(حركة أهل الكوفة ومسيرهم إلى عثمان رضي الله عنه

١٨ فقرة، ج ١ ص ١١٤٠

  1. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا سعيد بن محمد الوراق، عن إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر قال: بلغ عثمان رضي الله عنه أن ناسا من أهل الكوفة يقعون فيه، ويقولون فيه الباطل. فكتب إليهم: إنه بلغني عنكم أمر لا يحلّ لكم، فمن كان منكم قال ما لا يحلّ له فليقيّد نفسه، قال: فقيد أولئك أنفسهم، فكان في الحيّ رجل منهم يقال له النعمان بن فلان - أو فلان بن النعمان - يحضر الصلاة مقيّدا شهرا، فكتب إليهم عثمان رضي الله عنه :

    أن حلّوا أنفسكم يغفر الله لي ولكم.

    ج ١ ص ١١٤٠
  2. * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة، عن ابن عيينة، عن بعض أصحابه قال: كتب عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أهل الكوفة: من كان له قبلي حق فليقدم فليأخذ بحقه، أو تصدّقوا فإن الله يجزي المتصدقين، فلم أر يوما أكثر شيخا باكيا من يومئذ.

  3. * حدثنا علي بن محمد، عن أبي محنف، عن عبيد بن محصن،

    ج ١ ص ١١٤١عن أبيه قال: كتب سعيد بن العاص إلى عثمان رضي الله عنه :

    إن قبلي قوما يدعون القراء، وهم سفهاء؛ وثبوا على صاحب شرطتي فضربوه ظالمين له، وشتموني، واستخفّوا بحقي؛ منهم عمرو ابن زرارة، وكميل بن زياد، ومالك بن الحارث، وحرقوص ابن زهير، وشريح بن أوفى، ويزيد بن مكنّف، وزيد وصعصعة ابنا صوحان، وجندب بن زهير. فكتب عثمان رضي الله عنه إلى الذين سماهم: أن يأتوا الشام ويغزوا مغازيهم، وكتب إلى سعيد:

    إني قد كفيتك مئونتهم فأقرئهم كتابي فإنهم لا يخالفون إن شاء الله، وعليك يتقوى الله وحسن السّيرة. فأقرأهم سعيد الكتاب، فشخصوا إلى دمشق، فأكرمهم معاوية، وقال لهم: إنكم قدمتم بلدا لا يعرف أهله إلا الطاعة، فلا تجادلوهم فتدخلوا الشك قلوبهم.

    فقال عمرو بن زرارة، والأشتر: إن الله قد أخذ على العلماء موثقا أن يبيّنوا علمهم للناس، فإن سألنا سائل عن شيء نعلمه لم نكتمه.

    فقال معاوية: قد خفت أن تكونوا مرصدين للفتنه، فاتقوا الله ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا فيه. فحبسهما معاوية رضي الله عنه . فقال له زيد بن صوحان: ما هذا؟ إن الذين أشخصونا إليك من بلادنا لم يعجزوا عن حبسنا لو أرادوا ذلك؛ فإن كنا ظالمين فنستغفر الله ونتوب إليه، وإن كنا مظلومين فنسأل الله العافية.

    فقال معاوية رضي الله عنه : إني لأحسبك امرأ صالحا، فإن شئت أذنت لك أن تأتي مصرك، وكتبت إلى أمير المؤمنين أعلمه إذني لك.

  4. فقال أخشى أن تأذن لي وتكتب إلى سعيد. فلما أراد الشخوص كلّمه في الأشتر وعمرو بن زرارة فأخرجهما، فأقاموا لا يرون أمرا

    ج ١ ص ١١٤٢يكرهونه. وبلغ معاوية أن قوما يأتونهم فأشخصهم إلى حمص، فكانوا بها حتى اعتزم أهل الكوفة على إخراج سعيد فكتبوا إليهم فقدموا (١) .

