مقدمة التحقيق
١٬٤٤٣ فقرة، ج ١ ص ٥
الصفحة ١١ من ٣٧
- ج ١ ص ١٤٧
يقولُ الحافظُ الخليلي (١) : «ذاكَرْتُ يومًا بعضَ الحفاظ، فقلت: البخاريُّ لم يخرِّجْ حمادَ بنَ سَلَمة في الصحيحِ وهو زاهدٌ ثقة! فقال: لأنه جمَعَ بين جماعةٍ مِنْ أَصْحَاب أنس، فيقول: حدَّثنا قتادة، وثابتٌ، وعبد العزيز بن صُهَيْب، وربَّما يخالَفُ في بعض ذلك، فقلت: أليس ابنُ وَهْب اتفقوا عليه وهو يَجْمَعُ بين أسانيد فيقول: حدَّثنا مالكٌ، وعمرو بنُ الحارث، والليثُ بنُ سَعْد، والأوزاعيُّ؛ بأحاديث، ويجمع بين جماعةٍ غيرهم؟ فقال: ابنُ وهب أتقَنُ لِمَا يَرْوِيه وأحفظُ له» .
-
وذكر ابن رجب (٢) كلامَ الخَلِيليِّ السابقَ، ثم علَّق عليه بقوله: «ومعنى هذا: أنَّ الرجُلَ إذا جمَعَ بين حديثِ جماعة، وساق الحديثَ
ج ١ ص ١٤٨سياقةً واحدة، فالظاهرُ أنَّ لفظهم لم يتفق، فلا يُقْبَلُ هذا الجمعُ إلا مِنْ حافظٍ مُتْقِنٍ لحديثه، يعرف اتفاقَ شيوخه واختلافهم، كما كان الزُّهْري يجمعُ بين شيوخٍ له في حديثِ الإِفْكِ وغيره.
-
وكان الجمعُ بين الشيوخ يُنْكَرُ على الواقديِّ وغيره ممَّن لا يضبطُ هذا؛ كما أُنْكِرَ على ابن إسحاق وغيره.
-
وقد أَنْكَرَ شعبةُ أيضًا على عَوْفٍ الأعرابي؛ قال ابن المَدِيني (١) : سمعتُ يحيى (٢) قال: قال لي شُعْبة في أحاديثِ عَوْف، عن خِلَاسٍ، عن أبي هريرة، ومحمَّد (٣) ، عن أبي هريرة إذا جمعهم، قال لي شُعْبة: ترى لَفْظَهُمْ واحدًا؟! قال ابن أبي حاتم (٤) : أي كالْمُنْكِرِ على عَوْف.
-
وكذلك أنكر يحيى بنُ مَعِين (٥) على عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العُمَري أنه كان يحدِّث عن أبيه وعمِّه، ويقول: مِثْلاً بِمِثْلٍ، سواءً بسواءٍ، واستَدَلَّ بذلك على ضَعْفه، وعَدَمِ ضبطه» . انتهى كلام ابن رجب.
- ج ١ ص ١٤٩
وكان ابن رجب قد ذكَرَ (١) من ضُعِّف حديثُهُ إذا جمَعَ الشيوخَ، دون ما إذا أفردهم، وذكَرَ فيه أنَّ شُعْبة قال لابن عُلَيّة: «إذا حدَّثَكَ عطاءُ بنُ السائب عن رجلٍ واحد، فهو ثقةٌ، وإذا جمَعَ فقال: زاذان، وميسرة، وأبو البَخْتَرِيِّ، فاتَّقِهِ؛ كان الشيخُ قد تغيَّر» (٢) .
-
وذكر ابنُ رَجَبٍ أيضًا (٣) أنَّ عَطَاءَ بنَ السائب كان يَجْمَعُ بين المشايخ؛ لاختلاطِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، وأنه كان يأتي بذلك على وجه التوهُّم.
-
وذكَرَ (٤) بعضَ من ضُعِّف حديثُهُ لهذا السبب، وذكَرَ منهم محمَّدَ بنَ إسحاقَ بنِ يَسَار، وحمادَ بنَ سَلَمة، فقال: «وكذلك ذكَرَ بعضُهُمْ في ابن إسحاق؛ قال أحمد - في رواية المَرُّوذي -: ابنُ إسحاق حَسَنُ الحديث، لكنْ إذا جمَعَ بين رجلَيْن! قلتُ: كيف؟ قال: يحدِّث عن الزُّهْري وآخَرَ، يَحْمِلُ حديثَ هذا على هذا.
