تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته
١٧٦ فقرة، ج ٢ ص ١٩٣
الصفحة ٤ من ٥
- ج ٢ ص ٢١٥
وقال عليه الصلاة والسلام «لمقام أحدكم فى الدنيا يتكلم بكلمة حق يرد بها باطلا، أو يحق بها حقا: أفضل من هجرة معى» .
-
وقال «لأن يهدى الله بهداك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس»
ج ٢ ص ٢١٦وقال المروذى: قلت لأبى عبد الله - يعنى إمامنا أحمد - ترى للرجل أن يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام فى أهل البدع؟ فكلح وجهه، وقال: إذا هو صام وصلّى واعتزل الناس، أليس إنما هو لنفسه؟ قلت: بلى. قال:
فإذا تكلم كان له ولغيره. يتكلم أفضل
فلنذكر الآن وفاة الوالد السعيد
توفى ليلة الاثنين، بين العشاءين تاسعة عشر رمضان من سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وصلّى عليه أخى أبو القاسم يوم الاثنين بجامع المنصور
وقيل: إنه لم ير فى جنارة - بعد جنازة أبى الحسن القزوينى الزاهد - الجمع الذى حضر جنازته. فلما أصحر المشيعون لجنازته إلى حفرته بمقبرة إمامنا أحمد:
لحقهم الحر الشديد. فأفطر جماعة لم يسمحوا بالرجوع (١) . وكان قد حضره عالم كثير جدا يفوت الإحصاء.
- (١)هل يمدح من أفطر رمضان لأجل تشييع جنازة؟
-
وقد روى أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «ما من رجل يموت، فتصلى عليه أمة من الناس يبلغون المائة فيشفعون فيه إلا شفعوا»
-
وروى أبو أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «المقة من الله عز وجل ، والصيت فى السماء. فاذا أحب الله عبدا قال: يا جبريل، إن ربك يحب فلانا فأحبه، فينادى جبريل، فينزل له المقة على الأرض»
-
فلقد انتقض السؤدد بمصابه، وانثلم المذهب بذهابه. فهو كما قيل:
اليوم مات نظام الفهم واللّسن … ومات من كان يعدينى على الزمن
وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت … شمس المكارم فى غيم من الكفن
- وكما قيل:
-
وليس نسيم المسك رشح حنوطه … ولكنه ذاك الثناء المخلف
وليس صرير النعش ما تسمعونه … ولكنها أصلاب قوم تقصف
- وكما قيل:
-
للموت كم يبلى بجدته … فى كل يوم حكيما ماله خلف
أصاب قصدا هلالا فى تكامله … وبحر منطقه ما ليس يغترف
لم يبله الدهر، ما دامت بدائعه … تطوى على جمعها الأحشاء والصحف
ومن نظر فى تصنيفه - قدس الله روحه - ممن له فهم وتيقن، وعلم وتدين:
علم أنه يعجز عنه من يروم تصنيف مثله، ويفضح فيه من يتعاطى حذو قوله، إذ كلامه السحر الحلال، والعذب الزلال، والسهل الممتنع، والقريب المستصعب إذ هو نسيج وحده زهدا وأدبا، ورواية وأربا، وفريد عصره سؤددا ونبلا، وفقها وجدلا، فهو كما قيل:
مات البديع، وغارت درة الفطن … واستدرج الموت بحر الفضل فى كفن
لله درّ المنايا، ما صنعن به … وما تضمنت الأكفان من بدن
- وكما قيل:
-
تقصت بشاشات المجالس بعده … وودعنا، إذ ودع الأنس والعلم
وقد كان نجم العلم فينا حياته … فلما انقضت أيامه أفل النجم
- وكما قيل:
-
عش ما بدا لك فى الدنيا، فلست ترى … فى الناس منه ولا من علمه خلفا
وقال تلميذه على بن أخى نصر، يرثيه:
أسف دائم وحزن مقيم … لمصاب به الهدى مهدوم
مات بحل الفراء، أم رجّت الأر … ض، أم البدر كاسف والنجوم؟
لهف نفسى على إمام حوى الفض … ل، وهو بالمشكلات عليم