  5. * حدثنا علي، عن عبد الأعلى بن سليمان العبدي، عن يونس بن أبي إسحاق الهمذاني قال: كتب ناس من وجوه أهل الكوفة ونسّاكهم؛ منهم معقل بن قيس الرّياحيّ، ومالك بن حبيب، وعبد الله بن الطّفيل العامري، وزياد بن حفص التّميمي، ويزيد بن قيس الأرحبيّ، وحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وسليمان بن صرد، وزيد بن حصن الطائي، وكعب بن عبدة النّهدي إلى عثمان - ولم يسم أحد نفسه في الكتاب إلا كعب - أن سعيد بن العاص كثّر عندك على قوم من أهل الفضل والدين فحمّلك من أمرهم على ما لا يحل، وإنا نذكّرك الله في أمّة محمد.

  6. فإنك قد بسطت يدك فيها، وحملت بني أبيك على رقابها، وقد خفنا أن يكون فساد هذه الأمة على يديك، فإن لك ناصرا ظالما، وناقما عليك مظلوما، فمتى نقم عليك الناقم، ونصرك الظالم تباين الفريقان، واختلفت الكلمة؛ فاتق الله فإنك أميرنا ما أطعت الله واستقمت. وبعثوا بالكتاب مع أبي ربيعة العنزي. فقال له عثمان رضي الله عنه : من كتب هذا الكتاب؟ قال: صلحاء أهل المصر. قال: سمّهم لي. قال: ما أسمّى لك إلا من سمّى نفسه.

  7. فكتب عثمان رضي الله عنه إلى سعيد: انظر ابن ذي الحبكة فاضربه عشرين سوطا، وحول ديوانه إلى الرّيّ. فضربه سعيد عشرين سوطا وسيّره إلى جبل دنباوند (١) . فقال كعب بن عبدة؛

    أترجو اعتذاري يا ابن أروى ورجعتي … عن الحق قدما غال حلمك غول

    وإن دعائي كلّ يوم وليلة … عليك لما أسديته لطويل

    وإنّ اغترابي في البلاد وجفوتي … وشتمي في ذات الإله قليل

    فبلغ عثمان رضي الله عنه الشعر، فكتب إلى سعيد: قد خفت أن أكون قد احتملت في ابن ذي الحبكة حوبة، فسرّح إليه من يقدم به إليك، ثم احمله إليّ. فبعث سعيد بكير بن حمران الأحمري - وهو الذي كان ذهب به - فردّه، ثم أشخصه إلى عثمان رضي الله عنه ، فقال له عثمان رضي الله عنه : يا أخا بني نهد، والله لئن كان لكم عليّ حق إن لي عليكم لحقّا، وقد كانت مني طيرة فكتبت إلى سعيد آمره أن يضربك عشرين سوطا، وأنا أستغفر الله، فإن شئت تقتصّ فاقتص. قال: أقتصّ. فنزع عثمان رضي الله عنه قميصه وقعد بين يديه وأعطاه السوط، فقال: قد عفوت يا أمير المؤمنين وتركت ذلك لله. فلما قدم الكوفة لامه .... (٢)

    ج ١ ص ١١٤٣
  8. قومه وقالوا: ما منعك أن تقتص؟ قال: سبحان الله!! والي المسلمين أقاد من نفسه، ولو شاء لم يفعل، أقتص منه عند توبته؟! ما كنت لأفعل (١) .

    ج ١ ص ١١٤٤
  9. * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن زيد بن تبيع قال: تجهّز ناس من بني عبس إلى عثمان رضي الله عنه ليقاتلوه، فقال حذيفة: ما سعى قوم ليذلّوا سلطان الله في الأرض إلا أذلّهم الله في الدنيا قبل أن يموتوا (٢) .

  10. * حدثنا أبو عاصم النبيل قال، حدثنا كثير بن كثير - رجل من بني تميم لم يكن في ذلك العصر رجل خير منه - قال، حدثني ربعي بن خراش: أنه انطلق إلى حذيفة رضي الله عنه ، وذلك زمان خرج الناس إلى عثمان رضي الله عنه فقال: يا ربعي أخبرني عن قومك، هل خرج منهم أحد؟ قال: نعم، فسمّى له نفرا، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من خرج من الجماعة - قال أبو عاصم مرة - مستذلا للإمارة - وقال مرة فاستذلّ الإمارة - لقي الله يوم القيامة لا وجه له.