-
وكذلك قيل في حَمَّاد بن سلمة؛ قال أحمد - في رواية الأثرم - في حديثِ حَمَّاد بْن سَلَمة، عَنْ أيوبَ وقتادةَ، عن أبي أسماء، عن أبي ثَعْلَبة الخُشَنِيِّ، عن النَّبِيِّ (ص) في آنِيَةِ المُشْرِكين؛ قال أحمد: هذا مِنْ قِبَلِ حماد، كان لا يقومُ على مِثْلِ هذا؛ يجمعُ الرجالَ، ثم يجعله
ج ١ ص ١٥٠إسنادًا واحدًا، وهُمْ يختلفون» .
-
ولعلَّ مِنْ أكثرِ ما يُشْكِلُ هنا: ما يقَعُ من الثقاتِ الذين لا يُشَكُّ فيهم مِنْ حملِ الأسانيدِ المعلولةِ على الأسانيدِ الصحيحة.
قال ابن رجب (١) : «وقد ذكَرَ يعقوبُ بن شَيْبة أنَّ ابن عُيَيْنة كان ربَّما يحدِّث بحديثٍ واحدٍ عن اثنين، ويسوقُهُ سياقةَ واحدٍ منهما، فإذا أُفْرِدَ الحديثُ عن الآخر أرسَلَهُ، أو أوقَفُه» .
-
وقد حمَلَ عبدُاللهِ بنُ وَهْب روايةَ الإمامِ مالك على رواية الليْثِ بنِ سَعْد ويونسَ بنِ يَزِيد في حديثٍ رَوَوْهُ عَنِ ابْن شِهَابٍ الزُّهْري، عَنْ عُرْوة بن الزُّبَيْر وعَمْرةَ بنتِ عبد الرحمن، كلاهما عن عائشة، في حين أن المعروفَ عن مالكٍ أنه يحدِّث به عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوة، عن عَمْرة، عن عائشة (٢) !
-
ووقع من ابن وَهْب أيضًا مِثْلُهُ في حديثِ مخاصمة الأنصاريِّ للزُّبَيْر بن العَوَّام في شِرَاجِ الحَرَّة، انظره في "علل الترمذي" (٣) ، و "علل ابن أبي حاتم" (٤) .
-
والأمثلة على هذا كثيرة (٥) .
- ١٥) مَنْ حَدَّثَ عَنْ ضَعِيفٍ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِثِقَةٍ:
-
وهذا في الغالبِ يحصُلُ بسببِ اتفاقِ راويَيْنِ في الاسم واسم الأب، أو كونِ اسمَيْهِمَا على وزنٍ صَرْفِيٍّ واحدٍ، مع اتفاقِ اسمَيْ أبويهما، كما في عبد الرحمن بن يَزِيد ابن تَمِيم، وعبد الرحمن بن يَزِيد بن جابر، فالأولُ ضعيفٌ، والثاني ثقة، وكذا واصلُ بنُ حَيَّان، وصالح بن حَيَّان، فالأوَّل ثقة، والثاني ضعيف.
-
أما عبد الرحمن بن يزيد: فقد اشتَبَهَ الضعيفُ على حسين الْجُعْفي وأبي أسامة حَمَّاد بن أُسَامة بالثقة، فحدَّثا بأحاديثَ يقولان فيها: حدَّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جَابر، وهما لم يَسْمَعَا منه، وإنما سمعا من ابن تَمِيمٍ الضعيفِ، فظنَّاه ابنَ جابر الثقة.
