تلقى الله عز وجل ولا قدر للاسلام عندك. فإن قدر الإسلام فى قلبك كقدر الصلاة فى قلبك. وقد جاء الحديث عن النبى ﷺ أنه قال «الصلاة عمود الإسلام (١) » ألست تعلم أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاس، ولم ينتفع بالطّنب ولا بالأوتاد؟ وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنب والأوتاد. فكذلك الصلاة من الإسلام.
- (١)أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان من حديث عمر، بلفظ «الصلاة عماد الدين» والديلمى فى مسند الفردوس عن على، وأبو نعيم فى كتاب الصلاة، بلفظ «عمود الدين» وفى مسند أحمد من حديث معاذ، بلفظ «رأس الأمر وعموده الصلاة»
-
فانظروا رحمكم الله واعقلوا، وأحكموا الصلاة، واتقوا الله فيها، وتعاونوا عليها، وتناصحوا فيها بالتعليم من بعضكم لبعض، والتذكير من بعضكم لبعض من الغفلة والنسيان. فإن الله عز وجل قد أمركم أن تعاونوا على البر والتقوى.
-
والصلاة: أفضل البر. وجاء الحديث عن النبى ﷺ أنه قال «أول ما تفقدون من دينكم: الأمانة. وآخر ما تفقدون منه: الصلاة. وليصلين أقوام لا خلاق لهم (٢) » وجاء الحديث «أن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله:
صلاته. فإن تقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله. وإن ردت صلاته رد سائر عمله (٣) » فصلاتنا آخر ديننا. وهى أول ما نسأل عنه غدا من أعمالنا. فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين. فإذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام.
- (٢)رواه البيهقى فى الشعب من حديث عمر ببعض اختلاف
- (٣)رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث تميم الدارى، وأبو يعلى فى مسنده والضياء فى المختارة والطبرانى من حديث أنس
-
فكل شئ يذهب آخره: فقد ذهب جميعه. فتمسكوا رحمكم الله بآخر دينكم.
- ج ١ ص ٣٥٥
وليعلم المتهاون بصلاته، المستخف بها، المسابق الإمام فيها: أنه لا صلاة له، وأنه إذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه. فعظموا الصلاة رحمكم الله. وتمسكوا بها.
-
واتقوا الله فيها خاصة. وفى أموركم عامة.
-
واعلموا أن الله عز وجل قد عظم خطر الصلاة فى القرآن وعظم أمرها وشرّفها وشرف أهلها. وخصها بالذكر من بين الطاعات كلها فى مواضع من القرآن كثيرة. وأوصى بها خاصة
فمن ذلك: أن الله تعالى ذكر أعمال البر (١) التى أوجب لأهلها الخلود فى الفردوس. فافتتح تلك الأعمال بالصلاة. وختمها بالصلاة. وجعل تلك الأعمال التى جعل لأهلها الخلود فى الفردوس بين ذكر الصلاة مرتين. قال الله تعالى: (١:٢٣ - ١١ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾) فبدأ من صفتهم بالصلاة عند مديحه إياهم. ثم وصفهم بالأعمال الطاهرة الزاكية المرضية، إلى قول الله عز وجل (﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾) فأوجب الله عز وجل لأهل هذه الأعمال الشريفة الزاكية المرضية الخلود فى الفردوس. وجعل هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين، ثم عاب الله عز وجل الناس كلهم وذمهم، ونسبهم إلى اللؤم والهلع والجزع، والمنع للخير، إلا أهل الصلاة. فإنه استثناهم منهم، فقال الله عز وجل (١٩:٧٠ - ٣٥ ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾) ثم استثنى المصلين منهم، فقال: (﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ. وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾) ثم وصفهم بالأعمال الزاكية الطاهرة المرضية الشريفة: إلى قوله: (﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ثم ختم بثنائه عليهم ومدحهم، بأن ذكرهم بمحافظتهم على الصلاة. فقال: (﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ. أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾)
- (١)فى نسخة: فمن ذلك أن ذكر الله تعالى فى أمر الطاعات التى أوجب لأهلها
- ج ١ ص ٣٥٦
