الوفود (وفد ثقيف)
٢٧ فقرة، ج ١ ص ٤٩٩
- ج ١ ص ٤٩٩
حدثنا رجاء بن سلمة قال، حدثنا أبي قال، حدثنا روح بن غطيف، عن أبيه (غطيف (٣) بن أبي سفيان قال:
أتت الأنصار رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال ﷺ «اللهم اهد ثقيفا» قالوا: يا رسول الله، ادع عليهم، فقال «اللهم اهد ثقيفا (٤) » فعادوا فعاد، فأسلموا، فوجدوا من صالحي الناس إسلاما، ووجد منهم أئمة وقادة.
-
وقدم وفدهم على رسول الله ﷺ فضرب عليهم
ج ١ ص ٥٠٠القبة في المسجد (فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله إنهم (١) لا يصلون. فقال النبي ﷺ «دعهم يا عمر فإنهم سيستحيون ألاّ يصلّوا، فمكثوا يومهم لا يصلون والغد، حتى إذا كان عند العصر صلّوا بغير وضوء فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله صلّوا بلا وضوء. فقال ﷺ «دعهم فإنهم سيتوضأون» حتي إذا كان اليوم الثالث غسلوا وجوههم ورؤوسهم وأعناقهم وأيديهم إلى المناكب، وتركوا الأرجل، فقال عمر: إنهم فعلوا كذا وكذا، فقال «دعهم فإنهم سيتوضأون، وغدوا اليوم الخامس فغسلوا البطون والظهور، فأتى عمر رضي الله عنه النبي ﷺ فأخبره فقال «دعهم عنك» فلم يذكر شيئا من أمرهم بعد حتى قدمت عليهم هديّة من الطائف؛ عسل وزبيب ورمّان وشنان (٢) فرسك (٣) مربّب، فأهدوا إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ «صدقة أم هدية؟» فقالوا: بل هدية يا رسول الله، ففتح رسول الله ﷺ سقاء من العسل قال «ما هذا؟» قالوا: ضريب (٤) فأكل منه، ثم فتح الثاني فقال «ما هذا؟» فقالوا: ضريب يا رسول الله، قال «ما أطيب ريحه وأطيب طعمه» ، وأكل منه، ثم قاموا عنه، وأهدى له رجل من بني ليث شاة مطبوخة بلبن، فالتمس العوض فأعطاه رسول الله ﷺ
ج ١ ص ٥٠١وقال «هل رضيت؟» قال: لا، فدخل فأعطاه وقال «هل رضيت؟» قال: لا، قال «ويحك لا تبخلني فإني لم أخلق بخيلا ولا جبانا» فالتمس فجاءه بقبضة (١) من شعير وسلت (٢) وتمر فأعطاه إياه، ثم قال «هل رضيت؟» قال: نعم. فقال «لا أتّهب إلا من قريشي أو ثقفي، فإنهما حيّان لا يتعجلان الثائبة.
-
حدثنا الحزامي قال، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أقبل وفد ثقيف - بعد قتل عروة بن مسعود؛ بضعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف - فيهم كنانة بن عبد يا ليل، وهو رأسهم يومئذ، وفيهم عثمان بن أبي العاص بن بشر، وهو أصغر الوفد، حتى قدموا على رسول الله ﷺ يريدون الصّلح والقضيّة وهو بالمدينة حين رأوا أن قد فتحت مكة وأسلم عامّة العرب. فقال المغيرة بن شعبة: يا رسول الله. أنزل عليّ قومي فأكرمهم فإني حديث الجرم فيهم، فقال رسول الله ﷺ «لا أمنعك أن تكرم قومك، ولكن تنزلهم حيث يسمعون القرآن» قال: وكان من جرم المغيرة في قومه أنه كان أجيرا لثقيف فإنهم أقبلوا من مضر حتى إذا كانوا ببساق (٣) عدا عليهم - وهم نيام - فقتلهم، ثم أقبل بأموالهم حتى أتى رسول الله صلى
ج ١ ص ٥٠٢الله عليه وسلم، فقال: أخمّس مالي هذا؟ قال «وما نبأه؟» قال:
كنت أجيرا لثقيف، فلمّا سمعت بك قتلتهم، وهذه أموالهم.
