مقدمة التحقيق
١٬٤٤٣ فقرة، ج ١ ص ٥
الصفحة ١٢ من ٣٧
- ج ١ ص ١٥٧
ذكر أبو الفضلِ بنُ طاهر (٣) نسبةَ «الحَنْظَلي» فقال: «الحنظليُّ، والحنظليُّ: الأوَّلُ منسوبٌ إلى القبيلةِ، وفيهم كثرة. الثاني منسوبٌ إلى دَرْبِ حَنْظَلَةَ بالري، منهم أبو حاتمٍ محمَّدُ بنُ إدريسَ بنِ المنذر الحنظليُّ، وابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم، ودارُهُ ومسجدُهُ في هذا
ج ١ ص ١٥٨الدَّرْبِ رأيتُهُ ودخلتُهُ. وسمعتُ أبا عليٍّ الشافعيَّ يقول: أخبرنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ أحمدَ البَزَّازُ في المسجدِ الحرامِ، حدَّثنا أبو الحسينِ عليُّ بنُ إبراهيمَ الرازيُّ، سمعتُ أبا محمَّد عبد الرحمن ابن أبي حاتم قال: قال أبي: نحنُ مِنْ موالي تميمِ بنِ حَنْظَلَةَ مِنْ غَطَفان. والاعتمادُ على هذا أولى، والله أعلم» .
-
قال ياقوتُ الحَمَوِيُّ (١) متعقِّبًا هذا القولَ بعد أنْ حكاه: «وهذا وَهَمٌ، ولعلَّه أراد: حنظلة بن تَمِيم، وأمَّا غَطَفان فإنه لا شَكَّ في أنه غلَطٌ؛ لأنَّ حنظلة هو: حنظلةُ بنُ مالكِ بنِ زيدِ مَنَاةَ بنِ تَمِيم، وليس في ولده مَنِ اسمُهُ تَمِيمٌ، ولا في وَلَدِ غَطَفانَ بنِ سعدِ بنِ قيسِ بنِ عَيْلانَ مَنِ اسمُهُ تميمُ بنُ حنظلةَ البَتَّةَ، على ما أجمَعَ عليه النسَّابون؛ إلا حنظلةَ بنَ رَوَاحةَ بنِ ربيعةَ بنِ مازنِ بنِ الحارثِ بنِ قَطِيعةَ بنِ عَنْسِ ابن بَغِيض بن رَيْث بن غَطَفان، وليس له ولَدٌ غيرُ غَطَفان، وليس في ولدِ غَطَفان مَنِ اسمُهُ تميمٌ، والله أعلم» .
- مولده:
-
قال الخليلُ الحافظُ (٢) : «سمعتُ القاسمَ بن عَلْقمةَ يقولُ: سَمِعْتُ ابنَ أبي حاتم يقول: وُلِدتُّ سَنَةَ أربعين ومئتين» .
- نشأتُهُ وطلبُهُ للعِلْمِ وصبرُهُ فيه:
-
كان مِنْ عادةِ سَلَفِ الأمة تربيةُ أبنائهم على تقديمِ القرآنِ والعنايةِ به قَبْلَ العلومِ الأخرى، وهذا ما فعلَهُ أبو حاتمٍ الرازيُّ بابنه عبد الرحمن؛ كما أخبَرَ هو عن نفسِهِ:
قال أبو الحسنِ عليُّ بنُ إبراهيم الرازيُّ الخطيبُ - في ترجمةٍ عَمِلَها لابن أبي حاتم (١) -: سمعتُ عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: «لَمْ يَدَعْنِي أبي أَشْتغِلُ بالحديثِ، حتى قرأْتُ القرآنَ على الفَضْلِ بنِ شاذانَ الرازيِّ، ثم كَتَبْتُ الحديثَ» . اهـ.
-
ثم بعد أن فرَغَ عبدُالرحمنِ مِنْ قراءةِ القرآنِ على ابن شاذان، بدأ في طلبِ الحديث، بمعونةِ أبيه وأبي زُرْعة، وكان مِنْ نِعَمِ اللهِ عليه أنْ رزقَهُ بهذَيْنِ الإمامَيْنِ اللَّذيْنِ عُنِيَا به، وسلَكَا به طريقَ الطلب على بصيرةٍ.