فأوجب لأهل هذه الأعمال الكرامة فى الجنة. وافتتح ذكر هذه الأعمال بالصلاة وختمه بالصلاة. فجعل ذكر هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين. ثم ندب الله عز وجل رسوله ﷺ إلى الطاعة كلها جملة وأفرد الصلاة بالذكر من بين الطاعة كلها. والصلاة هى من الطاعة. فقال عز وجل (٤٥:٢٩ ﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ. وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾) ففى تلاوة الكتاب: فعل جميع الطاعات، واجتناب جميع المعصية. فخص الصلاة بالذكر. فقال: (﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ. إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾) وإلى الصلاة خاصة ندبه الله عز وجل ، فقال (١٣٢:٢٠ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، وَاصْطَبِرْ عَلَيْها، لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً. نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾) فأمره أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها. ثم أمر الله تعالى جميع المؤمنين بالاستعانة على طاعته كلها بالصبر، ثم خص الصلاة بالذكر من بين الطاعة كلها فقرنها مع الصبر بقوله (١٥٣:٢ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾) فكذلك أمر الله تعالى بنى إسرائيل بالاستعانة بالصبر والصلاة على جميع الطاعة. ثم أفرد الصلاة من بين الطاعة. فقال (٤٥:٢ ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾) ومثل ذلك: ما أخبر الله عز وجل به من حكمه ووصيته خليله إبراهيم ولوطا وإسحاق ويعقوب، فقال (٦٩:٢١ - ٧٣ ﴿يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ - إلى قوله -: ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً﴾ - إلى قوله -: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ - إلى قوله -: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ﴾) فذكر الخيرات كلها جملة، وهى جميع الطاعات واجتناب جميع المعصية. وأفرد الصلاة بالذكر، وأوصاهم بها خاصة. ومثل ذلك: ما ذكر عن إسماعيل فى قوله (٥٥:١٩ ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ. وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾) فبدأ بالصلاة. ومثل ذلك عن نجيّه موسى عليه السلام فى قوله (٢٠: ٩ - ١٤ ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ، لا إِلهَ إِلاّ أَنَا، فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾) فأجمل الطاعة واجتناب المعصية فى قوله لموسى ﴿فَاعْبُدْنِي﴾
- ج ١ ص ٣٥٧
وأفرد الصلاة وأمر بها خاصة. وقال عز وجل (١٧٠:٧ ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾) والتمسك بالكتاب: يأنى على جميع الطاعة، واجتناب جميع المعصية، ثم خص الصلاة بالذكر. فقال: (﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾) وإلى تضييع الصلاة نسب الله عز وجل من أوجب له العذاب قبل المعاصى. فقال: (٥٩:١٩ ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ. فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾) فمن اتباع الشهوات: ركوب جميع المعاصى. فنسبهم الله عز وجل إلى جميع المعصية فى تضييع الصلاة.
-
فهذا ما أخبر الله تعالى به من آى القرآن، من تعظيم الصلاة، وتقديمها بين يدى الأعمال كلها، وإفرادها بالذكر من بين جميع الطاعات، والوصية بها دون أعمال البر عامة. فالصلاة: خطرها عظيم، وأمرها جسيم
وبالصلاة: أمر الله تبارك وتعالى رسوله، أول ما أوحى إليه بالنبوة، قبل كل عمل، وقبل كل فريضة. وبالصلاة: أوصى النبى ﷺ عند خروجه من الدنيا فقال «الله الله فى الصلاة وفيما ملكت أيمانكم (١) » فى آخر وصيته إياهم وجاء الحديث «أنها آخر وصية كل نبى لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا» وجاء فى حديث آخر عن النبى ﷺ «أنه كان يجود بنفسه ويقول: الصلاة، الصلاة، الصلاة (٢) »
- (١)أخرجه أحمد فى المسند والنسائى وابن ماجه وابن حبان من حديث أنس وأحمد وابن ماجه من حديث أم سلمة
- (٢)أخرجه ابن جرير من حديث أم سلمة
-
فالصلاة: أول فريضة فرضت عليهم، وهى آخر ما أوصى به أمته. وآخر ما يذهب من الإسلام. وهى أول ما يسأل عنه العبد من عمله يوم القيامة. وهى عمود الإسلام. وليس بعد ذهابها دين، ولا إسلام. فالله الله فى أموركم عامة، وفى صلاتكم خاصة. فتمسكوا بها، واحذروا تضييعها والاستخفاف بها، ومسابقة
ج ١ ص ٣٥٨الإمام فيها، وخداع الشيطان أحدكم عنها، وإخراجه إياكم منها. فإنها آخر دينكم.