-
فقال رسول الله ﷺ «إنا لسنا بغدر» وأبى أن يخمّس ما معه، وأنزل النبي ﷺ وفد ثقيف في المسجد، وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلّوا، وكان النبي ﷺ إذا خطب لم يذكر نفسه، فلما سمعه وفد ثقيف قالوا: يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ولا يشهد هو به في خطبتهم. فلما بلغه قولهم قال «فأنا أوّل من شهد أني رسول الله» وكانوا يغدون عليه كل يوم ويخلفون عثمان بن أبي العاص في رحالهم لأنه أصغرهم، فكان عثمان كلما رجع إليه الوفد وقالوا بالهاجرة عمد لرسول الله ﷺ فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، فاختلف إليه عثمان مرارا حتى فقه وعلم، وكان إذا وجد النبي ﷺ نائما عمد لأبي بكر رضي الله عنه ، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب رسول الله ﷺ بعثمان وأحبّه، فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله ﷺ وهو يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا، فقال له كنانة بن عبد يا ليل: هل أنت مقاضينا (١) حتى نرجع إليك؟ قال: «نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام قاضيتكم وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم» قالوا: أرأيت الزّنا
ج ١ ص ٥٠٣فإنّا قوم نغترب» قال «هو عليكم حرام، إنّ الله قال: «لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً» (١) قالوا أرأيت الرّبا؟ قال:
«والرّبا حرام (٢) » قالوا: فإنها أموالنا كلّها؟ قال «لكم رؤوس أموالكم؛ فإن الله قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (٣) قالوا: أفرأيت الخمر، فإنها عصير أعنابنا (٤) ولا بد لنا منه؟ قال «فإنّ الله قد حرّمها، فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (٥) فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض فقال سفيان بن عبد الله (٦) : ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوما كيوم مكّة، انطلقوا فيه فلنكافئه على ما سألنا، فأتوه ﷺ فقالوا: نعم لك ما سألت، وقالوا: أرأيت الرّبّة، ماذا نصنع فيها؟ قال: «اهدموها» قالوا: هيهات، لو تعلم الرّبة أنك تريد هدمها قتلت أهلينا، قال عمر رضي الله عنه : ويحك يا ابن
ج ١ ص ٥٠٤عبد يا ليل ما أحمقك، إنما الرّبّة حجر (لا يدري من عبده ممّن لا يعبده) (١) قال: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، قالوا: يا رسول الله أرسل أنت فاهدمها فإنا لن نهدمها أبدا، قال «فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها» فكاتبوه، فقال كنانة بن عبد يا ليل: ائذن لنا قبل رسولك، ثم ابعث في آثارنا، فإني أعلم بقومي. فأذن لهم وأكرمهم وحملهم، قالوا: يا رسول الله، أمّر علينا رجلا منّا، فأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص، لما رأى من حرصه على الإسلام، وقد كان علّم سورا من القرآن قبل أن يخرج، فقال كنانة بن عبد يا ليل: أنا أعلم الناس بثقيف، فاكتموهم القضية وخوّفوهم بالحرب والفناء، وأخبروهم أن محمدا سألنا أمورا أبيناها عليه، وسألنا أن نهدم اللاّت، ونبطل أموالنا في الرّبا، ونحرّم الخمر والزّنا.
-
فخرجت ثقيف حين دنا الوفد منهم يتلقونهم، فلما رأوهم قد ساروا العنق (٢) ، وقطروا (٣) الإبل، وتغشوا ثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا ولم يرجعوا بخير، فلما رأت ثقيف ما في وجوه القوم قال بعضهم لبعض: ما جاء وفد كم بخير، ولا رجعوا به.
-
فدخل الوفد فعمدوا إلى اللات فنزلوا عندها، واللات بيت كان بين ظهري الطائف بستر ويهدى لها الهدي، ضاهوا به بيت الله، وكانوا يعبدونها، فيقول ناس من ثقيف حين نزل الوفد إليها كأنهم (٤)
- ج ١ ص ٥٠٥
لا عهد لهم برؤيتها (١) ، ورجع كل رجل منهم إلى أهله، وأتى كل رجل منهم جانبه من ثقيف فسألوه: ماذا جئتم به، وما رجعتم به؟ قالوا: أتينا رجلا غليظا يأخذ من أمره ما شاء، قد ظهر بالسيف وأداخ (٢) العرب، وأدان له الناس، فعرض علينا أمورا شدادا:
هدم اللات وترك الأموال في الرّبا إلا رؤوس أموالنا، وتحريم الخمر.
