تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته

١٧٦ فقرة، ج ٢ ص ١٩٣

الصفحة ٢ من ٥

  1. ولو تتبعنا هذه المقامات لطالت الحكايات.

    ج ٢ ص ١٩٨
  2. وكان من قضاء الله تعالى: أن توفى قاضى القضاة ابن ماكولا. فتبين للإمام

    ج ٢ ص ١٩٩القائم بأمر الله احتياج الحريم إلى قاض عالم زاهد. فراسل رئيس الرؤساء بالشيخ أبى منصور بن يوسف وبغيره إلى الوالد السعيد، وخوطب ليلى القضاء بدار الخلافة والحريم أجمع. فامتنع من ذلك. فكرر عليه السؤال. فلما لم يجد بدّا من ذلك اشترط عليهم شرائط.

  3. منها: أنه لا يحضر أيام المواكب الشريفة، ولا يخرج فى الاستقبالات، ولا يقصد دار السلطان، وفى كل شهر يقصد نهر المعلى يوما وباب الأزج يوما.

  4. ويستخلف من ينوب عنه فى الحريم.

  5. فأجيب إلى ذلك.

  6. وقد كان ترشح لولاية القضاء بالحريم القاضى أبو الطيب الطبرى، فعدل عنه إلى الوالد السعيد، وقلد القضاء فى الدماء والفروج والأموال. ثم أضيف إلى ولايته بالحريم: قضاء حران وحلوان. واستناب فيهما. فأحيا الله بالوالد السعيد من صناعة القضاء ما أميت من رسومها، ونشر ما طوى من أعلامها. فعاد الحكم بموضعه جديدا، والقضاء بتدبيره رشيدا.

  7. وكان كما قال فيه تلميذه على بن نصر العكبرى، لما ولىّ الوالد القضاء:

    رفع الله راية الإسلام … حين ردت إلى الأجلّ الإمام

    التقى النقى ذى المنطق الصا … ئب فى كل حجة وكلام

    خائف مشفق إذا حضر الخصما … ن يخشى من هول يوم الخصام

    لم يزده القضاء فخرا، ولكن … قد كسا الفخر سائر الأحكام

    بك يا ابن الحسين شدّت عرى الد … ين، وقامت دعائم الإسلام

    رحمة من مدبر الخلق للخل … ق أظلت إذ قمت فى ذا المقام

    تمم الله للخليفة ما أع … طاه من نعمة مدى الأيام

    فلقد قلد القضاء رفيع القد … ر ذا رأفة على الأيتام

    قد حوى من رعاية الدين … ما يعصمه من مواقف الآثام

    ج ٢ ص ٢٠٠وصلّ الله ما حباه من النع … ماء بنعماه فى جنان المقام

    فلم يزل جاريا على سديد القضاء، وإنفاذ الحكم والأوصياء، إلى أن توفى.

  8. وكان الوالد السعيد قد رد القضاء بباب الأزج إلى الجيلى، وجعل صاحبه أبا على يعقوب مشرفا عليه. فلما تبين له من حال الجيلى الاختلال عزله. ثم رد النظر فى عقد الأنكحة والمداينات بباب الأزج إلى تلميذه أبى على يعقوب.

  9. واستناب أبا عبد الله بن البقال فى النظر فى العقار بباب الأزج.

  10. واستناب بدار الخلافة ونهر المعلّى أبا الحسن السيبى.

  11. ولو ذهبت أشرح قضاياه السديدة: لكانت كتابا قائما بنفسه.

  12. ومعلوم ما خص الله سبحانه هذا الوالد السعيد من النعم الدينية، والرتب السامية العلية، وكونه إمام وقته، وفريد دهره، وقريع عصره. لا يعرف فى شرق الأرض وغربها شخص يتقدم فى علم مذهبه عليه، أو يضاف فى ذلك إليه

    هذا مع تقدمه فى هذه البلدة على فقهاء زمانه بقراءته للقرآن بالقراءات العشر وكثرة سماعه للحديث، وعلو إسناده فى المرويات.

