تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته
١٧٦ فقرة، ج ٢ ص ١٩٣
الصفحة ٣ من ٥
- ج ٢ ص ٢٠٩
فاعتقدوا: أن البارى سبحانه وتعالى : فرد الذات، متعدد الصفات. لا شبيه له فى ذاته، ولا فى صفاته، ولا نظير ولا ثانى. وسمعوا قوله عز وجل ﴿الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فآمنوا بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، تسليما للقدرة، وتصديقا للرسل، وإيمانا بالغيب
واعتقدوا: أن صفات البارى سبحانه معلومة من حيث أعلم هو، غيب من حيث انفرد واستأثر، كما أن الباري سبحانه معلوم من حيث هو، مجهول ما هو.
-
واعتقدوا: أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها عن العالمين وفارق بها سائر الموصوفين. فهم بها مؤمنون. وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون. لا يجوز عندهم ردها، كرد الجهمية، ولا حملها على التشبيه، كما حملته المشبهة، الذين أثبتوا الكيفية. ولا تأولوها على اللغات والمجازات، كما تأولتها الأشعرية.
-
فالحنبلية لا يقولون فى أخبار الصفات بتعطيل المعطلين، ولا بتشبيه المشبهين، ولا تأويل المتأولين. مذهبهم: حق بين باطلين، وهدى بين ضلالتين: إثبات الأسماء والصفات، مع نفى التشبيه والأدوات. إذ لا مثل للخالق سبحانه مشبه، ولا نظير له فيجنس منه. فنقول كما سمعنا، ونشهد بما علمنا، من غير تشبيه ولا تجنيس، على أنه (١١:٤٢ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ﴾.
-
وفى رد أخبار الصفات، وتكذيب النقلة: إبطال شرائع الدين، من قبل أن الناقلين إلينا علم الصلاة والزكاة والحج وسائر أحكام الشريعة: هم ناقلوا هذه الأخبار، والعدل مقبول القول فيما قاله. ولو تطرق إليهم - والعياذ بالله - التخرص
ج ٢ ص ٢١٠بشئ منها: لأدى ذلك إلى إبطال جميع ما نقلوه. وقد حفظ الله سبحانه الشرع عن مثل هذا.
-
وقد أجمع علماء أهل الحديث - والأشعرية منهم - على قبول هذه الأحاديث.
-
فمنهم من أقرّها على ما جاءت. وهم أصحاب الحديث. ومنهم من تأولها. وهم الأشعرية. وتأويلهم إياها قبول منهم لها، إذ لو كانت عندهم باطلة لا طرحوها، كما اطرحوا سائر الأخبار الباطلة.
-
وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال «أمتى لا تجتمع على خطأ ولا ضلالة» .
-
وما ذكرناه من الإيمان بأخبار الصفات من غير تعطيل، ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل. هو قول السلف بدءا وعودا. وهو الذى ذكره أمير المؤمنين القادر - رضوان الله عليه - فى الرسالة القادرية قال فيها:
«وما وصف الله سبحانه به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ : فهو صفات الله عز وجل ، على حقيقته، لا على سبيل المجاز»
-
وعلى هذا الاعتقاد: جمع أمير المؤمنين القائم بأمر الله - رضوان الله عليه - من حضره مع الوالد السعيد من علماء الوقت، وزاهدهم: أبو الحسن القزوينى سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. وأخذ خطوطهم باعتقاده.
-
وقد قال الوالد السعيد رضي الله عنه فى أخبار الصفات:
المذهب فى ذلك: قبول هذه الأحاديث على ما جاءت به، من غير عدول عنه إلى تأويل يخالف ظاهرها، مع الاعتقاد بأن الله سبحانه بخلاف كل شئ سواه، وكل ما يقع فى الخواطر من حد أو تشبيه، أو تكييف: فالله سبحانه وتعالى عن ذلك. والله ليس كمثله شئ، ولا يوصف بصفات المخلوقين، الدالة على حدثهم. ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم من التغير من حال إلى حال. ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، وأنه لم يزل، ولا يزال. وأنه الذى لا يتصور
ج ٢ ص ٢١١فى الأوهام. وصفاته لا تشبه صفات المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
-
واما كتابه - قدس الله روحه - فى إبطال التأويلات لأخبار الصفات: فمبنى على هذه المقدمات، وأن إطلاق ما ورد به السمع من الصفات: لا يقتضى تشبيه البارى سبحانه بالمخلوقات.
-
وذكر - رحمة الله عليه - كلاما معناه: أن التشبيه إنما يلزم الحنبلية أن لو وجد منهم أحد أمرين: إما أن يكونوا هم الذين ابتدءوا الصفة لله عز وجل واخترعوها، أو يكونوا قد صرحوا باعتقاد التشبيه فى الأحاديث التى هم ناقلوها.