قالت ثقيف: فو الله لا نقبل هذا أبدا، فقال الوفد فأصلحوا السلاح وتيسروا للقتال (٣) ، ورمّوا حصنكم. فمكثت بذلك ثقيف يومين أو ثلاثة يريدون - زعموا - القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فقالوا: والله ما لنا طاقة به، أداخ العرب كلّها، فارجعوا إليه وأعطوه ما سأل وصالحوه عليه، فلما رأى الوفد أنهم قد رعبوا وخافوا واختاروا الأمن على الخوف والحرب قال الوفد: فإنا قد قاضيناه، وأعطانا ما أحببنا وشرط لنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم، وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه، وفيما قاضيناه عليه. فانهوا القضية واقبلوا عاقبة الله، قالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا به أشد الغم؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان (٤) . فأسلموا مكانهم واستسلموا، ومكثوا أياما، ثم قدمت عليهم رسل رسول الله ﷺ أميرهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة،
ج ١ ص ٥٠٦فلما قدموا عمدوا إلى اللات فهدموها، وقد استكفت (١) ثقيف الرجال منهم والنساء والصبيان حتى خرج العواتق (٢) من الحجال، لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة، ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة ابن شعبة رضي الله عنه فأخذ الكرزن (٣) وقال: لأضحكنّكم من ثقيف، فضرب بالكرزن ثم سقط يرتكض، فارتجّ أهل المدينة بصيحة واحدة قالوا: أبعد الله المغيرة، قد قتلته الرّبّة - حين رأوه ساقطا - وقالوا: من شاء منكم فليتقرب (٤) وليجتهد على هدمها، فو الله لا يستطاع أبدا، فوثب المغيرة فقال: قبّحكم الله يا معشر ثقيف، إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم ضرب الباب فكسره ثم علا على سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سوّوها بالأرض، وجعل صاحب المفاتيح يقول: ليغضبن الأساس وليخسفنّ بهم، فلما سمع ذلك المغيرة قال:
يا خالد، دعني أحفر أساسها، فحفروه حتى أخرجوا ترابها، وانتزعوا حليها، وأخذوا ثيابها، فبهتت ثقيف، وقالت عجوز منهم:
ج ١ ص ٥٠٧أسلمها الرّضاع (١) وتركوا المصاع (٢) وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله ﷺ بحليها وكسوتها، وقسمها من يومه، وحمد الله على نصره وإعزاز دينه، فهذا حديث ثقيف.
-
حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة: أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة وحنين، وانصرافه إلى المدينة، فقاضوه على القضية الذي ذكرت لك (٣) ، وبايعوه، وهو الكتاب الذي عندهم الذي بايعوه عليه.
-
حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الحكم ابن هشام الثقفي قال، أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن عازب:
أنه كان في كتاب رسول الله ﷺ لثقيف حين أسلموا أنهم حيّ من المسلمين يكونون معهم حيث شاءوا وحيث أحبوا، قال:
فجعلوا دعوتهم مع قريش وقالوا، ولدتنا قريش وولدناهم.
-
حدثنا خالد بن عبد العزيز الثقفي قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله عن عمه عمرو بن أوس، عن عثمان بن أبي العاص قال: استعملني
ج ١ ص ٥٠٨رسول الله ﷺ وأنا أصغر الستة الوفد الذين قدموا عليه من ثقيف، لأني كنت قرأت السورة، فقلت: يا رسول الله، إن القرآن يتفلت مني، فوضع يده على صدري وقال: «يا شيطان اخرج من صدر عثمان» قال: فما نسيت بعد شيئا أريد حفظه.
-
حدثنا أبو عاصم قال، أنبأنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله، عن عمه عمرو بن أوس، عن أبيه أوس (١) قال: كنت في الوفد (حين (٢) قدمت ثقيف على رسول الله ﷺ فأنزلهم في قبة في المسجد قال: وكان يأتينا إذا صلّى العشاء فيقوم قائما يتحدّث، فأكثر ذاك تشكّيه قريشا، فقال:
كنا العشر التي كنا بمكة فكنا مقهورين مظلومين، فلما خرجنا في العشر الأواخر كانت الحرب سجالا، علينا ولنا. قال: فاحتبس عنا ليلة فقلنا: ما حبسك؟ فقال «إنه طرأ عليّ حزب من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أقضيه» .