قال عبدُالرحمن بن أبي حاتم (١) : «وسمعتُ أبي يقول: عبد الرحمن بنُ يَزِيدَ بنِ جَابِر لا أعلَمُ أحَدًا مِنْ أهلِ العراقِ يُحَدِّثُ عَنْهُ، والذي عِنْدِي: أنَّ الذي يروي عَنْهُ أَبُو أُسَامَةَ وحُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ
ج ١ ص ١٥٢واحدٌ، وهو عبدُالرحمنِ بنُ يَزِيدَ بنِ تَمِيم؛ لأنَّ أبا أسامة روى عن عبد الرحمن بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ خمسةَ أحاديثَ - أو ستةَ أحاديث - منكرة، لا يَحْتمِلُ أن يُحَدِّثَ عبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ مِثْلَهُ (١) ، ولا أعلَمُ أحدًا مِنْ أهلِ الشامِ روى عَنِ ابْنِ جَابِر مِنْ هذه الأحاديث شَيْءً (٢) .
-
وأمَّا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ: فَإِنَّهُ رَوَى عن عبد الرحمن بْنِ يزيدَ بنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الأَشْعَث، عَنْ أَوْس بْنِ أَوْس، عن النَّبيِّ (ص) فِي يومِ الجُمُعة أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ الأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعةِ، فِيهِ الصَّعْقَةُ، وفِيهِ النَّفْخَةُ» ، وَفِيهِ كَذَا، وَهُوَ حديثٌ مُنْكَرٌ، لا أعلَمُ أحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ حُسَيْن الْجُعْفِيِّ.
-
وأمَّا عبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ تَمِيم: فَهُوَ ضعيفُ الحديث، وعبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ ثقةٌ» . اهـ.
قال الحافظ ابن حجر (٣) : «فإنْ أُبْدِلَ راوٍ ضعيفٌ براوٍ ثقة، وتبيَّن الوهَمُ فيه؛ استلزَمَ القدحَ في المتن أيضًا - إنْ لم يكنْ له طريقٌ أخرى صحيحة - ومِنْ أغمضِ ذلك: أن يكونَ الضعيفُ موافقًا للثقة في نعته.
-
ومثالُ ذلك: ما وقَعَ لأبي أسامة حمَّاد بن أُسَامة الكُوفي أحدِ
ج ١ ص ١٥٣الثقات، عن عبد الرحمن ابن يزيدَ بنِ جابر، وهو مِنْ ثقات الشاميِّين قَدِمَ الكوفةَ، فكتَبَ عنه أهلها، ولم يَسْمَعْ منه أبو أسامة، ثم قَدِمَ بعد ذلك الكوفةَ عبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بن تَمِيم - وهو من ضعفاء الشاميِّين - فَسَمِعَ منه أبو أسامة، وسأله عن اسمه، فقال: عبد الرحمن بن يزيد، فظنَّ أبو أسامة أنه ابنُ جابر، فصار يحدِّث عنه وينسُبُهُ مِنْ قِبَلِ نفسه فيقول: حدَّثنا عبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابر، فوقَعَتِ المناكيرُ في رواية أبي أسامة عن ابن جابر، وهما ثقتان، فلم يَفْطَنْ لذلك إلا أهلُ النَّقْد، فميَّزوا ذلك ونصُّوا عليه؛ كالبخاريِّ وأبي حاتمٍ وغيرِ واحد» .
-
وأما واصلُ بنُ حيَّان وصالحُ بنُ حَيَّان: فقد قال عبد الرحمن بن أبي حاتم (١) : «وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ زُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ؛ قَالَ: حدَّثنا واصلُ بْنُ حَيَّان، عَنِ ابْنِ بُرَيْدة (٢) ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبيّ (ص) ؛ فِي الكَمْأَةِ والحَبَّةِ السوداءِ، وقولِ النَّبيِّ (ص) : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ» ؟ فَقَالَ: أخطَأَ زُهَيْرٌ مَعَ إِتْقَانِهِ، هَذَا هُوَ صالحُ بنُ حَيَّان، وَلَيْسَ هُوَ وَاصِلٌ (٣) ، وصالحُ بنُ حَيَّانَ لَيْسَ بالقويِّ، هُوَ شَيْخٌ، وَلَمْ يدركْ زهيرٌ واصلاً» .
-
وفي "المراسيل" (٤) ذكَرَ عنه ابنه أنه قال: «زُهَيْرُ بن معاوية لم يدركْ واصلَ بنَ حَيَّان، وإنما هو: عن صالحِ بنِ حَيَّان» .
- ج ١ ص ١٥٤
وذكر الحافظُ العَلَائي (١) كلامَ أبي حاتم هذا، ثم قَالَ: «ليس هَذَا من المُرْسَلِ، بل هو من المعلَّل بالغَلَطِ من اسمِ رجلٍ إلى آخَرَ» .