  13. ولقد حضر الناس مجلسه، وهو يملى حديث رسول الله ﷺ بعد صلاة الجمعة بجامع المنصور على كرسى عبد الله بن إمامنا أحمد رضي الله عنه ، وكان المبلغون عنه فى حلقته، والمستملون ثلاثة. أحدهم: خالى أبو محمد جابر والثانى: أبو منصور بن الأنبارى. والثالث: أبو على البردانى.

  14. وأخبرنى جماعة من الفقهاء ممن حضر الإملاء: أنهم سجدوا فى حلقة الإملاء على ظهور الناس؛ لكثرة الزحام فى صلاة الجمعة، فى حلقة الإملاء.

  15. وما رأى الناس فى زمانهم مجلسا للحديث اجتمع فيه ذلك الجم الغفير، والعدد الكثير.

  16. وسمعت من يذكر: أنه حزر العدد بالألوف. وذلك مع نباهة من حضر من الأعيان، وأماثل هذا الزمان، من النقباء، وقاضى القضاة والشهود والفقهاء. وكان

    ج ٢ ص ٢٠١يوما مشهودا. والناس إذ ذاك يسمعون، والكتبة يكتبون، وبالنظر إليه يتبركون وبفضله يقرون ويشهدون.

  17. وحضرت أنا أكثر أماليه بجامع المنصور.

  18. وأجاز لى إجازة ولأخى أبى حازم حفظه الله. سأله الإجازة لنا خالنا أبو محمد ابن جابر، فأجاز لنا فى مرضه لفظا.

  19. حدثنا الوالد السعيد - إملاء من لفظه وأصله يوم الجمعة بعد الصلاة، بجامع المنصور، فى التاسع والعشرين من ذى القعدة سنة ست وخمسين وأربعمائة.

    قال: حدثنا أبو الحسين بن أخى ميمى. قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوى قال: حدثنا أبو روح محمد بن زياد بن فروة البلدى قال: حدثنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال «كنا عند رسول الله ﷺ . فنظر إلى القمر ليلة البدر.

    فقال: إنكم سترون ربكم عز وجل عيانا، كما ترون هذا لا تضامون فى رؤيته.

  20. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب - وقرأ (٣٩:٥٠ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) ﴾»

    قال لنا الوالد السعيد: هذا الحديث صحيح. أخرجه البخارى عن يوسف بن موسى عن عاصم بن يوسف اليربوعى عن ابن شهاب، وكأنى سمعته من البخارى

    وقد امتدح بعض أهل العلم الوالد السعيد بأبيات، منها:

    الحنبليون قوم لا شبيه لهم … فى الدين والزهد والتقوى، إذا ذكروا

    أحكامهم بكتاب الله، مذ خلقوا … وبالحديث، وما جاءت به النذر

    إن الإمام أبا يعلى فقيههم … حبر عروف بما يأتى وما يذر

    صل، فاقتدر، فلك المسطور إن فخروا … ما نائم مثل يقظان به سهر

    ومعلوم ما كان عليه شيوخ عصره، وعلماء وقته، من بين موافق ومخالف من توقيرهم له فى حداثة سنه، وسالف دهره، وأنه كان إذ ذاك معدودا من الأماثل

    ج ٢ ص ٢٠٢والأعيان، وشيوخ العلماء وذوى الأسنان، الذين قد شحّ بهم الزمان. وذلك عند معرفتهم بعلمه وديانته، وتقدمه فى النظر والتحقيق، وتخصصه بسلوك أحسن طريق. وإنما يعرف الفضل لأهله من كان فى نفسه فاضلا، ويشهد بالعقل لأهله من كان فى نفسه عاقلا. وقد قيل: نقد الجوهر أشد عوزا من الجوهر.