-
ومن ذهب آخر دينه: فقد ذهب دينه كله. فتمسكوا بآخر دينكم.
-
وأمر يا عبد الله الإمام: أن يهتم بصلاته، ويعنى بها ويتمكن، ليتمكنوا، إذا ركع وسجد. فإنى صليت يومئذ. فما استمكنت من ثلاث تسبيحات فى الركوع ولا ثلاث فى السجود. وذلك لعجلته، لم يمكن ولم يستمكن. وعجل. فأعلمه أن الإمام إذا أحسن الصلاة كان له أجر صلاته، ومثل أجر من يصلى خلفه. وإذا أساء كان عليه وزر إساءته، ووزر من يصلى خلفه. وجاء الحديث عن الحسن البصرى أنه قال: «التسبيح التام: سبع، والوسط من ذلك خمس. وأدناه:
ثلاث تسبيحات». وأدنى ما يسبح الإمام فى الركوع «سبحان ربى العظيم» ثلاث مرات، وفى السجود «سبحان ربى الأعلى» ثلاث مرات، وإذا سبح فى الركوع والسجود ثلاثا ثلاثا. فينبغى له أن لا يعجل بالتسبيح، ولا يسرع فيه، ولا يبادر، وليكن بتمام من كلامه ولسانه ويمكّن. فإنه إذا عجل بالتسبيح وبادر به لم يدرك من خلفه التسبيح. وصاروا مبادرين إذا بادر، وسابقوه، ففسدت صلاتهم. فكان عليه مثل وزرهم جميعا. وإذا لم يبادر الإمام وتمكن، وأتم صلاته وتسبيحه: أدرك من خلفه ولم يبادروا. فيكون الإمام قد قضى ما عليه.
-
وليس عليه إثم، ولا وزر.
-
وأمره إذا رفع رأسه من الركوع فقال: «سمع الله لمن حمده» أن يثبت قائما معتدلا حتى يقول «ربنا ولك الحمد» وهو قائم معتدل، من غير عجلة فى كلامه ولا مبادرة. وإن زاد على ذلك فقال: «ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض» كان أحب إلى. لأنه جاء عن النبى ﷺ «أنه رفع رأسه فقال: ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شئ بعد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت. ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد (١) »
- (١)أخرجه مسلم والنسائى من حديث أنس. و «الجد» بفتح الجيم: الحظ والجاه والغنى
- ج ١ ص ٣٥٩
وهذا لا يكاد يطمع فيه اليوم من الناس. وجاء عن أنس قال «كان رسول الله ﷺ إذا فع رأسه من الركوع: يقوم، حتى يقال: قد نسى (١) » وما فى هذا مطمع من الناس اليوم. ولكن ينبغى للإمام أن لا يبادر إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يعجل بقوله «ربنا ولك الحمد» وليكن ذلك بتمام من كلامه، وتمكن وتأنّ من غير عجلة ولا مبادرة، حتى يدرك الناس معه. وإذا سجد ورفع رأسه من السجود فليعتدل جالسا، وليثبت بين السجدتين شيئا، بقدر ما يقول:
«رب اغفر لى» من غير عجلة، حتى يدركه الناس قبل أن يسجد الثانية. ولا يبادر، فساعة يرفع رأسه من السجدة الأولى: يعود ساجدا، فيبادر الناس لمبادرته، ويقعون فى المسابقة. فتذهب صلاتهم. ويلزم الإمام وزر ذلك وإثمه. فإن الناس إذا علموا أنه يثبت ثبتوا، ولم يبادروا. وقد جاء الحديث «أن كل مصل راع ومسئول عن رعيته (٢) » وقد قيل: إن الإمام راع لمن يصلى بهم. فما أولى بالإمام النصيحة لمن يصلى خلفه، وأن ينهاهم عن المسابقة فى الركوع والسجود، وأن لا يركعوا ويسجدوا مع الإمام، بل يأمرهم بأن يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم وخفضهم بعده، وأن يحسن أدبهم وتعليمهم، إذ كان راعيا لهم. وكان غدا مسئولا عنهم. وما أولى بالإمام أن يحسن صلاته، ويتمها ويحكمها. وتشتد عنايته بها، إذ كان له مثل أجر من يصلى خلفه إذا أحسن. وعليه مثل وزرهم إذا أساء.
