(أمر الرمادة وما فعل عمر رضي الله عنه في ذلك العام
٢٩ فقرة، ج ١ ص ٧٣٦
- ج ١ ص ٧٣٦
حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه: أنه كان مع عمر. رضي الله عنه فقال: إني أستسقي غدا إن شاء الله إذا أصبحنا، قال: فحضر الناس بابه بكرة حتى خرج إليهم، فلم يزل يقول: اللهم اغفر لنا إنك كنت غفّارا حتى جاء المصلى رافعا صوته.
-
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا علي بن ثابت قال، أخبرني عيسى بن حفص بن عاصم قال، حدثني عطاء بن أبي مروان الأسلمي قال، حدثني أبي: أن عمر رضي الله عنه خرج يستسقي فتبعناه، فلم يزل يقول - رافعا صوته: اللهم اغفر لنا إنك كنت غفّارا، حتى أتى المصلى يستسقي ويدعو والناس معه، قال: فلبثنا أياما، فأنشأ الله سحابة ما بين الشام إلى اليمن، ثم ساقها الله حتى أمطرت البلاد بإذن الله، وسالت السيول، وسال بطحان والأودية فخرج عمر رضي الله عنه إلى بطحان، ينظر إلى رحمة الله، ومواقع السّيل: فو الله إنه لعلى شقته ويحمد الله ويكبر لسقياه، وما أغاث
ج ١ ص ٧٣٧به العباد، إذ ناداه رجل من الأعراب في الشق الآخر: أما والله ما عندي هذه السّنة، إن يشأ ذا يقول: لست ابن حمقاء، أطعمت الطعام وفعلت. فقال عمر رضي الله عنه : ويحك، إنما هو الله، والله أنزله، أنزله، والله قوّانا عليه حتى وضع رحمته وسقى عباده وكشف السّنة عنهم.
-
حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن مطرف (ابن طريف) (١) ، عن عامر قال: قحط المطر على عهد عمر رضي الله عنه ، فصعد المنبر يستقي، فلم يذكر الاستسقاء حتى نزل، فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما سمعناك استقيت!! قال: لقد طلبت الغيث بمجاديح (٢) السماء التي بها يستنزل المطر، ثم قرأ:
«اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ (٣) .
-
ثم قرأ «اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ﴾ (٤) .
-
حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا الحجاج، عن
ج ١ ص ٧٣٨ابن مصعب عن أبيه: أن عمر رضي الله عنه خرج يستسقي فحوّل رداءه وجعل يقول: اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا. فقيل له:
يا أمير المؤمنين إنما خرجت تستسقي وأنت تستغفر؟! قال أما إذا غفر لنا سقينا.
-
حدثنا الأنصاري (١) قال، حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس رضي الله عنه : أنهم كانوا إذا أقحطوا على عهد عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا استسقينا بنبيك ﷺ فسقيتنا، وإنا نستسقيك اليوم بعم نبيّك ﷺ فاسقنا.
-
حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن (محمد ابن ثابت أبو الحسن بن (٢) شبويه قال، حدثني سليمان بن صالح قال، حدثني عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم، أن ابن عمر رضي الله عنهما أخبره: أن عمر رضي الله عنه قام عام الرمادة - وكانت سنة شديدة - فقال بعد ما أجهد في إمداد العرب بالإبل بالقمح والزيت من الأرياف كلها بلحت (٣) الأرياف مما جهدها، فقام عمر رضي الله عنه فقال:
ج ١ ص ٧٣٩اللهم اجعل رزقهم في رؤوس (١) المطر آية، فاستجاب الله له وللمسلمين، فأغاث عباده، فقال عمر رضي الله عنه حين أنزل الله الغيث: الحمد لله، فو الله لو لم يفرجها الله ما تركت أهل بيت من المسلمين لهم سعة إلا أدخلت عليهم أعدادهم من الفقراء، فلم يكن اثنان ليهلكا من الطعام على ما يقيم واحدا.
-
حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا شريك، عن زياد ابن علاثة، عن معبد بن سويد قال: دخلنا على عمر رضي الله عنه زمان الرمادة ومعنا رجل من محارب سمين دمس (٢) ، فقال عمر رضي الله عنه : مما هذا السمن؟ قال من الضّباب، قال: وددت أن مكان كل ضبّ ضبّين، اللهم اجعل أرزاقهم في أصول الآكام ورؤوس التلاع.