قال الرافعيُّ القَزْوِينيُّ (٢) : وَصَفَ الحافظُ إسماعيلُ بنُ محمد الأصبهانيُّ الإمامَ أبا محمَّد، فقال: «تربَّى بالمذاكراتِ مع أبيه وأبي زُرْعة؛ كانا يَزُقَّانِهِ كما يُزَقُّ الفَرْخُ الصغيرُ (٣) ، ويُعْنَيَانِ به، ورحَلَ مع أبيه، فأدرَكَ ثقاتِ الشيوخِ بالحجاز والعراق والثغور، وعرَفَ الصحيحَ
ج ١ ص ١٦٠من السقيم، ثم كانتِ الرحلةُ الثانيةُ بنفسِهِ بعد تمكُّنِ معرفتِهِ» .
-
وروى الحافظُ ابنُ عساكر (١) نحوَ هذه العبارة مِنْ طريقِ أبي الحَسَن عليِّ بن إبراهيم الرازيِّ الخطيبِ؛ قال: سمعتُ أبا بكرٍ محمَّدَ ابنَ عبد اللهِ البغداديَّ بمكة يقول: «كان مِنْ مِنَّةِ الله على عبد الرحمن أنه وُلِدَ بين قَمَاطِرِ (٢) العلمِ والرواياتِ، وتَرَبَّى بالمذاكراتِ مع أبيه وأبي زُرْعة، فكانا يَزُقَّانِهِ كما يُزَقُّ الفَرْخُ الصغير، ويُعْنَيَانِ به، فاجتمَعَ له مع جوهر نفسه: كثرةُ عنايتهما، ثم تَمَّتِ النعمةُ بِرِحْلته مع أبيه، فأدرَكَ الإسنادَ وثقاتِ الشيوخِ بالحجاز والعراق والشام والثغور، وسُمِعَ بانتخابِهِ حين عرَفَ الصحيح من السقيم، فترعْرَعَ في ذلك، ثم كانت رحلتُهُ الثانيةُ بنفسه بعد تمكُّنِ معرفته، يُعْرَفُ له ذلك، وتقدَّمَ بحُسْنِ فهمِهِ وديانتِهِ وقديمِ سلفه» .
-
وكان أبوه حريصًا على تربيتِهِ وتوجيهِهِ واصطحابِهِ معه في الرحلةِ في طلبِ الحديث، وكان عبد الرحمن خيرَ مثالٍ لطاعةِ الوالدِ والأَخْذِ بتوجيهه.
قال أحمدُ بنُ يعقوبَ الرازيُّ (٣) : سمعتُ عبد الرحمن بن أبي حاتمٍ الرازيَّ يقول: «كنتُ مع أبي في الشامِ في الرِّحْلة، فدخلْنَا مدينةً، فرأيتُ رجلاً واقفًا على الطريقِ يَلْعَبُ بِحَيَّةٍ ويقول: مَنْ يَهَبُ
ج ١ ص ١٦١لي دِرْهَمًا حتى أَبْلَعَ هذه الحيةَ؟ فالتفَتَ إليَّ أبي، وقال: يا بُنَيَّ، احفظْ دراهمَكَ؛ فمِنْ أجلها تُبْلَعُ الحَيَّاتُ!» .
-
وسيأتي كيف أنه أجهَدَ نفسَهُ في السماعِ في إحدى رحلاتِهِ لِيَلْحَقَ وَعْدَ أبيه لا يُخْلِفه؛ لأنَّ أباه أَذِنَ له في الرِّحْلة بنفسه إلى وقت حدَّده.
-
وكان عبد الرحمن يرافقُ أباه في الرِّحْلة، ويكتُبُ الحديثَ عن الشيوخ؛ ولذا نجده كثيرًا ما يقولُ في بعضِ التراجم: «كتبتُ عنه مع أبي» (١) .
- حرصُهُ على الطَّلَبِ، وجِدُّهُ فيه:
-
ظهرَتْ نَجَابةُ عبد الرحمن في إدراكِهِ شَرَفَ الوقت، وقيمةَ الزمن، فبلَغَ من الحِرْص على استغلالِ ساعات العمر - مِنْ أبيه وغيرِهِ من مشايخه - مبلغًا يُثِيرُ الدَّهْشة، وتَحَارُ له العقول، فلم يكنْ يضيِّع وقتَ الأكل، أو المشي، أو دخولِ البيت لحاجةٍ طارئة، حتى وَقْت قضاء الحاجة كان يُحْسِنُ استغلالَهُ، بل ساعاتُ المَرَض، ودُنُوِّ الوفاة، واشتدادِ الكَرْب! وفيما يلي ذِكْرٌ لبعض ما كان يجري له في ذلك:
فقد روى ابن عساكر (٢) من طريق أبي الحَسَنِ عليِّ بن إبراهيم الرازي؛ قال: سمعتُ أحمدَ بن علي الرَّقَّام يقول: سمعتُ الحسَنَ بنَ
ج ١ ص ١٦٢الحسين الدَّرَسْتِيني يقول: سمعتُ أبا حاتم يقول: قال لي أبو زُرْعة: ما رأيتُ أحرَصَ على طلبِ الحديثِ منك يا أبا حاتم! فقلتُ: إنَّ عبد الرحمن لحريصٌ، فقال: مَنْ أشبَهَ أباه فما ظَلَم!