  21. كان الوالد السعيد متميزا بالزهادة على كافة أهل العلم قلما، ونقل فى طلبه قدماء. كما قال عمر لسلمان عليهما السلام حين دوّن الدواوين، «مع من تريد أن أكتبك؟ قال: مع الذين لا يريدون علوّا فى الأرض ولا فسادا»

  22. كان فى قناعته كما قال أبو حمزة الصوفى: كنت إذا أصابتنى فاقة قلت فى نفسى: إلى من أهدى هذه الفاقة؟ ثم فكرت، فلم أجد أحق بها منى، فطويتها.

  23. والأبيات مشهورة فى المعنى.

    إذا شئت أن تستقرض المال منفقا … على شهوات النفس فى زمن العسر

    فسل نفسك الإقراض من كيس صبرها … عليك وإنظارا إلى زمن اليسر

    فإن فعلت كنت الغنى، وإن أبي … ت فكل نوع عندها واسع العذر

    وقال: كتب أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزى الحافظ من مكة - حياها الله - كتابا. ذكر فيه أبياتا جوابا عن كتابه، فقال:

    كتابك سيدى لما أتانى … سررت به، وجدد لى ابتهاجا

    وذكرك بالجميل لنا جميل … يقلدنا، ولم نمزج مزاجا

    جللت عن التصنع فى وداد … فلم نر فى توددك اعوجاجا

    وقد كثر المداجى والمرائى … فلا تحفل عن راءى وداجا

    حييت معمرا، وجزيت خيرا … وعشت لدين ذى التقوى سراجا

    وناهيك بأبى نصر السجزى، مع علمه ودينه وزهده.

  24. ولعمرى لقد حاز الوالد السعيد من الفضل ما عسى أن يعجز عنه كثير من

    ج ٢ ص ٢٠٣الأقران، وعدد من ذوى الأسنان: من ضبط العلوم بحسن بصيرة وإتقان. وتدقيقا فى الكشف عن غوامض المذهب وخافيه، والبيان عن معانيه. وهو مع ذلك - إلى حين وفاته - مع كبر السن مجتهد دائب على التنصيف والتدريس مواظب.

  25. ثم إصغاؤه - مع هذا العلم الكثير - إلى كلمة تستفاد من صغير أو كبير، ولو قصد قاصد تعداد كتبه ومصنفاته، وتأمل ما قرره من الأدلة على غوامض مذهبه، ومسائل مفرداته لعسى أن تلحقه السآمة فى حسابه، والمشقة فى استيعابه، ولو اقتصر من يقصد العدل والإنصاف على النظر فى كتابه الذى صنفه فى مسائل الخلاف: لدله على منزلته من العلم دليل كاف.

  26. ومعلوم ما خصه الله تعالى به - مع موهبة العلم والديانة - من التعفف والصيانة، والمروءة الظاهرة، والمحاسن الكثيرة الوافرة، مع هجرانه لأبواب السلاطين، وامتناعه على ممر السنين: أن يقبل لأحد منهم صلة وعطية. ولم تزل ديانته ومروءته لما هذا سبيله أبيّة.

  27. وكان يقسم ليله كله أقساما. فقسم للمنام. وقسم للقيام، وقسم لتصنيف الحلال والحرام.

  28. ولقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التى استكان لها كثير من ذوى المروءات، وخرج بها عن مألوفات العادات. فلم يحفظ عليه أنه خرج عن جميل عاداته، ولا طرح المألوف من مروءاته.

  29. ومن شاهد ما كان عليه من السكينة والوقار، وما كسا الله وجهه من الأنوار مع السكون والسمت الصالح، والعقل الغزير الراجح: شهد له بالدين والفضل ضرورة. واستدل بذلك على محاسنه الخفية المستورة.

  30. هذا مع الأناة والحلم، الذى به يزان العلم، وحمله للأذى فى جنب الإيمان، والتصديق بالأحاديث التى هى عن صاحب الشريعة ﷺ مروية.