  11. * حدثنا حيان بن بشر، عن يحيى بن آدم قال، حدثنا حفص، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد بن علاقة قال: أراد الناس أن يخرجوا إلى عثمان رضي الله عنه حين أنكروه، فجاءت فجاءت بنو عبس إلى حذيفة فقال: لا تفعلوا؛ فإني سمعت رسول الله

    ج ١ ص ١١٤٥ﷺ يقول: إن أول عصابة تسير إلى سلطان لتذلّه لا يكون لهم يوم القيامة وزن.

  12. * حدثنا علي بن محمد، عن أبي اليمان الحذيفي، عن أبيه - أو عمن حدثه - عن سعد بن حذيفة قال: سار أهل الكوفة إلى عثمان رضي الله عنه ، فقال حذيفة: أما إنهم إن تناولوا محجما من دم ثار الشّرّ بينهم فاستبدلوا بذلك أضغانا وأهواء متفرّقة وذلاّ إلى يوم القيامة، فإن كان فعله لله رضى فسيستحلبون به لبنا وإن لم يكن لله رضى فسيستحلبون به دما (١) .

  13. * حدثنا علي، عن إسرائيل بن قادم قاضي المدائن، عن عبد الله ابن حسن قال: قدم نهارة النّخعيّ أبو عمرو بن زرارة على رسول الله ﷺ في وفد النخع فقال: يا رسول الله إني رأيت في طريقي رؤيا هالتني. قال: ما هي؟ قال: رأيت أتانا خلّفتها في أهلي ولدت جديا أسفع أحوى، ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، وهي تقول: لظى لظى، بصير وأعمى. فقال النبي ﷺ : هل خلّفت في أهلك أمة مسرّة حملا؟ قال:

    نعم. قال: فقد ولدت غلاما، وهو ابنك. قال: فما باله أسفع أحوى؟ قال: اذن منّي، أبك برص تكتمه؟ قال: والذي بعثك بالحق ما علمه أحد قبلك. قال: فهو ذلك، وأما النار فإنها فتنة تكون بعدي. قال: وما الفتنة؟ قال: يقتل الناس إمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس - وخالف بين أصابعه - دم المؤمن

    ج ١ ص ١١٤٦أحلّ من الماء، يحسب المسيء أنّه محسن، إن متّ أدركت ابنك، وإن مات ابنك أدركتك. قال: فادع الله ألا تدركني، فدعا له.

    قال أبو الحسن، عن أشياخه، وزاد فيه: ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملوجان (١) ومسكتان (٢) قال: ذلك ملك العرب يصير إلى أفضل (زينته وبهجته. قال يا رسول الله (٣) :) ورأيت عجوزا شمطاء خرجت من الأرض. قال: تلك فتنة الدنيا (٤) .

  14. * حدثنا عليّ، عن أبي إسماعيل الهمداني، عن الكلبي، عن كميل بن زياد النّخعي قال: أوّل من دعا إلى خلع عثمان رضي الله عنه عمرو بن زرارة.

  15. * حدثنا علي، عن سلمة بن محارب، عن عوف الأعرابي، قال: قدم عبد الله بن عامر من المدينة حين ردّ عثمان رضي الله عنه عمّاله إلى أمصارهم، فكان ليّن الجناح متردّدا؛ مرّ برجل يحرّش بين الأشراف، فأجرى الخيل، فسبقه حكيم بن جبلة (٥) ، فغضب

    ج ١ ص ١١٤٧فأخذ خيلا كانت له بفارس، فغضب حكيم فجعل يعيب عثمان.

  16. ورزق ابن عامر الناس طعاما أصابته السماء فتغيّر، فحمله قوم إلى عثمان وشكوا ابن عامر، فلم يعرض له، فتغيّر الناس لعثمان رضي عنه: وقالوا: عزل أبا موسى وولى ابن عامر (١) .

  17. * حدثنا علي، عن عامر بن حفص، عن أشياخه: أن نفرا من أهل البصرة خرجوا إلى عثمان رضي الله عنه عليهم حكيم بن جبلة، وفيهم سدوس بن عبس، ورجل من بني ضبيعة يقال له مالك (٢) .

  18. انتهى الجزء الثالث من تاريخ المدينة المنورة لابن شبة، ويليه الجزء الرابع - الأخير - ان شاء الله، وأوله عنوان «رجوع أهل مصر بعد شخوصهم» . (٣)