- (١)متفق عليه
- (٢)أخرج معناه الطبرانى فى الأوسط والخطيب من حديث ابن عمر
-
ومن الحق الواجب على المسلمين: أن يقدموا خيارهم، وأهل الدين والفضل منهم، وأهل العلم بالله تعالى، الذين يخافون الله عز وجل ويراقبونه. وقد جاء الحديث «إذا أمّ بالقوم رجل، وخلفه من هو أفضل منه: لم يزالوا فى سفال (٣) »
- (٣)أخرجه العقيلى فى الضعفاء من حديث ابن عمر. ورواه الطبرانى فى الأوسط. وفيه الهيثم بن عقاب. الأزدى: لا يعرف. وقال الهيثمى: ذكره ابن حبان فى الثقات
- ج ١ ص ٣٦٠
وجاء الحديث «اجعلوا أمر دينكم إلى فقهائكم، وأئمتكم قراؤكم (١) » وإنما معناه: الفقهاء والقراء أهل الدين والفضل والعلم بالله، والخوف من الله عز وجل ، الذين يعنون بصلاتهم وصلاة من خلفهم. ويتقون ما يلزمهم من وزر أنفسهم ووزر من خلفهم، إن أساءوا فى صلاتهم. ومعنى القراء: ليس على الحفظ للقرآن.
- (١)رواه الدارقطنى من حديث ابن عباس. وقال شيخ الإسلام في الفتاوى: فى إسناده مقال. اهـ وفى إسناده سلام بن سليمان. قال العقيلى: فى حديثه مناكير
-
فقد يحفظ القرآن من لا يعمل به. ولا يعبأ بدينه، ولا بإقامة حدود القرآن، وما فرض الله عز وجل عليه فيه. وقد جاء الحديث «إن أحق الناس بهذا القرآن:
من كان يعمل به، وإن كان لا يقرأ (٢) » فالإمامة بالناس، المقدم بين أيديهم فى الصلاة بهم على الفضل: فليس للناس أن يقدموا بين أيديهم إلا أعلمهم بالله، وأخوفهم له. ذلك واجب عليهم، ولازم لهم. فتزكو صلاتهم. وإن تركوا ذلك لم يزالوا فى سفال وإدبار، وانتقاص من دينهم، وبعد من الله ومن رضوانه ومن جنته.