-
حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا عمر ابن عبد الرحمن بن أسيد قال، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبيه:
أن عمر رضي الله عنه حرّم على نفسه اللحم عام الرمادة حتى يأكله الناس، وكانت لعبيد الله بن عمر بهمة فجعلت في التنوّر. فخرج عمر رضي الله على ريحها فقال أظن أحدا من أهلي اجترأ عليّ - وهو (في نفر من (٣) أصحابه - إلا عبيد الله. فقال (لغلامه (٤) اذهب فانظر، فدخل فوجدها في التنور، فقال عبيد الله: استرني سترك الله،
ج ١ ص ٧٤٠فقال قد عرف حين أرسلني أني لن أكذبه، فاستخرجها ثم جاء بها فوضعها بين يديه، فاعتذر إليهم أن يكون علمه، فقال عبيد الله: إنما كانت لابني فاشتريتها فقرمت (١) إلى اللحم.
-
حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا يحيى بن سعيد أن محمد بن يحيى (بن حبان (٢) أخبره: أن عمر رضي الله عنه أتي عام الرمادة أو الرّبذة (٣) بقصعة فيها خبز مفتوت بسمن، فدعا رجلا كالبدوي يأكل معه، فجعل الأعرابي (٤) يتتبع باللقمة الودك (٥) ، فقال له عمر رضي الله عنه : كأنك مقفر (من الودك (٦) فقال الأعرابي (أجل (٧) ما أكلت سمنا (ولا زيتا (٨) ولا رأيت أكلا له مذ كذا وكذا قبل اليوم، فحلف عمر رضي الله عنه : لا يأكل سمنا ولا لحما حتى يحيا الناس من أول ما أحيوا.
-
حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن المغيرة قال: أجدب الناس على عهد عمر رضي الله عنه .
-
حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: أجدب الناس على عهد عمر رضي الله عنه فنذر أن
ج ١ ص ٧٤١لا يأكل سمنا ولا لبنا حتى يحبا الناس، فدخل قهرمان (١) له السوق فأصاب وطبا من لبن وعكّة من سمن، قال: بكم ابتعتهما؟ قال:
بأربعين درهما، فزبره عمر رضي الله عنه وقال: من أين أحيي الناس؟ ولم يأكل (٢) .
-
حدثنا سهل بن حماد أبو عتاب (٣) قال، حدثنا يونس عن أبي يعفور، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن عمر رضي الله عنه دخل عليه وهو على صدر فراشه، ورحب بأمير المؤمنين ووضع يده في الطعام فلقم لقمة وقال: بسم الله، ثم ثنّى فقال: إني لأجد طعم دسم ما هو بدسم لحم، قال: يا أمير المؤمنين طلبت السمين من اللحم فوجدته غاليا، وكنت أحبه أن يتوازى أهل بيتي عظما عظما فاشتريت بدرهم من يهودي وحملت عليه بدرهم سمنا فقال عمر رضي الله عنه : ما اجتمعا عند النبي ﷺ إلاّ تصدّق بأحدهما وأكل الآخر. فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين فو الله لا يجتمعان عندي إلا تصدقت بأحدهما وأكلت الآخر، قال:
ما أنا بالذي أعود فيه.
-
حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: نهى عمر رضي الله عنه عن السمن واللّحم أن يجمع بينهما، فدخل عبيد الله بن عمر على عبد الله بن عمر رضي الله
ج ١ ص ٧٤٢عنهما فقرّب خبزا ولحما، فقال ما أنا بطاعم من طعامكم حتى تفرغ عليه سمنا، فقال عبد الله: ألم تسمع أمير المؤمنين؟ فقال: ما أنا بفاعل فقالت صفية بنت أبي عبيد: لا تحرم أخاك طعامك، قال: فجاء بسمن فأفرغ، فإنه لموضوع ما مسّه إذا بصوت عمر رضي الله عنه على الباب، فقال: ما لكم ولطعامكم!! فأهوى بيده فوجد طعم السّمن، فمال على الخادم ضربا، فقالت الخادم: لا ذنب لي؛ إنما أنا خادم أفعل ما أمرت به، فتركها وقال: عليّ ببنت أبي عبيد فضربها حتى سقط خمارها، ثم جالت تسعى حتى دخلت البيت وأغلقت الباب دونه، ثم جاء فمثل قائما على عبد الله ثم جاف عنه - يعني انصرف - - وهي لغة -.
-
حدثنا محمد بن الفضل قال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن يعمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: أجدب الناس على عهد عمر رضي الله عنه فما أكل سمنا ولا سمينا حتى أكل الناس، وقال:
أخصب الناس.
-
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: غلا الطعام بالمدينة فجعل عمر رضي الله عنه يأكل الشعير، فجعل بطنه يصوّت، فضرب بيده على بطنه وقال: والله ما هو إلا ما ترى حتى يوسّع الله على المسلمين (١) .
-
حدثنا محمد بن يزيد الرّفاعي قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: قال عمر رضي الله عنه :
ج ١ ص ٧٤٣لئن أصاب الناس سنة لأنفقن عليهم من مال الله ما وجدت درهما؛ فإن لم أجد ألزمت كلّ رجل رجلا.