قال الرَّقَّام: سألتُ عبد الرحمن عن اتفاقِ كَثْرة السماعِ له، وسؤالاتِهِ من أبيه؟ فقال: ربَّما كان يأكُلُ وأقرَأُ عليه، ويمشي وأقرَأُ عليه، ويدخُلُ الخلاءَ وأقرَأُ عليه، ويدخُلُ البيتَ في طلب شيءٍ وأقرَأُ عليه.
قال علي بن إبراهيم: وبَلَغني أنه كان يَسْأَلُ أباه أبا حاتم في مرضِهِ الذي تُوُفِّيَ فيه عن أشياءَ من عِلْمِ الحديث وغيره، إلى وقتِ ذَهَابِ لسانه، فكان يُشِيرُ إليه بِطَرْفِهِ: نعم، و: لا.
-
وكان حِرْصُهُ على وقتِهِ يدفعُهُ أحيانًا إلى تركِ لذيذِ الطعام، والاكتفاءِ بما يُقِيمُ صلبه؛ كما أخبَرَ هو عن نفسه:
قال أبو الحسن عليُّ بن إبراهيم الرازيُّ الخطيبُ في ترجمته لعبد الرحمن بن أبي حاتم (١) : وسمعتُ عليَّ بن أحمَدَ الخُوَارَزْمِيَّ يقول: سمعتُ عبد الرحمن يقول: «كنا بِمِصْرَ سبعةَ أشهُرٍ لم نأكُلْ فيها مَرَقَةً، نهارَنَا ندورُ على الشيوخِ، وبالليلِ نَنْسَخُ ونُقَابِلُ، فأتينا يومًا - أنا ورفيقٌ لي - شيخًا، فقالوا: هو عَلِيلٌ، فرأينا في طريقنا سَمَكًا
ج ١ ص ١٦٣أعجَبَنَا، فاشتريناه، فلمَّا صِرْنَا إلى البيتِ حضَرَ وقتُ مجلسِ بعضِ الشيوخ، ولم يُمْكِنَّا إصلاحُهُ، فمضينا إلى المَجْلِسِ فلم يَزَلِ السَّمَكُ ثلاثةَ أيامٍ وكاد أن يتغيَّر، فأكلناه نِيْئًا لم نتفرَّغْ نشويه» ، ثم قال: «لا يُستطاعُ العِلْمُ براحةِ الجَسَد!» .
-
وكان يسمعُ من الشيوخِ ويكتُبُ عنهم في أماكنَ شتَّى، حتى في الطريق؛ فقد قال أبو نُعَيْم (١) : «حدَّثنا عبد الرحمن بن محمَّد بن حَمْدان؛ ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم؛ ثنا أبو بِشْرٍ أحمدُ بنُ حَمَّاد الدُّولَابِيُّ في طريقِ مِصْر؛ ثنا أبو بكر بن إدريس وَرَّاقُ الحُمَيْدي ... » ، ثم ذكَرَ قولاً للإمامِ الشافعيِّ.
-
ويقولُ عبد الرحمن في ترجمتِهِ لمحمَّد بن حَمَّاد الطِّهْراني (٢) : «سمعتُ منه مع أبي بالرَّيِّ، وببغدادَ، وإِسْكَنْدرية، وهو صدوقٌ ثقةٌ» .
-
وبلَغَ مِنْ حِرْصِ عبد الرحمن أيضًا أنه كان إذا سَمِعَ بالشيخِ كتَبَ حديثَهُ قبل أن يأتيه، ثم يَسْمَعُهُ منه، وقد لا يتمكَّنُ من السماعِ منه؛ كما نصَّ على ذلك مرارًا؛ ومِنْ ذلك قوله في ترجمة محمد بن خُشَيْش الجُعْفي (٣) : «كَتَبْنا فوائدَه في سنة ست وخمسين ومئتين لنسمعَ مِنْهُ، فَلَمْ يُقْضَ لنا السماعُ منه، وهو صدوق» .