خلق طاهر، ووجه منير … وطريق إلى الهدى مستقيم
كان للدين عدة، ولأهل الدي … ن عدة فى النائبات خل حميم
من يكن للدرس بعدك أم … من لجدال المخالفين يقوم؟
ج ٢ ص ٢١٨من لفهم الحديث والطرق يس … توضح منه صحيحه والسقيم؟
من لفصل القضاء إن أشكل الحك … م وضجت بالنازلات الخصوم؟
درست بعده المدارس فالعل … م طريد، وحبله مصروم
وهكذا يذهب الزمان ويفنى العل … م فيه، ويجهل المعلوم
إن قبرا حواك يا أيها الطو … د عجيب رحب الفناء عظيم
إن يكن شخصه محته يد الده … ر فذكراه فى الدهور مقيم
فنحيا بذكره كل وقت … ومحياه فى التراب رميم
آمرى بالسلو، مهلا، ففى القل … ب غرام مبرح ما يريم
كلما رمت سلوة هيج الحز … ن صنيع له، وفعل كريم
غير أن القضاء جار على الخلق … قضاء من ربهم محتوم
فعلى الشامتين خزى مقيم … وعليه الصلاة والتسليم
فلنذكر الآن ما رواه الصالحون فى المنام للوالد السعيد من الحباء والاكرام قال رسول الله ﷺ «ذهبت النبوة. فلا نبوة بعدى. وبقيت المبشرات. قالوا: وما المبشرات؟ قال: رؤيا المسلم الحسنة، يراها المسلم، أو ترى له» رواه حذيفة
وسأل عبادة بن الصامت رضي الله عنه النبى ﷺ عن قوله تعالى (٦٣:١٠، ٦٤ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) ﴾ قال «هى الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو نرى له»
-
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال «من رآنى فى المنام فقد رآنى فى اليقظة. إن الشيطان لا يتمثل بى (١) »
- (١)لكن لم يمنع الشيطان أن يتمثل بأى صورة أخرى، ويكذب على الرائى ويوهمه أنه رسول الله ويكذب عليه بما يريد لأنه لا يعرفه معرفة الصحابة الذين عاشروه
-
سمعت سعود الحبشى الصوفى يقول: لم أدرك الصلاة على القاضى الإمام
ج ٢ ص ٢١٩أبي يعلى بن الفراء. فبقيت ضيق الصدر. فلما كان أول جمعة أتت على موته وأنا مصعد فى الدجلة، قرب الزاهر، إذ دخل شيخ هناك عليه آثار النسك.
فقال لى: السلام عليك، ثم قال: أنت سعود مولى ابن يوسف؟ قلت: نعم:
قال: إن ألقى إليك شئ تلقيه إلى صاحبك؟ قلت: نعم. قال: رأيت البارحة - وهى ليلة الجمعة - كأنى بائت فى رباط الزوزنى، مقابل جامع المنصور. وقد أقبل عشرة أنفس من نحو باب الشام، يقدمهم شخص لم أر كهيئته. ونوره. فقلت لأحدهم: من أنتم؟ فقال: هذا النبى ﷺ . ونحن العشرة. فقلت:
ما الذى جاء به ﷺ وبكم؟ فقال: سل نبيك. فقلت: يا رسول الله، أنت بالمدينة، فما الذى جاء بك؟ فقال: جئت وأصحابى صليت على أبى يعلى ابن الفراء. فقلت له: من أقول لصاحبى الذى رأى هذه الرؤيا؟ فقال: ما عليك.
-
هذا لفظه، أو كما قال (١)
- (١)من هو سعود الحبشى؟ ومن هو هذا الناسك المجهول؟ حتى نأخذ بمثل هذا. وكيف يرضى أن يأتى النبى ﷺ للصلاة على من هو دون الخلفاء الراشدين والصحابة البررة مئات المرات؟.
-
وسمعت أحمد بن العلثى الزاهد يقول: رأيت القاضى أبا يعلى بعد وفاته، فى الشهر الذى توفى فيه، فى إحدى ليالى القدر، وقدر ازداد حسنا إلى حسنه ونورا إلى نوره. وكأنه ميت، وهو ملقى على ظهره. فقلت: ما أحسن ما قد صار القاضى وقد جاءوه بماء، أو ماء ورد. فأخذ بإحدى يديه، فأمرها على الجانب الآخر، وأخذ بيده الأخرى فأمرها على الجانب الآخر. فعجبت من ذلك. ثم جاءوه بكفن من حرير، لم مثل حسنه، فأدرج فيه، وحفر له بركة عرضها شبه عرض باريتين.