-
فأما أن يكون صاحب الشريعة ﷺ هو المبتدئ بهذه الأحاديث، وقوله ﷺ حجة يسقط بها ما يعارضها. وهم تبع له.
-
ثم يكون الحنبلية قد صرحوا بأنهم يعتقدون إثبات الصفات، ونفى التشبيه، فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟.
-
وعلى أنه قد ثبت أن الحنبلية إنما يعتمدون فى أصول الدين على كتاب الله عز وجل ، وسنة نبيه ﷺ . ونحن نجد فى كتاب الله وسنة رسوله ذكر الصفات. ولا نجد فيهما ذكر التشبيه. فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟.
-
ومما يدل على أن تسليم الحنبلية لأخبار الصفات، من غير تأويل، ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم فى ذلك التشبيه: إجماع الطوائف - من بين موافق للسنة ومخالف - أن الباري سبحانه ذات، وشئ، وموجود. ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم، ولا جوهر، ولا عرض. وإن كانت الذات فى الشاهد لا تنفك عن هذه السمات. وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف فى الشاهد فى أخبار الصفات.
-
يبين صحة هذا: أن الباري سبحانه موصوف بأنه: حى عالم، قادر مريد،
ج ٢ ص ٢١٢والخلق موصوفون بهذه الصفات. ولم يدل الاتفاق فى هذه التسمية على الاتفاق فى حقائقها ومعانيها، هكذا القول فى أخبار الصفات. ولا يلزم عند تسليمها - من غير تأويل - إثبات ما يقتضيه الحد والشاهد فى معانيها.
-
وبهذا ونظيره استدل الوالد السعيد - رحمة الله عليه - فى كتابه «إبطال التأويلات لأخبار الصفات» .
-
فأما الرد على المجسمة لله: فيرده الوالد السعيد بكتاب. وذكره أيضا فى أثناء كتبه فقال: لا يجوز أن يسمى الله جسما.
قال أحمد: لا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه.
قال الوالد السعيد: فمن اعتقد أن الله سبحانه جسم من الأجسام، وأعطاه حقيقة الجسم، من التأليف والانتقال: فهو كافر. لأنه غير عارف بالله عز وجل .
-
لأن الله سبحانه يستحيل وصفه بهذه الصفات. وإذا لم يعرف الله سبحانه: وجب أن يكون كافرا.
-
وهذا الكتاب عدة أوراق.
-
واعلم أن الله سبحانه اصطفى رسلا من خلقه، فبعثهم بالدعاء إليه، والصبر على ما نالهم من جهلة خلقه، وامتحهم من المحن بصنوف من البلاء، وضروب من المحن واللأواء. وكل ذلك تكريما لهم غير تذليل، وتشريفا غير تخسير ولا تقليل.
-
وكان أرفع رسله عنده منزلة: أشدهم اجتهادا، وأخذا فى إمضاء أمره، مع البلية بأهل دهره. قال الله عز وجل لنبيه ﷺ ﴿٣٥: ٤٦ فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وقال تعالى (١٧:٣٨ ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ) ﴾ وقال عز وجل له ﷺ ولأتباعه. (١٤٢:٣ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا، حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللهِ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ) ﴾ وقال عز وجل (١:٢٩ - ٣ ﴿الم * أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ
ج ٢ ص ٢١٣يَقُولُوا: آمَنّا، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ؟ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ)﴾
-
فلم يخل - جل ثناؤه - أحدا من مكرّمى رسله وأنبيائه، ومقربى أصفيائه وأوليائه، من محنة فى عاجلته دون آجلته، يستوجب بصبره عليها ما أعد له من الدرجات التى قسم مصيره إليها. وجعل سبحانه علماء الأمم الماضين خلفاء أنبيائهم المرسلين، والقوّام بما جاءوا به من الدين، يرحضون عن أحكامه، ويحامون عن حدوده وأعلامه، يدفعون عنه كيد الشيطان، ويحرسونه من الترك والنسيان.
-
لا يصدهم عن التمسك بالحق، ولا يثنيهم عن التعطف على الخلق: سوء ما به ينالون، توخيا لثواب الله الذى له يطلبون، وفيه يرغبون.
-
ثم جعل سبحانه علماء هذه الأمة أفضل علماء الأمم قسما، وأوفرهم من الخيرات حظا. أعدّ لهم الكرامات. وقسم لهم المنازل والدرجات، مع ابتلائه سبحانه لمؤمنيهم بالمنافقين، ولصادقيهم بالمكذبين، ولخيارهم بالأشرار، ولصالحيهم بالفجار، وللأماثل الرفعاء بأوضع السفهاء. فلم يكن يثنى العلماء ما يلقونه من الأذى عن القيام بحقوق الله تعالى فى عباده، وإظهار الحق فى بلاده.