  31. وكم قصده من أعداء المروءة والدين من قاصد باغ، ومبتدع طاغ، جامع فى إزعاجه

    ج ٢ ص ٢٠٤ومنفر عن منهاجه. فعاد خاسئا ذليلا، وبحسرة الظفر قتيلا (سنة الله فى الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا)

  32. وقد أنشد بعض الشعراء فى مثله:

    تلك المكارم، لا قعبان من لبن … شيبا بماء، فعادا بعد أبوالا

    فأما عدد أصحابه، الذين سمعوا منه الحديث: فالعدد الكثير، والجم الغفير منهم: أحمد بن على بن ثابت، وعبد العزيز العاصمى النخشبى، وعمر بن أبى الحسن الدهستانى الخياط، وهبة الله بن عبد الوارث الشيرازى، وإسحاق بن عبد الوهاب بن منده الحافظ المقرئ، ومكى بن بجير الهمدانى، وعمر الأرموى، وأحمد بن الحسن بن خيرون، وأبناء خاله: أبو طاهر، وأبو غالب، وأبو الحسين ابن الطيورى، وأبو على البردانى، وأبو الغنائم بن النرسى الكوفى، وأبو بكر القطان المقدسى، وأبو منصور الخياط، وأبو منصور القرميسينى، وأبو منصور ابن الأنبارى، ومحمد بن عمارة العكبرى، ومحمد بن أحمد بن أحمد بن مردين، وأبو العباس المخلطى، وأحمد بن العلثى، وأبو بكر، وأبو الحسين ابنا ابن يوسف، وابنا عمهما أبو محمد، وأبو الحسن بن رضوان، وابنا عمه: أبو نصر، وأبو الحسين، وأبو جعفر الأصفهانى، وأبو الكرم المبارك بن فاخر النحوى، وأخوه أبو عبد الله ابن الدباس، وأبو طاهر، وأبو القاسم ابنا البلدى، وأبو نصر ياسر، وأبو العز العكبريان فى آخرين.

  33. فأما الذين تفقهوا وعقلوا، وسمعوا الحديث: فأبو الحسين البغدادى، والشريف أبو جعفر، وأبو الغنائم بن الغبارى، وأبو الغنائم بن زبيبا، وأبو على بن البناء، وأبو الوفا بن القواس، والقاضى أبو على البرديني، والقاضى أبو الفتح بن جلبة، وعلى بن عمرو الضرير الحرانى، وأبو ياسر بن الحصرى (١) ، وأبو عبد الله الأنماطى، والحسين بن البردانى، وأبو الحسن النهرى أبو الفتح، وأبو البركات بن

    ج ٢ ص ٢٠٥شبلى، وأبو محمد شافع، وأبو الوفاء بن عقيل، وطلحة العاقولى، ومحفوظ الكلوذانى وأبو الحسن بن ظفر العكبرى، وأبو الفرج المقدسى، وأبو الحسن بن زفر العكبرى وأبو عبد الله البردانى، وأبو الحسن بن ركاب، وأبو عبد الله الباجسرائى، وأبو يعلى بن الكيال، وجعفر الدريحانى، والأخ أبو القاسم، وغيرهم ممن يشق إحصاء أسمائهم

    فأما عدد مصنفاته: فكثيرة. فنشير إلى ذكر ما يتيسر منها.