-
ودفن فى تلك البركة، وخلق عظيم على رأس تلك البركة. فنظرت إذا بالقرب من تلك البركة سبائك، وعليه نعش، وعلى النعش ميت مكفن بكفن أبيض لم أر مثل بياضه. فعرفت من ذلك الخلق صاحبا للقاضى أبى يعلى أعجميا، يدعى
ج ٢ ص ٢٢٠بأبى حكيم، فقلت له: من هذا الذى على النعش على السبائك؟ فقال: القاضى أبو يعلى. فقلت له: يا أبا حكيم، أليس قد دفن القاضى فى هذه البركة؟ فقال:
ذاك المدفون فى البركة يزوره الخلق. وهذا رفعناه مكانا عليا، أو كما قال
وسمعت محمد بن مواهب يقول: سمعت أبا الحسن بن جدا يقول: كنت نائما فى دارى ليلة مات القاضى أبو يعلى. فهتف لى هاتف، وقال:
ما العيش بعدك مستطاب … هيهات أن يغشى لمثلك باب
فانتبهت. فلما أسفر الفجر: سمعت مناديا ينادى: من أراد الصلاة على القاضى الإمام أبى يعلى. فعلمت أن الهاتف والبيت الشعر لأجله
قال ابن جدا: سألت الله تعالى بعد موت القاضى الإمام أبى يعلى: أن أراه فى النوم. فرأيته، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال لى: يا أبا الحسين، وحقك (١) لقد هدينا لأمر عظيم
قال ابن جدا: وسألت الله تعالى أن أرى القاضى أبا يعلى فى النوم دفعة أخرى. فرأيته، فقلت: يا سيدى، كيف المذهب ثمّ؟ فقال لى: يا أبا الحسن، المذهب بيننا وبين جهنم سد من حديد
قلت أنا: وقال ابن سيرين «ما حدثك الميت بشئ فى النوم، فهو حق.
- (١)الذى يقسم بغير الله قد قال فيه رسول الله ﷺ «من حلف بغير الله فقد كفر» وفى رواية «فقد أشرك» ولا أظن هذا الحالف أبا يعلى وإنما هو الشيطان.
-
لأنه فى دار حق»
-
وسمعت بعض أصحابنا يقول: رأيت ابن بكير العكبرى فى النوم بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أنا عند القاضى أبى يعلى. فقلت له: قد علمت أنك قريب من تربته. فقال: أنا عنده فى الجنة، أو كما قال
وسمعت أحمد بن على الحنبلى يقول: حكى لى سعيد بن جعفر قال: كنت عند بعض شيوخى. فدخل بعض أصحابى فقال: رأيت كأنى فى جامع باكرما،
ج ٢ ص ٢٢١وهى قرية على نهر ملك، وجمع مجتمع، فدخلت إلى الجامع، فرأيت ثلاثة أشخاص على المنبر، فقلت لبعض من كان بقربى: من هؤلاء؟ فقال لى: هذا النبى ﷺ ، وأبو بكر وعمر. فقلت: يا رسول الله، بمن الاقتداء؟ فأومأ إلى شيخ قاعد على المرقاة التحتانية من المنبر. فقلت لمن كان بقربى: من هذا الشيخ؟ فقال لى: هذا أبو يعلى بن الفراء، أو كما قال (١) .