-
حدثنا عبيد بن عقيل قال، سمعت عبد الله بن عبد الرحمن ابن يعلى يحدث، عن عثمان بن عبد الله بن أوس بن حذيفة، عن جده أوس بن حذيفة قال: قدمنا في وفد ثقيف فأنزلهم في قبته
ج ١ ص ٥٠٩بين مصلاّه ومسكن أهله، فكان يمرّ بهم إذا صلّى العشاء يحدثهم، وكان أكثر ما يحدثنا تشكيه قريشا وما صنعوا به بمكة فيقول:
وكنا بمكة مستضعفين مستذلين، فلما خرجنا إلى المدينة انتصفنا من القوم: فكانت سجال الحرب، علينا ولنا، فمكث عنا ليلة فقلنا: يا رسول الله أبطأت عنا المكث الليلة، فقال: «إنه طرأ عليّ حزب من القرآن الليلة فأحببت أن لا أخرج حتى أقضيه، فلما قضيته خرجت إليكم» فلما أصبح بكرة سألنا أصحابه: كيف تحزّبون القرآن؟ فقالوا: نحزّبه سبعة أحزاب: ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وترا وترا. وحزب المفصل أوله «قاف» .
-
حدثنا سهل بن يوسف قال، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله قال: لما خرج وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ نزل الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل المالكين (١) - وفيهم عثمان بن أبي العاص - في قبّة بينه وبين المسجد، قال عثمان ابن أبي العاص: فكان يأتينا إذا انصرف من العشاء فيقوم على باب قبتنا فيحدثنا، فمنا النائم ومنا المستيقظ - نحو حديث عبيد ابن عقيل (٢) .
-
حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا مروان بن معاوية قال، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله، عن جده قال:
لما وفدت بنو مالك إلى رسول الله ﷺ ضرب عليها
ج ١ ص ٥١٠قبة وأنزلهم فيها، فكان يأتينا بعد العشاء، فيحدثنا وإنه لقائم يراوح بين قدميه من طول القيام نحو حديث أبي عاصم (١) .
-
حدثنا عفان قال، حدثنا أبو عقيل الدورقي، عن الحسن:
أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فضرب لهم قبة في المسجد، فقالوا: يا رسول الله قوم مشركون، فقال «إن الأرض ليس عليها من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاسهم على أنفسهم.
-
حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرقّ لقلوبهم فاشترطوا عليه (٢) أن لا يحشروا (٣) ولا يعشروا (٤) ولا يجبّوا ولا يستعمل عليهم غيرهم فقال: «لكم أن لا تعشروا وأن لا تحشروا ولا يستعمل عليكم غيركم، وقال رسول الله ﷺ : «لا خير في دين لا ركوع فيه» قال عثمان، قلت (٥) : يا رسول الله، علمني القرآن، واجعلني إمام قومي (٦) .
-
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد، عن الكلبي:
أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد
ج ١ ص ٥١١إنا أخوالك وأصهارك وجيرانك، وإنا أشد أهل نجد عليك حربا وخيرهم لك سلما، إن حاربناك حاربك من بعدنا، وإن سالمناك سالمك من بعدنا، فاجعل لنا أن لا نعشّر ولا نحشّر ولا نجبّى ولا تكسّر أصنامنا بأيدينا، فقال رسول الله ﷺ : «لكم ألا تعشروا ولا تحشروا ولا تكسّروا أصنامكم بأيديكم ولا خير في دين ليس فيه ركوع، قالوا: تمتّعنا باللات سنة، فإن خشيت لائمة العرب فقل: الله ربي أمرني بذلك (١) . فقال عمر رضي الله عنه :
لا والله ولا نعمة عين، أحرقتم رسول الله ﷺ ، أحرق الله أكبادكم، لا والله حتى تدخلوا فيما دخلت فيه العرب. وأنزل الله: «وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ» . (٢)
-
حدثنا أبو داود قال، حدثنا فليج بن سليمان قال، أخبرني سعيد بن جبير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما قدم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ أخّر صلاة العشاء الآخرة حتى مضى ساعة من الليل، فجاء عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نام الولدان وتعشى النسوان وذهب الليل. فقال: يا أيها الناس، احمدوا الله، فما أعلم أحدا ينتظر هذه الصلاة غيركم، ولولا أن أشقّ على أمتي لأخّرت هذه الصلاة إلى نصف الليل».