    1. (١)فى المختصر «الحضرمى»
  34. فمن ذلك: أحكام القرآن، ونقل القرآن، وإيضاح البيان، ومسائل الإيمان والمعتمد، ومختصر المعتمد، والمقتبس، ومختصر المقتبس، وعيون المسائل، والرد على الأشعرية، والرد على الكرامية، والرد على الباطنية، والرد على المجسمة، والرد على ابن اللبان، وإبطال التأويلات لأخبار الصفات، ومختصر إبطال التأويلات، والانتصار لشيخنا أبى بكر، والكلام فى الاستواء، والكلام فى حروف المعجم والقطع على خلود الكفار فى النار، وأربع مقدمات فى أصول الديانات، وإثبات إمامة الخلفاء الأربعة، وتبرئة معاوية، والرسالة إلى إمام الوقت، وجوابات مسائل وردت من الحرم، وجوابات مسائل وردت من تنيس، وجوابات مسائل وردت من ميّافارقين، وجوابات مسائل وردت من أصفهان، والعدة فى أصول الفقه، ومختصر العدة، والكفاية فى أصول الفقه، ومختصر الكفاية، والأحكام السلطانية، وفضائل أحمد، ومختصر فى الصيام، وإيجاب الصيام ليلة الإغمام، ومقدمة فى الأدب، وكتاب الطب، وكتاب اللباس، والأمر بالمعروف، وشروط أهل الذمة، والتوكل، وذم الغناء، والاختلاف فى الذبيح، وتفضيل الفقر على الغنى، وفضل ليلة الجمعة على ليلة القدر، وتكذيب الخيابرة فيما يدعونه من إسقاط الجزية، وإبطال الحيل، والفرق بين الآل والأهل، والمجرد فى المذهب، وشرح الخرقى، وكتاب الروايتين، وقطعة من الجامع الكبير، فيها الطهارة وبعض الصلاة والنكاح والصداق والخلع والوليمة والطلاق، والجامع

  35. الصغير، وشرح المذهب، والخصال والأقسام. وفيه يقول بعضهم:
  36. قد نظرنا مصنفات الأنام … وسبرنا شريعة الإسلام

    ما رأينا مصنفا جمع العلم … مع الاختصار والإفهام

    مثل ما صنف الإمام أبو يع … لى كتاب الخصال والأقسام

    ومن مصنفاته: الخلاف الكبير

    ومن نظر فى تصانيفه حقيقة النظر: علم أن ما وراءه مراما ولا مقالا، إلا ما يدخل على البشر من التقصير عن الكمال، ويخرج به العالم عن منازل الأنبياء ويتميز به المتأخر عن مراتب أهل التقدم من العلماء

    فلقد حمل الناس عنه علما واسعا من حديث رسول الله ﷺ ، ومن الأصول والفروع

    وهو مستغن باشتهار فضله عن الإطناب فى وصفه؛ لأنا رأينا البلغاء قد وصفوا فقصروا، والعلماء قد مدحوا فأكثروا. وكل يطلب أمده فيعجزون.

  37. إذ كان الله عز وجل قد رزقه حفظ القرآن، والقراءة بالعشر، والعلم بالحلال والحرام، والأحكام والفرائض، وعلم الأصول والفروع. ورزقه من شرف الأخلاق وكرم الأعراق، والمجد المؤثل، والرأى المحصل، والفضل والفهم، والإصابة والعزيمة الصافية، والمعرفة الشافية، والتفرد بكل فضيلة، والسمو إلى كل درجة رفيعة، من محمود الخصال، والزهد والكمال: ما يطول شرحه، حتى لم يكن له شبيه فى وقته، ولا نظير فى فهمه. ولا يجارى فى حكمه. ولم تقع أبصار أهل زمانه على مثله؛ لأن طينته حرة، وعرقه كريم، وغرسه طيب، ومنشؤه محمود

    وكانت أفعاله كأخلاقه، وأخلاقه كأعراقه، وأوله كآخره. لا يمتنع عليه معرفة المبهم الغامض من الأمور، ولا يتلجلج اشتباه المشكل الصعب فى الصدور ولا يعرف الشك ولا العى، ولا الحصر عند مناظرة المخالفين والموافقين، ومجادلة المتكلمين، وسائر الفقهاء المختلفين

    ج ٢ ص ٢٠٧وقد كان يحضر مجلس أبى جعفر اليمانى فى منزله، ويحضره شيوخ الفقهاء والمتكلمين المتباينين فى الأصول والفروع. فتحضر صلاة الظهر والعصر، فيتأخر الكل ويأتون بصلاته

    فلنذكر الآن تبيين منهج السلف، وما أمروا بأدائه إلى الخلف. وهو الذى درج عليه الوالد السعيد - قدس الله روحه وأرواحهم - لبعضهم بمعونة الله، وتجتنب ما ذم أهل البدع بسببه، راجين بذكره جزيل الثواب، متوقين الخروج عن الصواب، بعد تعريفك ما عسى أن تلفاه من ذوى الخلاف والعناد، من الأذى إذا تحققوا معرفتك، لما هم عليه من الفساد. والمحق مأمور بالصبر لينال به جزيل الأجر.