قال: وقرأت بخط شيخنا الشريف أبي جعفر قال: رأيت شيخنا - يعنى الوالد السعيد - فى المنام، وهو فى أحسن صورة رأيته فى دار الدنيا. وكأنه شاب فى لحيته طاقات بياض يسيرة جدا، وهو بمسجده بباب الشعير، فتقدمت لأسلم عليه. فقال (سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة)
- (١)لو كان رسول الله حقا هو المرئى القائل. لقال ما قال الله (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)
-
وكتب إلى على بن محمد بن المسبح قال: حدثنى أبى قال: أريت فى منامى كأن قائلا يقول لى: مات فى هذه الليلة أحمد بن حنبل فارثه. فانتبهت مرعوبا، وقلت: لعله بدعة تظهر، وسنة تموت. فو الله ما كان إلا أيام قلائل، فوصلتنى مكاتبة القاضى أبى على يعقوب بوفاة الإمام أبى يعلى فى الليلة التى رأيت فيها المنام
قال: وذكرت قول القائل «ارثه» فقلت ما لم أرضه. وما زلت. حتى قلت هذه الأبيات:
مات السّدى والندى والمجد والكرم … والعالم اليقظ المستبصر العلم
مات الإمام أبو يعلى الذى ندبت … لفقده الكعبة الغراء والحرم
يا أيها العالم الحبر الذى كسفت … شمس الهدى بعده، بل عادها الظلم
لولاك ما كان للدنيا وساكنها … معنى، ولا عرفت طرق الهدى الأمم
ولا روى عن رسول الله مأثرة … ولا قضى بصحيح عبر فيك فم
لم يبلغ الحنبلى الحبر مرتبة … إلا على رأسها من جسمك القدم
ج ٢ ص ٢٢٢أوضحت سبل الهدى من بعد ما درست … عن الورى، فقدتك العرب والعجم
مادت بنا الأرض وارتجت بساكنها … لما قبرت. وكاد الدين ينهدم
فلنذكر الآن شذرة من آدابه وورعه
سمعت أبا الحسن النهرى قال: كنت فى بعض الأيام أمشى مع القاضى والدك فالتفتّ، فقال لى: لا تلفت إذا مشيت. فإنه ينسب فاعل ذلك إلى الحمق
قال النهرى: وقال لى والدك يوما آخر، وأنا أمشى معه: إذا مشيت مع من تعظمه، أين تمشى منه؟ فقلت: لا أدرى. فقال: عن يمينه، تقيمه مقام الإمام فى الصلاة. وتخلى له الجانب الأيسر إذا أراد أن يستنثر أو يزيل أذى جعله فى الجانب الأيسر
وقال النهرى أيضا: لما قدم الوزير ابن دراست عبرت أبصره. ففاتنى درس ذلك اليوم. فلما حضرت قلت: يا سيدنا تتفضل وتعيد لى الدرس؟ فقال:
أين كنت فى أمسنا؟ فقلت: مضيت أبصرت ابن دارست. فأنكر علىّ ذلك إنكارا شديدا. وقال: ويحك، تمضى وتنظر إلى الظلمة؟ وعنفنى على ذلك.
-
وروى عن النبى ﷺ أنه قال «النظر إلى الظالمين يطفئ نور الإيمان» أو كما قال
قال: وكان ينهانا دائما عن مخالطة أبناء الدنيا والنظر إليهم، والاجتماع بهم، ويأمرنا بالاشتغال بالعلم، ومخالطة الصالحين
وسمعت خالى عبد الله يقول: حضرت مع القاضى الإمام والدك فى دار رئيس الرؤساء، بعد مجئ طغرلبك. وقد أنفذ إليه غير مرة ليحضر. فلما حضر قربه رئيس الرؤساء، وزاد فى إكرامه وإعظامه، وأجلسه حتى مس بعضه، بجنب المخدة وقال له: ما سمعه أهل المجلس، لم يزل بيت المسلمة وبيت الفراء ممتزجين مختلطين فما هذا الانقطاع؟ فقال له القاضى الإمام: يروى عن شيخنا إبراهيم الحربي: أنه