-
حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يحيى بن هانئ قال، حدثني أبو علقمة، عن عبد الملك بن محمد بن البشير، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي: أن وفد
ج ١ ص ٥١٢ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فأتوه بهدية فقال:
صدقة أم هدية، إن الهدية يبتغى بها وجه الرسول وقضاء الحاجة، وإن الصدقة يبتغى بها ما عند الله» قالوا: بل هدية، فقبلها ثم لم يزل في مقعده ذلك يحدثونه حتى صلّى الظهر مع العصر.
-
حدثنا عمر بن عثمان بن عاصم الواسطي ابن أخي علي بن عاصم قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يحيى بن هانئ (١) وعروة قال، حدثني أبو حذيفة، عن عبد الملك بن محمد، عن عبد الرحمن ابن علقمة بمثله - إلا أنه قال: ثم شغلوه يسألهم ويسألونه حتى لم يصلّ الظهر إلا مع العصر.
-
حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال، حدثنا زهير قال، أنبأنا أبو خالد يزيد الأسدي قال، حدثنا عون (٢) بن أبي جحيفة السوائي، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، عن عبد الرحمن ابن أبي عقيل قال: انطلقت في وفد إلى رسول الله ﷺ فأتيناه فأنخنا بالباب، وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فما خرجنا حتى ما في الناس أحبّ إلينا من رجل دخلنا عليه، فقال قائل منا: يا رسول الله (٣) ، ألا سألت الله ملكا كملك سليمان؟ فضحك، ثم قال: فلعل لصاحبك أفضل من ملك سليمان؛
- ج ١ ص ٥١٣
إن الله لم يبعث نبيّا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذ بها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عندي شفاعة لأمتي يوم القيامة.
-
حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني عاصم بن عبد الله بن نعيم، عن أبيه، عن عروة بن محمد، عن أبيه، عن جده: أنه قدم إلى رسول الله ﷺ في وفد بني قومه ثقيف، فلما دخلوا عليه كان فيما ذكروا أنهم سألوه (فقضى حوائجهم (١) وقال لهم: هل قدم معكم أحد غيركم؟ قالوا:
نعم، معنا فتى منّا خلّفناه في رحالنا، قال: فأرسلوا إليه» وقال:
فلما دخلت عليه وهم عنده استقبلني فقال: إن اليد المنطية (٢) هي العليا، وإن السائلة هي السفلى، فما استغنيت فلا تسأل، وإنّ مال الله مسئول ومنطى».
-
حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا ابن جابر قال، حدثني عروة بن محمد، عن أبيه، عن جده عطية السعدي قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ في نفر من بني سعد (بن بكر (٣) وكنت أصغرهم فخلفوني في رحالهم، وأتوا النبي ﷺ فقضوا حوائجهم، فقال: هل بقي من أحد؟ قالوا (٤) : نعم، غلام خلّفناه في رحالنا، فأمرهم أن يدعوني فقالوا:
ج ١ ص ٥١٤أجب رسول الله ﷺ ، فأتيته فقال: ما أنطاك (١) الله فلا تسأل النّاس شيئا، فإن اليد العليا هي اليد المنطية، وإن اليد السفلى المنطاة، وإنّ مال الله لمسئول ومنطى، قال فكلمني بلغتنا.
-
حدثنا ضرار بن صرد (٢) قال، حدثنا سعيد بن عبد الجبار الزبيري، عن منصور بن رجاء، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عطية بن عمرو السعدي، عن أبيه قال: قال لي رسول الله ﷺ : «لا تسأل الناس شيئا، ومال الله مسئول ومنطى» قال فكلمني بلغة قومي وهم (بنو سعد) (٣) .
-
حدثنا عن أبي مصعب قال، حدثنا عبد الحميد بن (حبيب (٤)
- ج ١ ص ٥١٥
عن الأوزاعي (١) : أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ وقد وفروا أشعارهم وشواربهم وأظفارهم فأمرهم أن يقيموا وأن يتعلموا القرآن، فأقاموا قريبا من سنة، ثم إن رسول الله ﷺ استعرضهم ففضلهم أحدهم بسورة البقرة وسورة معها، فأمّره عليهم وقال: إنك لأحدثهم، ولكني أمّرتك عليهم لما فضلتهم من القرآن، فإذا صلّيت فصلّ بصلاة أصغرهم، فإن فيهم الضعيف والمملوك وذا الحاجة، وإذا خرجت ساعيا فلا تأخذن من الغنم الشافع (٢) ولا الرّبّى (٣) ولا حرزة (٤) الرجل فإنه أحق بها، وخير منهم الجزعة والثّنيّة، فإنها وسط من الغنم».