وقال الإمام أحمد (٢) : «انقلَبَ على زُهَيْرِ ابنِ معاوية اسمُ صالح بن حَيَّان، فقال: واصل بن حَيَّان» .
وقال يحيى بن مَعِين (٣) : «سمع زُهَيْرٌ من صالح بن حَيَّان، وقلَبَ صالحَ بنَ حَيَّان، فجعلها كلَّها عن واصلِ بنِ حَيَّان» .
-
وفي رواية (٤) قال: «زهير بن معاوية الجُعْفي يُخْطِئ عن صالح بن حيان، يقول: واصلُ بنُ حَيَّان، ولم يَرَ واصلَ بنَ حَيَّان» .
-
وكذا أبو بَلْجٍ يحيى بن سُلَيْمٍ الواسطيُّ كان يُخْطِئُ في اسم عمرو بن ميمون، وإنما هو ميمونٌ أبو عبد الله مولى عبد الرحمن بن سَمُرَةَ. ومثلُهُ جَرِيرُ بن عبد الحميد اشتبَهَ عليه عاصمٌ الأحوَلُ بأشعَثَ بنِ سَوَّار، حتى ميَّز له بَهْزُ بنُ أسد أحاديثَ كُلٍّ منهما (٥) .
-
وَبَعْدُ: فهذا ما تيسَّر جمعُهُ مِنْ هذه الأسبابِ، وثَمَّةَ أسبابٌ أخرى تتعلَّقُ بالثقاتِ الذين ضُعِّفوا في بعضِ أحوالهم، والعلَّةُ مُتَعَلِّقةٌ بسبب الضَّعْفِ؛ فخرجَتْ - فيما نرى - عن كونها خَفِيَّةً، فلم نفصِّلِ الكلامَ
ج ١ ص ١٥٥فيها. وهذه الأسبابُ هي:
خِفَّةُ الضَّبْطِ وكثرةُ الوَهَمِ مع بقاء العدالة.
-
قومٌ ثقاتٌ في أنفسهم، لكن حديثهم عن بعضِ الشيوخِ فيه ضَعْفٌ؛ لِعَدَمِ ضبطهم له.
-
الاختلاط.
-
سُوءُ الحِفْظِ آخِرَ العمر.
-
العَمَى مع عَدَمِ الحفظ.
-
احتراقُ الكُتُبِ أو ضياعُهَا.
-
مَنْ كان لا يَحْفَظُ حديثَهُ، فيُحَدِّثُ من غيرِ كتابِهِ أحيانًا، فَيَهِمُ.
-
عدمُ اصطحابِ الكتابِ أثناءَ الرِّحْلة، فيُحَدِّثُ من حفظه، فَيَهِمُ.
-
السماعُ مِنَ الشيخِ في مكانٍ دون ضَبْط، والسماعُ منه في مكانٍ آخَرَ مع الضبط.
-
مَنْ حَدَّثَ عن أهلِ مِصْرٍ أو إقليمٍ فحفظَ حديثَهُمْ، وحدَّثَ عن غيرهم فلم يَحْفَظْ.
-
مَنْ حَدَّثَ عنه أهلُ مِصْرٍ أو إقليمٍ فحفظوا حديثَهُ، وحدَّث عنه غيرُهُمْ فلم يُقِيمُوا حديثه.
- ج ١ ص ١٥٦
من انشغَلَ عن العلمِ بأمرٍ آخَرَ كالقضاء.
-
قِصَرُ صُحْبةِ الشيخ.
- التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (١)
- اسمُهُ ونسبُهُ وموطنُهُ:
-
هو الإمامُ ابنُ الإمامِ، حافظُ الرَّيِّ وابنُ حافظها: عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتمٍ محمَّدِ بنِ إدريسَ بنِ المُنْذِرِ بنِ داودَ بنِ مِهْرَانَ، أبو محمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الحَنْظَلِيُّ، وقيل: بل الحنظليُّ فقطْ؛ وهي نسبةٌٌ إلى دَرْبِ حنظلة بالرَّيِّ، كان يَسْكُنُهُ والدُهُ (٢) .