ج ٢ ص ٢٢٣استزاره المعتضد، وقربه وأجازه. فرد جائزته. فقال له: اكتم مجلسنا، ولا تخير بما فعلنا بك، وبما قابلتنا به. فقال له الحربى: لى إخوان لو علموا باجتماعى معك هجرونى. فقال له رئيس الرؤساء كلاما أسره إليه، ومد كمه إليه. فتأخر القاضى الإمام عنه. وسمعته يقول: أنا فى كفاية ودعة. فقلت له: يا سيدنا ما قال لك؟ قال قال لى: معى شئ من بقية ذلك الإرث المستطاب، وليس مما قد تلوثنا به من الدنيا، فأحب أن تأخذه، وتصرفه فى بعض حوائجك. فقلت له: أنا فى كفاية ودعة، أو كما قال
وسمعت بعض أصحابنا يحكى أنه لما حصّب الإمام القائم بالله - رضوان الله عليه - وعوفى: حضر الشيخ أبو منصور بن يوسف عند الوالد السعيد، وقال له:
لو سهل عليك أن تمضى إلى باب القربة لتهنئ الإمام بالعافية؟ فمضى إلى هناك فخرج إليه محمد الوكيل، ومعه جائزة سنية، وعرفه شكر الإمام لسعيه، وتبركه بأدعيته، ويسأله قبول ذلك. قال: فو الله ما مسها، ولا قبلها. فروجع فى ذلك، فأبي، أو كما قال
وسمعت جماعة من أهلى يحكون: أن فى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة - لما وقع النهب ببغداد بالجانب الغربى منها، وانتقل الوالد السعيد من درب الدبرج إلى باب البصرة. وكان فى داره بدرب الدبرج خبز يابس، فنقله معه، وترك نقل رحله لتعذر من يحمله. واختار حمل الخبز اليابس على الرحل النفيس. وكان يقتات منه ويبله بالماء. وقال: هذه الأطعمة اليوم نهوب وغصوب، ولا أطعم من ذلك شيئا. فبقى ما شاء الله يتقوت من ذلك الخبز اليابس المبلول، ويتقلل من طعمه إلى أن نفد، ولحق الوالد السعيد من ذلك الخبز اليابس المبلول مرض. وكان قد مرض
وكان الولد السعيد فى كل ليلة جمعة يختم الختمة فى المسجد بعد صلاة عشاء الآخرة، ويدعو ويؤمن الحاضرون على دعائه، ما أخل بهذا سنين عديدة إلا لمرض أو لعذر مستفيض، سوى ما كان يختمه فى غير تلك الليلة.
- ج ٢ ص ٢٢٤
فهذا القدر الذى ذكرته إشارة إلى بعض مناقب الوالد السعيد.
-
ولقد أجمع الفقهاء والعلماء، وأصحاب الحديث والقراء، والأدباء والفصحاء، وسائر الناس - على اختلافهم - على صحة رأيه، ووفور عقله وحسن معتقده، وجميل طريقته، ولطف نفسه وعلو همته، وورعه وتقشفه، ونزاهته وعفته.
-
وكان ممن جمعت له القلوب. فإنه روى عن محمد بن واسع: أنه قال «إذا أقبل العبد بقلبه إلى الله تعالى إليه أقبل إليه بقلوب المؤمنين» .
-
فلنختم الآن أخبار الوالد السعيد، الذى منّ الله الكريم عليه بعلم الفقه وتعليمه وتدريسه وتصنيفه أفضل العلوم، وأجز لها للثواب المقسوم، وأولاها بصرف الفكر إليه، ووقف الرأى الصائب عليه. فإنه العروة الوثقى، والحجة المثلى، الدالة على طاعة الله جل ذكره، وأداء مفترضاته، والتمييز به بين محرماته محللاته، والوقوف على حدوده ومعالمه، وشروطه ومراسمه. وإن ربحه الجنة، وخسرانه النار (١) .
- (١)أهم من ذلك وأولى: علم معرفة الله بأسمائه وصفاته، المثمر لاخلاص توحيده، والكفر بكل الطواغيت والبراءة منها ومن المفتونين بها. فكم يصلى الناس، ويجتهدون فى الصلاة وأنواع العبادة والزهادة، ويتشددون فى الحلال والحرام، وهم مشركون قد حبطت أعمالهم، لانهم ضيعوا الأصل الأصيل وجهلوه، إذ لم يهتموا له ولم يعنوا به، وهو توحيد العبادة، بل صرفوا كل همهم إلى الفروع والمجادلة، وكثرة القيل والقال والخلافات المذهبية.