- ج ١ ص ١٦٤
وكان أهلُ العِلْمِ يَعْرِفون لعبد الرحمن حِرْصَهُ وفَضْله ومكانته، فكانوا يُكاتبونه بمرويَّاتهم وأخبارهم؛ فهذا الحافظُ الثقةُ أبو الحسين أحمدُ بن سليمان الرُّهَاويُّ قد أجاز لعبد الرحمن بن أبي حاتم أحاديثَ كَتَبَ بها إليه (١) ، ومِثْلُ هذا كثيرٌ في تراجمِ شيوخِهِ.
- رِحْلَاتُهُ:
-
من الواضحِ أنَّ عبد الرحمنِ قد تأثَّر بأبيه وبالجَوِّ السائدِ في عصرهم؛ من الاهتمامِ بأمرِ الرِّحْلة في الحديث؛ لطلبِ عُلُوِّ الإسناد، وليجمَعَ الْمُحَدِّثُ ما ليس عنده مِنَ الحديث. وكانوا يَعُدُّون الرِّحْلةَ في هذا السبيلِ دِينًا يتديَّنون به، ويَذُمُّونَ مَنْ لا يَعْبَأُ به.
قال عبد الله ابنُ الإمامِ أحمد بن حنبل: سمعتُ أبي يقول: «طلَبُ عُلُوِّ الإسنادِ من الدين» (٢) .
وقال أيضًا: سألتُ أبي _ح عمَّن طلَبَ العِلْمَ: تَرَى له أنْ يَلْزَمَ رجلاً عنده عِلْمٌ فيكتبَ عنه؟ أو ترى أنْ يَرْحَلَ إلى المواضعِ التي فيها العلم فيَسْمَعَ منهم؟ قال: «يَرْحَلُ؛ يكتبُ عن الكوفيين، والبصريين، وأهل المدينة، ومكة والشام؛ يُشَامُّ الناسَ (٣) ، يَسْمَعُ منهم» (٤) .
ج ١ ص ١٦٥وقال جعفر الطَّيَالسي: سمعتُ يَحْيَى بنَ مَعِين يَقُولُ: «أربعةٌ لا تُؤْنِسُ منهم رُشْدًا: حارسُ الدَّرْبِ، ومنادي القاضي، وابنُ المحدِّثِ، ورجلٌ يَكْتُبُ في بلده ولا يَرْحَلُ في طلب الحديث» (١) .
-
وقد اختصَرَ الذهبيُّ _ح حالَ عبد الرحمن في الرِّحْلةِ بقوله (٢) : «هو الإمامُ ابنُ الإمام، حافظُ الرَّيِّ وابنُ حافظها، رحَلَ مع أبيه صغيرًا، وبنفسه كبيرًا، وسمع أباه وابن وَارَةَ وأبا زُرْعة ... وخَلْقًا كثيرًا بالحجاز والشام ومِصْرَ والعراقِ والجبال (٣) والجزيرة» .
-
ويحكي لنا عبد الرحمن أنه كان يرافقُ أباه في الرحلةِ، فيقول: «أخرجني أبي- يعني: رحَلَ بي - سنةَ خمسٍ وخمسين ومئتين، وما احتلَمْتُ بعدُ» (٤) .
-
وتقدَّم نَقْلُ قولِ الحافظِ إسماعيلَ بنِ محمَّد الأصبهانيِّ وقولِ أبي بَكْر محمدِ بن عبد الله البغداديِّ: « ... ثم تمَّتِ النعمةُ بِرِحْلته مع أبيه، فأدرَكَ الإسنادَ وثقاتِ الشيوخ بالحجاز والعراق والشام والثغور ... ثم كانتْ رحلتُهُ الثانيةُ بِنَفْسه بعد تمكُّنِ معرفته» .
- ج ١ ص ١٦٦
وأرشدَنَا تاريخُ سماعه مِنْ شيوخه إلى أنَّ أوَّلَ رحلةٍ له كانتْ سنة أربعٍ وخمسين ومئتين؛ ففي "الجرح والتعديل" (١) ترجَمَ ابنُ أبي حاتم لأحد شيوخه، فقال: «محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن أبي الثَّلْج البغداديُّ ... كتبتُ عنه مع أبي - وهو صدوقٌ - في سنة أربع وخمسين ومئتين» .