  38. وقدمناه أولا فى نكتتين، من أتقنهما ولزمها أدرك سعادة الدارين. وما نذكره بعدهما إنما نريد به شرحهما

    إحداهما: ترك ما تراه، لما أمرت به، مع تبيين الأمر المتمسك بموجبه والثانية: قلة الاكتراث بكثر المبطلين وتهجينهم ما درج عليه الوالد السعيد والسلف الصالح الرشيد، مع سخاء النفس عما قالوه من قبول عند أمثالهم، ووصول إلى بعض آمالهم

    فإذا ألزمت نفسك الأخذ بهاتين النكتتين: عوّضت عما تركت سكونا إلى ما عرفت، والثقة بنيل ما به وعدت، وهابك مخالفك، وإن كنت وحيدا، وكنت عند الله سبحانه وتعالى ، ثم عند صالحى عبيده حميدا

    فلنذكر الآن البيان عن اعتقاد الوالد السعيد، ومن قبله من السلف الحميد، فى أخبار الصفات

    فاعلم - زادنا الله وإياك علما ينفعنا الله به، وجعلنا ممن آثر الآيات الصريحة، والأحاديث الصحيحة على آراء المتكلمين، وأهواء المتكلفين: -

    أن الذى درج عليه صالحو السلف، وانتهجه بعدهم خيار الخلف: هو التمسك

    ج ٢ ص ٢٠٨بكتاب الله عز وجل ، واتباع نبيه محمد ﷺ ، ثم ما روى عن الصحابة رضوان الله عليهم، ثم عن التابعين والخالفين لهم من علماء المسلمين.

  39. والإيمان والتصديق بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله، مع ترك البحث والتنفير، والتسليم لذلك، من غير تعطيل، ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل. وهى الفرقة الناجية، والجماعة العادلة، والطائفة المنصورة إلى يوم القيامة فهم أصحاب الحديث والأثر - والوالد السعيد تابعهم - هم خلفاء الرسول، وورثة علمه وسفرته بينه وبين أمته. بهم يلحق التالى، وإليهم يرجع العالى. وهم الذين نبزهم أهل البدع والضلال، وقائلو الزور والمحال: أنهم مشبهة جهال، ونسبوهم إلى الحشو والطغام، وأساءوا فيهم الكلام.

  40. فاعتقد الوالد السعيد وسلفه - قدس الله أرواحهم، وجعل ذكرنا لهم بركة تعود علينا - فى جميع ما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ : أن جميع ذلك صفات الله عز وجل تمرّ كما جاءت، من غير زيادة ولا نقصان، وأقروا بالعجز عن إدراك معرفة حقيقة هذا الشأن

    اعتقد الوالد السعيد ومن قبله ممن سبقه من الأئمة: أن إثبات صفات البارى سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد، لها حقيقة فى علمه، لم يطلع البارى سبحانه على كنه معرفتها أحدا من إنس ولا جان

    واعتقدوا: أن الكلام فى الصفات فرع الكلام فى الذات، ويحتذى حذوه ومثاله، وكما جاء

    وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات البارى سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وكيفية، هكذا اعتقد الوالد السعيد ومن قبله ممن سلفه من الأئمة:

    أن إثبات الصفات للبارى سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والرواية

    والأصل الذى اعتمدوه فى هذا الباب: اتباع قوله تعالى (٨:٣ ﴿وَما يَعْلَمُ

    ج ٢ ص ٢٠٩تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ. وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ. كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ)﴾ وقال تعالى (١١٠:٢٠، ١١١ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً. وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ. وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) ﴾