-
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا أبو معاوية قال، حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن عمر رضي الله عنه قال: لو لم أجد للناس من المال ما يسعهم إلا أن أدخل على كل أهل بيت عدّتهم فيقاسمونه أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بخير لفعلت؛ فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم.
-
حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن ابن قلابة - أو غيره -: أن عمر رضي الله عنه كتب عام الرمادة إلى يزيد بن أبي سفيان (١) وإلى أبي موسى الأشعري:
وا غوثاه، هلكت العرب، فأما يزيد فكتب لبّيت لبيت لبيت يا أمير المؤمنين، أتاك الغوث، بعثت إليك عيرا أوّلها بالمدينة وآخرها بالشام، وأما أبو موسى فكتب إليه: يا أمير المؤمنين، إن الخلق لا يسعهم إلا الخالق، فلو أنك كتبت في الأمصار وواعدتهم يوما فأمرتهم فخرجوا فاستسقوا ودعوا، فلما أتاه كتابه قال: والله ما أرى أبا موسى إلا قد أشار برأي؛ فكتب، فخرج الناس فاستسقوا فسقوا.
-
حدثنا أبو بكر الباهلي قال، حدثنا الهيثم بن عدي، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لما دفّت (٢) العرب
ج ١ ص ٧٤٤إلى عمر رضي الله عنه بالمدينة كتب إلى العمال: إلى سعد بالكوفة، وأبي موسى بالبصرة، وعمرو بن العاص بمصر، ومعاوية بالشام:
«من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان. أما بعد: فإن العرب قد دفّت إلينا ولم تحتملهم بلادهم، ولا بد لهم من الغوث الغوث، حتى ملأ الصحيفة، قال: فربما كان في الصحيفة مائتا مرّة.
-
وكتب إلى عمرو بن العاص: إلى العاصي بن العاصي، فقال عمرو للرسول: هل كنت تملّ (١) هذا إلى آخر؟ وقال: ما أراني أفلت من عمر رضي الله عنه على حال.
قال: فكتب إليه أبو موسى: أما بعد فإني قد وجهت إليك عيرا تحمل الدقيق والزيت والسمن والشحم والمال.
-
وكتب إليه سعد ومعاوية بمثل ذلك.
-
وكتب إليه عمرو بن العاص: قد وجهت السّفين تترى بعضها في إثر بعض.
-
فقدم ذلك عليه فقال: الحمد لله، ما كان الله ليضيع هؤلاء، ثم دعا محمد بن مسلمة، وعبد الله بن الأرقم، فوجّه ابن الأرقم إلى قيس وتميم وطيئ وأسد بنجد، ووجّه محمد بن مسلمة إلى طريق الشام إلى غطفان وأدنى قضاعة ولخم وجذام. ثم قال لهما: افهما إياكما أن تعطيا العرب الإبل فإنها لا تنحرها، انحرا البعير فأطعماهم مخّه وعظامه، واجعلا لحمه وشيقة (٢) ، واجعلا الفرارة بين عشرة،
ج ١ ص ٧٤٥سيرا في كنف الله، ثم أقبل على من عنده يتعهدهم بالغداة والعشي كأنه راع من الرعاة يتوكأ على عصا ويردّد: ربذ، واها ولا خبزا.
-
ربذ، واها ولا لحما. ربذ، واها ولا مرقا.
-
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد، عن أبيه أسلم: أن عمر رضي الله عنه أذن لعمرو بن العاص رضي الله عنه في حمل الطعام والميرة من مصر إلى المدينة في بحر أيلة عام الرّمادة.
-
حدثنا عبد الملك بن عمرو قال، حدثنا مالك، عن زيد ابن أسلم، عن أبيه قال، قال عمر رضي الله عنه : ارفقوا بهم ولا تكثروا عليهم؛ فإنما هم بمنزلة اليبيس إن رفقت به استمتعت به، وإن خرقت به كسرته - أو كلام هذا معناه.
-
حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا محمد ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن يزيد بن جرير، عن ابن أبي ذباب: أن عمر رضي الله عنه ترك الناس عام الرمادة لم يأخذ منهم الصدقة، فلما كان العام المقبل أرسل إليهم فأخذ عقالين، فقسم فيهم عقالا وحطّ إلى عمر رضي الله عنه عقالا (١) .
-
حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الأعمش، عن المغيرة بن سويد قال: خرجنا مع عمر رضي الله عنه حجّاجا، فلما قدمنا المدينة أتى بمال فقسمه بين فقراء المهاجرين،
ج ١ ص ٧٤٦ثم قال: «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة، فأعطاهم الشفعتين كلتيهما، والذي نفسي بيده لولا أنّ الله أغناكم بخزائن من عنده لجعلت آتي الرجل فآخذ فضل ماله من عنده فأقسمه بين فقراء المهاجرين.