-
والأصلُ في مِثْلِ هذه الحال: أن يكونَ السماعُ في بلد الشيخ؛ فيكونُ عبد الرحمن ارتحَلَ مع أبيه إلى بغداد، إلا أنْ يكونَ ابنُ أبي الثَّلْجِ هو الذي ارتحَلَ إلى الرَّيِّ حيث يُقِيمُ أبو حاتم، وهذا يحتاجُ إلى دليلٍ.
-
وقد أدرَكَ عبد الرحمن أهميةَ الرِّحْلة؛ فرَغِبَ في الرحلة بنفسه، وجرى له في ذلك ما حدَّثنا هو عن نفسه؛ قال تلميذُه عليُّ بن إبراهيم الرازيُّ الخطيب (٢) : وسمعتُ عبد الرحمن يومًا يقول: «لا يُستطاعُ العِلْمُ براحة الجسم!» .
-
وتقدَّمَتْ قصةُ انشغالِهِ هو ورفيقُهُ الخراسانيُّ عن الطعام مدةً؛ بسببِ حضورهم مجالسَ سماعِ العِلْم؛ قال عليُّ بن إبراهيم بعد ذِكْرِ القصة: «وكان هذا في الرحلة الثانية (٣) ؛ وذلك أنه استأذن أباه وتشفَّعَ
ج ١ ص ١٦٧إليه بأبي زُرْعة أن يأذنَ له في الرِّحْلة، فلم يَأْذَنْ له حتى أَلَحَّ عليه، ولم يكنْ لأبي حاتم في هذا الوقتِ وَلَدٌ إلا عبد الرحمن، وكان له أولادٌ قبله، فماتوا، فلم تَطِبْ نفسُهُ أن يَأْذَنَ له، ثم أَذِنَ له، وشرَطَ عليه إلى وقتِ كذا، وينصرِفُ إليه في وقتِ كذا. فرحَلَ ودخَلَ مصر ومشايخُ مِصْرَ متوافرون. قال: وعندي أنه كان في اثنتين وستين مثلُ يونسَ بنِ عبد الأعلى، وبَحْرِ بن نَصْر، وابنِ عبد الحكم، والمُزَنِيِّ، والربيعِ، وغيرِهم، ومشايخُ إسكندرية: محمد بن عبد الله ابن ميمون وغيرهم، فأجهَدَ نفسَهُ في السماعِ ليلحقَ وَعْدَ أبيه لا يخلفُهُ، فرُزِقَ السماعَ الكثيرَ، مِثْلُ كُتُبِ ابن وَهْب بأسرها، وكُتُبِ الشافعيِّ _ح، وحديثِ سائر الشيوخ وفوائدهم، ثم خَرَجَ من مصر» .
وقال علي بن إبراهيم أيضًا: سمعتُ أبا بكر المُفِيدَ البغداديَّ يقول: «لقد اتفَقَ لعبد الرحمن في رِحْلته من السماع في مدةٍ يسيرةٍ ما يَعْجِزُ عن جمعِه غيرُهُ أن يَكْتُبَ في سنين، ودخَلَ بيروتَ والسواحلَ ودمشقَ والثغورَ» (١) .
-
عَدَدُ حَجَّاته ورِحْلاتِهِ:
كانتْ له حَجَّتان:
الأولى: مع أبيه سنةَ خَمْسٍ وخمسين ومئتين، وهي التي وصَفَ عبد الرحمن ما جرَى له فيها بقوله: «أخرجني أبي - يعني: رحَلَ بي -
ج ١ ص ١٦٨سنةَ خمسٍ وخمسين ومئتين، وما احتلَمْتُ بعدُ، فلمَّا أنْ بَلَغْنَا الليلةَ التي خَرَجْنَا فيها مِنَ المدينةِ نريدُ ذا الحُلَيْفة، احتلَمْتُ، فحكَيْتُ لأبي، فَسُرَّ بذلك، وقال: الحمدُ للهِ؛ حيثُ أدركْتَ حَجَّةَ الإسلامِ!» (١) .
-
وحَجَّته الثانية: مع محمَّد بن حَمَّاد الطِّهْراني في سنة سِتِّين ومئتين.
-
وكان له ثلاثُ رِحْلات:
الأولى: رِحْلتُهُ مع أبيه، سنةَ خَمْسٍ وخمسين ومئتين والسنةِ التي بعدها، وهي التي حَجَّ فيها حَجَّتَهُ الأولى. ولعلَّ بدايةَ رِحْلته هذه كانتْ في سنة أربع وخمسين ومئتين؛ حين سَمِعَ من محمَّد بن عبد الله بن إسماعيل بن أبي الثَّلْج البغدادي - كما تقدَّم - ثم استمرَّتْ به الرحلةُ إلى التاريخِ المذكور هنا.