- (٢)لم أجده
-
فرحم الله قوما عنوا بصلاتهم، وعنوا بدينهم. فقدموا خيارهم، واتبعوا فى ذلك سنة نبيهم ﷺ ، وطلبوا بذلك القربة إلى ربهم عز وجل
وأمر يا عبد الله الإمام أن لا يكبر - أول ما يقوم مقامه للصلاة - حتى يلتفت يمينا وشمالا. فإن رأى الصف معوجا والمناكب مختلفة: أمرهم أن يسووا صفوفهم وأن يحاذوا مناكبهم. فان رأى بين كل رجلين فرجة: أمرهم أن يدنو بعضهم من بعض، حتى تتماسّ مناكبهم
واعلم أن اعوجاج الصفوف واختلاف المناكب: ينقص من الصلاة. وأن الفرجة التى تكون بين كل رجلين: تنقص من الصلاة. فاحذروا ذلك. وقد جاء عن النبى ﷺ أنه قال «رصوا الصفوف. وحاذوا المناكب، وسدّوا
ج ١ ص ٣٦١الخلل، لا يقوم بينكم مثل الحذف - يعنى أولاد الغنم الصغار - من الشياطين (١) » وقد جاء الحديث عن النبى ﷺ «أنه كان إذا قام مقامه للصلاة: لم يكبر حتى يلتفت يمينا وشمالا. فيأمرهم بتسوية مناكبهم، ويقول: لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم (٢) » وقد جاء عنه ﷺ «أنه التفت يوما. فرأى رجلا قد خرج صدره من الصف. فقال: لتسوّنّ مناكبكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم (٣) » فتسوية الصفوف، ودنو الرجال بعضهم من بعض: من تمام الصلاة. وترك ذلك: نقص فى الصلاة. وجاء الحديث عن عمر «أنه كان يقوم مقام الإمام، ثم لا يكبر حتى يأتيه رجل قد وكله بإقامة الصفوف، فيخبره: أنهم قد استووا، فيكبر (٤) » وجاء عن عمر بن عبد العزيز مثل ذلك. وروى «أن بلالا كان يسوى الصفوف، ويضرب عراقيبهم بالدّرة، حتى يستووا»
قال بعض العلماء: وقد يشبه أن يكون هذا من بلال على عهد النبى ﷺ عند إقامته، قبل أن يدخل فى الصلاة. لأن الحديث عن بلال جاء:
«أنه لم يؤذن لأحد بعد النبى ﷺ إلا يوما واحدا» إذ أتى مرجعه من الشام (٥) . ولم يكن للناس عهد بأذانه حينا، فطلب إليه أبو بكر وأصحاب
ج ١ ص ٣٦٢رسول الله ﷺ . فأذن. فلما سمع أهل المدينة صوت بلال ذكروا النبى ﷺ ، بعد طول عهدهم بأذان بلال وصوته: جدد ذلك فى قلوبهم أمر النبى ﷺ ، وشوقهم أذانه إليه، حتى قال بعضهم:
بعث النبى ﷺ ، شوقا منهم إلى رؤيته، ولما هيجهم بلال عليه بأذانه وصوته. فرقوا عند ذلك وبكوا، واشتد بكاؤهم عليه ﷺ ، حتى خرج العواتق من بيوتهن شوقا إلى النبى ﷺ ، حين سمعن صوت بلال وأذانه، وذكر النبى ﷺ . ولما قال بلال «أشهد أن محمدا رسول الله» امتنع بلال من الأذان فلم يقدر عليه. وقال بعضهم: سقط مغشيا عليه، حبا للنبى ﷺ وشوقا إليه. فرحم الله بلالا والمهاجرين والأنصار، وجعلنا وإياكم من التابعين لهم بإحسان.
- (١)رواه أحمد فى المسند عن أبى أمامة فى حديث طويل. قال المنذرى فى الترغيب: باسناد لا بأس به. ورواه البخارى بنحوه فى تسوية الصفوف من حديث أنس. ورواه أبو داود بنحو ماهنا. وكذلك النسائى وابن خزيمة وابن حبان
- (٢)رواه أبو داود عن أبى القاسم الجدلى قال: سمعت النعمان بن بشير يقول «أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه، فقال: أقيموا الصفوف - الحديث»
- (٣)رواه مسلم والبخارى وأبو داود من حديث النعمان بن بشير
- (٤)انظر تاريخ الطبرى (ج ٥ ص ١٢)
- (٥)كان ذلك فى سنة سبع عشرة من الهجرة. وفى تاريخ الطبرى (ج ٤ ص ٢٠٤) ما يدل على أن ذلك كان بالشام فى ذى الحجة بعد خطبة عمر إذ عزم على القفول إلى المدينة. وذكر ابن الأثير فى أسد الغابة فى ترجمة بلال: أنه أذن لأبى بكر حياته. وصحح ابن سعد (ج ٣ ص ١٦٩) أن بلالا لم يؤذن لأبى بكر