(باب تواضع عثمان بن عفان رضي الله عنه
١٦٢ فقرة، ج ١ ص ١٠١٧
الصفحة ٥ من ٥
- ج ١ ص ١٠٨٦
* حدثنا علي بن محمد، عن أبي دأب قال: قدم عبد الملك المدينة وهو غضبان على أهلها، فصلى بهم صلاة الصبح، فقرأ بهم في الركعة الأولى «الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ» (١) و «إِذا زُلْزِلَتِ» وقرأ في الركعة الثانية سورة الفتح، و «إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ» (٢) ثم خرج وعليه جبّة خزّ، وكنا بين يديه نسمعه عابسا قد حفّت به الحراب، وأهل المدينة يسبّحون، فقال: يا أهل المدينة، مالكم تسبحون كأنكم أنكرتم دخولنا المسجد؟ أما والله لو قتلتكم في نواحيها لرأيتكم حلالا، الحمد لله الذي أذلّكم بعد عزّكم ووضعكم بعد ارتفاعكم وأنزل بكم بأسه الذي لا يردّه عن القوم المجرمين، إنما مثلكم مثل القرية التي ضرب الله مثلها «قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» (٣)
- ج ١ ص ١٠٨٧
فقام إليه محمد بن عبد الرحمن بن عبد القارئ (١) قال: قلت:
والله على (٢) الباطل وعلى منبر رسول الله ﷺ ، اقرأ الآية التي بعدها «وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ» (٣) أفنحن كذبناه؟ لا والله ولكن نصرناه وعزرناه. فقال عبد الملك: اسكت لا سكتّ، أما والله لئن قام الثاني لأضربن عنقه، يا أهل الشام إن أبا هذا كان رجلا صالحا. قال (ثم تلا قوله تعالى (٤) «وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً» (٥) إلى آخر الآية، قم يا ابن مصقلة، فبيّن لهم فقام فقال: يا أهل المدينة، شاهت الوجوه، أنتم والله أخبث الناس أنفسا وأخبث حجرا ومدرا، أنت يا ابن قينة … (٦) لعنة الله عليك إنما كانت أمك تصعد خبوبا وتبرك تسوّلا تتلقّى الركبان. فوضع عبد الملك يده عليه (وقال له يا ابن عبد قد رأيت ما صنعت، وقد عفوت ذلك عنك، وإياك أن تفعلها بوال بعدي فأخشى ألا يحمل لك ما حملت (٧) يا محمد بن عبد الرحمن تعال ويلك أما تركت حماقتك؟ قال! وعهدتني أحمق؟ قال: لا ولكن عهدتك عاقلا لبيبا، ولكن أمنت أن أقتلك غضبان فيضرك، وأندم راضيا فلا ينفعك. قال: فقد وقى الله شرّ ذلك، بهذا نحن نتكلم فما أدخل
ج ١ ص ١٠٨٨هذا الأعرابي بيننا؟ قال: أحببت أن أكفى. وقال: فكيف رأيت رفقي؟! (ثم (١) قال: ويحكم يا أهل المدينة، أنتم والله أحب الناس إليّ، ولو صلحتم أحبّ إليّ من نفسي. حدّثني حديث أبيك وعثمان حين دخل عليكم (عليّ (٢) . قال: حدثني أبي أن عثمان أرسل إليه وإلى عبيد الله بن عديّ وعبد الله بن حنظلة فقال: إنكم محببون في قومكم منظور إليكم. فقال عبيد الله: دعوتنا لأمر لم ننظر فيه قبل: فمر لنا بكتاب نكتب فيه ما تريد. فدعا له بصحيفة ودواة، فجلسوا يكتبون، فدخل عليّ رضي الله عنه فقال:
يا عثمان، ما هذا المنحى، أبإذنك أم دونك؟ قال: كل ذاك بإذني ودوني. قال: أما إنهم نعم الفتية، ثب إلى الله يثب عليك. قال:
ما فعلت إلا حقا، أتريد أن تقرّرني وتشهد عليّ؟ قال: أنت وذاك، أنت إذن أمّ باطل. قال: قد عرفتها في امرأة فركت (٣) زوجها فقتلت نفسها، لك مثل السوء، إليّ تضرب الأمثال، ولله المثل الأعلى. قال عبد الملك: أكنتم تعدّونه حليما؟ قال: وفوق ذلك (٤) .