-
والرحلة الثانية: بِنَفْسه، إلى مصر ونواحيها، والشامِ ونواحيها؛ في سنة اثنتين وستين.
-
والرحلةُ الثالثة: بنفسه أيضًا، إلى أَصْبَهان؛ إلى يونس بن حَبِيب، وأُسَيْد بن عاصم، وغيرهما، سنة أربع وستين (٢) .
-
ويبدو أنَّ رحلتَهُ الأولى مع أبيه هي أَشْهَرُ رحلاتِهِ.
- ج ١ ص ١٦٩
وكانت الرحلةُ الواحدةُ تَشْمَلُ عدةَ مدنٍ وقُرًى، كما كانت مدةُ إقامته تطولُ أحيانًا في بعضِ هذه المدن التي رحَلَ إليها؛ ومما يَدُلُّ على ذلك: قوله في ترجمة يونسَ بنِ عبد الأعلى الصَّدَفِيِّ المِصْريِّ (١) : « ... روى عنه أبي وأبو زُرْعة، وكتبْتُ عنه، وأقمْتُ عليه سبعةَ أشهرٍ» .
- البلدان التي رحَلَ إليها:
-
تقدَّم ذِكْرُ الأقاليمِ التي رحَلَ إليها ابنُ أبي حاتم، وهي: الحجازُ، والشام، ومِصْر، والعراق، والجبال، والجزيرة، والسواحل، والثُّغُور. وقد سَمِعَ في عددٍ مِنْ مدن هذه الأقاليمِ وغيرها: فمنها: مَكَّةُ، والمدينةُ؛ كما يتضحُ من النصِّ السابقِ في ذِكْرِ حَجَّته الأولى.
-
ومنها: بَغْدَادُ (٢) ، ووَاسِطٌ (٣) ، والكُوفةُ (٤) ، وحِمْصٌ (٥) ، والإِسْكَنْدَريةُ (٦) ، وأَصْبَهَانُ (٧) ، ووَهْبَنُ (٨) ، والسُّرُّ (٩) ، وحَدِيثةُ
ج ١ ص ١٧٠المَوْصِلِ (١) ، والرَّمْلةُ (٢) ، وأَيْلَةُ (٣) ، وسَامَرَّاءُ (٤) ، وقِرْمَاسِينُ (٥) ،
وقَزْوِينُ (٦) ، وهَمَذَانُ (٧) ، والنَّهْرَوَانُ (٨) ، وأَطْرَابُلُسُ (٩) ، وطَبَرِيَّةُ (١٠) ، وبَيْتُ المَقْدِسِ (١١) ، وغَزَّةُ (١٢) ، ودِمَشقُ (١٣) ، وبَيْرُوتُ (١٤) ، وحُلْوانُ
ج ١ ص ١٧١(١) ، والفَرَمَا (٢) ، وجَرْجَرَايَا (٣) .
- شُيُوخُهُ:
-
استطاع عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتم - مِنْ خلالِ هذه الجَوْلاتِ التي شَمِلَتِ العديدَ مِنَ المُدُنِ والأقاليمِ التي تقدَّم ذِكْرُ بعضها - أن يَظْفَرَ بِلُقِيِّ كثيرٍ من الشيوخ غيرِ أبيه وأبي زُرْعة، وكان في مقدورِهِ أن يَسْمَعَ مِنْ عددٍ أكثَرَ من هذا بكثيرٍ، لكنْ كان يَحْجِزُهُ الانتقاءُ؛ فهو لا يَرْغَبُ في السماعِ مِنْ مجروحٍ؛ أُسوةً بأبيه وأبي زُرْعة كما سيأتي.
-
وفيما يلي قائمةٌ بأسماءِ بعضِ هؤلاء الشيوخِ ممَّن وقفنا عليهم في مُخْتَلِفِ المصادر، وقد استبعدنا مَنْ رأيناهم ذُكِرُوا من شيوخِهِ على سبيل الوَهَمِ. وهم مُرتَّبون على حروفِ المُعْجَمِ، مع الإشارةِ للمصادر التي ذُكِرَ فيها اسْمُ ذلك الشيخ، وهم:
إبراهيم بن إدريس بن المُنْذِرِ الحَنْظَلِيُّ الرازيُّ (١) ، (وهو عم المصنِّف) .