باب القول في حكم من بعد الصحابة , وذكر الشرائط التي توجب قبول روايته لا بد لمن لزم قبول خبره من أن يكون على صفات قد تقدم ذكرها مجملا , ونحن نفصلها إن شاء الله تعالى , ونشرح ما يتعلق بها , فأولها: أن يكون وقت تحمل الحديث وسماعه مميزا ضابطا , لأنه متى لم

فقرة واحدة، ج ١ ص ٥٢

  1. بَابُ الْقَوْلِ فِي حُكْمِ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ , وَذِكْرِ الشَّرَائِطِ الَّتِي تُوجِبُ قَبُولَ رِوَايَتِهِ لَا بُدَّ لِمَنْ لَزِمَ قَبُولُ خَبَرِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَاتٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مُجْمَلًا , وَنَحْنُ نُفَصِّلُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَنَشْرَحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا , فَأَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ وَقْتَ تَحَمُّلِ الْحَدِيثِ وَسَمَاعِهِ مُمَيِّزًا ضَابِطًا , لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَا تَحَمَّلَهُ وَقْتَ الْأَدَاءِ , وَلَا ذَاكِرٍ لَهُ , وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَالُهُ فِيمَا يُؤَدِّيهِ كَحَالِهِ فِي جَمِيعِ مَا يَحْكِيهِ , مِنْ أَفْعَالِهِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُ فِي حَالِ نَقْصِهِ , وَمَعَ عَدَمِ تَمْيِيزِهِ وَعِلْمِهِ وَبِمَثَابَةِ مَا يَحْكِيهِ الْمَجْنُونُ وَالْمَغْلُوبُ , مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ حَالَ الْغَلَبَةِ عَلَى عَقْلِهِ , فَلَا خِلَافَ أَنَّ مَا هَذِهِ سَبِيلُهُ لَا يَصِحُّ ذِكْرُهُ وَالْعِلْمُ بِهِ , وَالْفَصْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ , فَوَجَبَ لِذَلِكَ كَوْنُ الْمُتَحَمِّلِ وَقْتَ تَحَمُّلِهِ عَالِمًا بِمَا يَسْمَعُهُ , وَاعِيًا ضَابِطًا لَهُ ,

    ج ١ ص ٥٣حَتَّى تَصِحَّ مِنْهُ مَعْرِفَتُهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ التَّذَكُرِ لَهُ , كَمَا عَرَفَهُ وَقْتَ التَّحَمُّلِ لَهُ , فَيُؤَدِّيهِ كَمَا سَمِعَهُ بِلَفْظِهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ بِلَفْظِهِ , وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرْوِيهِ عَلَى الْمَعْنَى فَحَاجَتُهُ إِلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ وَالنَّظَرِ فِي مَعَانِيهَا أَشَدُّ مِنْ حَاجَةِ الرَّاوِي عَلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى , هَذَا إِذَا كَانَ تَعْوِيلُهُ فِي تَحَمُّلِهِ عَلَى حِفْظِهِ , فَأَمَّا إِذَا كَانَ سَيِّئَ الْحِفْظِ فَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الضَّبْطَ وَقْتَ التَّحَمُّلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ السَّمَاعِ , لَكِنَّهُ إِذَا أَصْغَى وَهُوَ مُمَيِّزٌ صَحَّ سَمَاعُهُ , وَإِنْ لَمْ يَحْفَظِ الْمَسْمُوعَ وَيُقَيِّدُهُ بِالْكِتَابِ وَأَرَى حُجَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ

    ج ١ ص ٥٣مَا أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ , ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي , ثنا عَلِيُّ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيَّ , ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , ثنا الْأَوْزَاعِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مَكَّةَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ فِيهِمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ , وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ , ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا , وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا , وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ , وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ " فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , اكْتُبُوا لِي , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» فَقَامَ عَبَّاسٌ أَوْ قَالَ عَبَّاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِلَّا الْإِذْخَرَ فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ: «إِلَّا الْإِذْخَرَ» قَالَ الْوَلِيدُ فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» ؟ قَالَ: يَقُولُ: اكْتُبُوا خُطْبَتَهُ الَّتِي سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ فَأَبُو شَاهٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظُ , غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُمَيِّزًا وَأَصْغَى إِلَى خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ صَحَّ سَمَاعُهُ إِيَّاهَا , وَأَمَرَ بِكَتْبِهَا لَهُ , وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَيْضًا فِي التَّحَمُّلِ قَبْلَ الْبُلُوغِ , فَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ ذَلِكَ , وَمِنْهُمْ مَنْ دَفَعَ صِحَّتَهُ

    ج ١ ص ٥٢