-
روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «العلماء أمناء الرسل على عباده ما لم يخالطوا السلطان، ويدخلوا فى الدنيا. فإذا خالطوا السلطان ودخلوا فى الدنيا فقد خانوا الرسل، فاعتزلوهم واحذروهم (٢) »
- (٢)إن صح الحديث، فليس معناه النهى عن المجئ إليهم مطلقا، وإلا فمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويهدى إلى الحق، ولما اجتنب المتفقهون الأمراء - زهدا وتقشفا - كما زعموا: تمادى الأمراء فى السفه والجهل والظلم والبغى وتبعهم العامة والدهماء، فعم الفساد. ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنما الفقه فى الدين: أن تفهم حقيقة مراد الله ورسوله فهما يؤتيك الله به الحكمة فتؤتى الخير الكثير فى نفسك ومع الناس.
- ج ٢ ص ٢٢٥
وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبى ﷺ أنه قال «من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين»
-
وروى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبى ﷺ أنه قال «أفضل العبادة: الفقه، قليل الفقه خير من كثير العبادة»
-
وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبى ﷺ أنه قال «ما عبد الله بشئ أفضل من فقه فى دين. ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
-
ولكل شئ عماد، وعماد هذا الدين: الفقه».
وقال أبو هريرة «لأن أجلس ساعة فأتفقه: أحب إلى من أحيا ليلة إلى الغداة» .
-
وروى على رضي الله عنه : قال: قال رسول الله ﷺ «الأنبياء قادة، والعلماء سادة. ومجالستهم عبادة» .
-
وسئل عبد الله بن عباس عن الجهاد؟ فقال للسائل «ألا أدلك على أفضل الجهاد؟ قال: بلى. قال: تبنى مسجدا، وتعلم فيه القرآن والفقه والسنة»
قلت أنا: ولفضيلة الفقه: دعا رسول الله صلّى عليه وسلم لعبد الله بن عباس بالفقه فى الدين. فقال «اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل» فأجاب الله دعاء نبيه ﷺ ، فوفر فقهه وزكاه، وثمره ونماه، وجعله نورا يستضاء به، وحجة باقية فى عقبه (١)
- (١)فى هذا مجاملة لخلفاء بنى العباس. وحقيقة الفقه: الفهم عن الله ورسوله، لا كثرة جمع الخلافات والآراء، فإن ابن عباس وإخوانه من الصحابة رضي الله عنهم : لم يكونوا يعرفون هذه الخلافات والآراء والمذاهب
-
فالحمد لله الذى أنعم علينا بأن وفقنا لاتباع الوالد السعيد فى أصوله وفروعه، وجنبنا مخالفته، وجعلنا من ذريته وأهل محبته، وشغلنا بعلومه، وما أتعب نفسه فى جمعه فى ليله ونهاره وسفره، وحضره، وشبابه وكبره، من اتباعه السنن الشرعية،
ج ٢ ص ٢٢٦والشعائر الدينية، الفارقة بين الأبرار والفجار، والحاجزة بين الجنة والنار
- أنشدنى بعض أصحابه وتلامذته:
-
من اقتنى وسيلة وذخرا … يرجو بها مثوبة وأجرا
فحجتى يوم أوافى الحشرا … معتقدى لمذهب ابن الفراء
قلت أنا: ومعتقدنا ومعتقد الوالد السعيد، ومن تقدمه من أئمتنا: مبنى على حرفين: السكوت عن «لم؟» فى أفعاله عز وجل ، وعن «كيف؟» فى أوصافه تبارك وتعالى .
-
نسأل الله الكريم أن يزهدنا فيما زهد الوالد السعيد فيه. فإنه كان يذم الدنيا، ويأمر بالتقلل منها.
-
أنبأنا أحمد بن على الخطيب حدثنا عبد الرحمن بن المهتدى بالله حدثنا الحسين ابن أبى معشر أخبرنا وكيع عن المسعودى عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد لله بن مسعود رضي الله عنه : أن النبى ﷺ قال «مالى وللدنيا؟ إنما مثلى ومثل الدنيا كراكب قال فى ظل شجرة فى يوم صائف، ثم راح وتركها»
-
وروى أبو ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من زهد فى الدنيا أدخل الله عز وجل الحكمة قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره داء الدنيا ودواءها، وأخرجه منها سليما إلى دار السلام» .
-
وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «الزهد فى الدنيا يريح القلب والجسد» .