-
ولقد كان الوالد السعيد - نضر الله وجهه - ممن سلك به هذه الطريق، عند ما ابتلى به من أذية هذا الفريق، وقد قال رسول الله ﷺ «طوبى للغرباء، طوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله، من الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل، بين ناس سوء كثير. من يبغضهم أكثر ممن يطيعهم» رواه عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما .
-
ومن تظاهر بانكار البدع: فسبيله أن يصبر على أذية المخالفين، محتسبا عند الله عز وجل . وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «المؤمن موكل به أربعة: مؤمن يحسده، وفاسق يبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان يكيده» .
- ج ٢ ص ٢١٤
وقال الحسن البصرى «ما كان مؤمن قط فيما مضى، ولا يكون مؤمن فيما بقى، إلا إلى جنبه منافق يؤذيه»
-
وروى خباب بن الأرتّ رضي الله عنه أن النبى ﷺ قال «أيها الناس، اتقوا الله. فو الله إن كان الرجل من المؤمنين من قبلكم ليوضع المئشار على رأسه، فيشق بنصفين، وما يرده عن دينه. فاتقوا الله. فإن الله فاتح عليكم، وصانع لكم»
-
وروى أبو موسى رضي الله عنه عن النبى ﷺ أنه قال «ليس أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يدعون له ولدا، ويجعلون له صاحبة. وهو يرزقهم، ويعافيهم» أخرجه البخارى
وإذا كان الباري عز وجل يصبر على ما يقول فيه الجاحدون والمشركون.
-
مع قدرته على إهلاكهم وإفنائهم، ومنعهم مما يتفوهون به، لما سبق فى علمه من الاملاء لهم ليزدادوا إثما، والأنبياء عليهم السلام قد صبروا على ما أوذوا به.
-
والصالحون قد تأسّوا بهم فى ذلك: -
فالواحد منا - مع علمه بتقصيره فى كل معنى -: لا ينبغى له أن يقلق لكلمة تسوءه، وإذا كان القيام بالذب عن أهل الحق دينا واحتسابا. فالصبر على ما يصيبه هو من تمام الاحتساب. وقد جاء فى الحديث «إن الرجل ليعطى كتابه يوم القيامة منشورا، فينظر فيه حسنات لم يعملها. فيقول: يا رب، أى شئ هذا؟ فيقول الله عز وجل : هذا بما اغتابك الناس، وأنت لا تشعر»
-
ويروى عن عبد الرحمن بن مهدى أنه قال «لولا أنى أكره أن يعصى الله عز وجل لسرّنى أن لا يبقى فى المصر أحد إلا اغتابنى. وأى شئ أشهى من حسنة يجدها المرء فى صحيفته لم يعملها»
-
وذكر أن شقيقا البلخى فاته ورده فى السحر، فقال له أهله: فاتك قيام الليلة.
فقال: إن فات ذلك، فقد صلّى لى من أهل بلخ أكثر من ألف نفس. قالت:
كيف؟ قال: باتوا يصلون. فإذا أصبحوا اغتابونى.
- ج ٢ ص ٢١٥
وعن بعض السلف أنه قال: إنك إذا لم تنك عدوك إلا بما يثلم به دينك فبنفسك.
وقال بشر بن الحارث: لا تعبأ بكلام من تكلم فيك إلا أن يكون تقيا.
-
والتقى لا يقول ما يعرف، فكيف ما لا يعرف؟
-
وروى عن عطاء بن أبى ميمونة أنه اجتاز بخشبة سعيد بن جبير. فرفع رأسه إلى السماء. فقال: يا رب حلمك عن الظالمين فتت قلوب المظلومين. قال: فغشيه الكرى. فرأى كأن سعيد بن جبير فى الجنة، والحور حوله. وكأن قائلا يقول له: يا عطاء، حلمنا عن الظالمين أورث المظلومين هذا المقام، أو كما قال
وما ذكرته من أوصاف الوالد السعيد: فهو كالإشارة إلى ما وراءه. وأرجو أن لا يكون ذلك على سبيل التمادح، لكنه على سبيل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والرد عن أعراض علماء المسلمين، وحماية المؤمنين من المنافقين
قال أبو هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله ﷺ «من اغتيب عنده أخوه المسلم. فلم ينصره - وهو يستطيع نصره - أذله الله فى الدنيا والآخرة»
-
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من حمى عرض أخيه فى الدنيا بعث الله عز وجل ملكا يحمى لحمه عن النار»
-
وقال عليه الصلاة والسلام «ما من مسلم - يعنى - يخذل امرءا مسلما فى موطن ينتهك فيه عرضه إلا خذله الله عز وجل فى موطن يحب نصرته. وما من مسلم ينصر امرءا مسلما فى موطن ينتقص فيه عرضه وتنتهك فيه حرمته إلا نصره الله فى موطن يحب فيه نصرته»