مقدمة التحقيق
١٬٤٤٣ فقرة، ج ١ ص ٥
الصفحة ٢٩ من ٣٧
- ج ١ ص ٢٦٧
جرَتْ سُنَّةُ اللهِ سبحانه بابتلاءِ المُصْلِحِينَ - من الأنبياء، والعلماء،
ج ١ ص ٢٦٨والدُّعَاةِ، وغيرهم - بأنواعِ الابتلاءِ المختلفة، ومنها: رَمْيُهُمْ بما هم منه بُرَآء؛ كما قالوا عن نبينا (ص) : مجنونٌ، ساحرٌ ... إلخ.
-
ومِنْ هؤلاءِ الذين ابتُلُوا ببعضِ الفِرَى: ابنُ أبي حاتم؛ فقد قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (١) بعد ذِكْرِ ترجمة ابن أبي حاتم: «وما ذكرتُهُ لولا ذِكْرُ أبي الفضل السُّلَيْماني له فَبِئْسَ ما صَنَعَ! فإنه قال: ذِكْرُ أسامي الشِّيعَةِ من المحدِّثين - الذين يقدِّمون عليًّا على عثمان -: الأعمش، النُّعْمان بن ثابت، شُعْبة ابن الحَجَّاج، عبد الرزَّاق، عُبَيْدالله بن موسى، عبد الرحمن بن أبي حاتم» .
-
وهذه فِرْيَةٌ لا تَسْتنِدُ إلى دليل، بل الدليلُ بخلافها؛ وذلك أنَّ اللَاّلَكَائِيَّ (٢) حين ذكَرَ معتقَدَ أبي زُرْعة وأبي حاتم، رواه مِنْ طريقِ عبد الرحمن بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: «سألتُ أبي وأبا زُرْعة عن مذاهبِ أهلِ السُّنَّةِ في أصول الدِّين، وما أدركا عليه العلماءَ في جميعِ الأمصار، وما يَعْتَقِدان مِنْ ذلك؟ فقالا: أَدْرَكْنَا العلماءَ في جميعِ الأمصار، حِجَازًا، وعِرَاقًا، وشَامًا، ويَمَنًا، فكان مِنْ مذهبهم: الإيمانُ قولٌ وعَمَلٌ، يَزِيدُ ويَنْقُصُ، والقرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ بجميعِ جهاته، والقَدَرُ خَيْرُهُ وشَرُّهُ مِنَ الله عز وجل، وخيرُ هذه الأمةِ بعد نبيِّها عليه الصلاةُ والسلام: أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ثم عُمَرُ بنُ الخَطَّاب، ثم عُثْمانُ بنُ عَفَّان، ثم عَلِيُّ بنُ أبي طالب _ت، وهم
ج ١ ص ٢٦٩الخلفاءُ الراشدون المَهْدِيُّون، وأنَّ العَشَرَةَ الذين سَمَّاهم رسولُ الله (ص) ، وشَهِدَ لهم بالجَنَّة، على ما شَهِدَ به رسولُ الله (ص) ، وقولُهُ الحَقُّ، والترحُّمُ على جميعِ أصحابِ محمد (ص) ، والكَفُّ عما شَجَرَ بينهم ... » ، وفي آخره قال عبد الرحمن: «وبه أقولُ أنا» .
-
فهل هناك دليلٌ أَقْوَى مِنْ تصريحِ المرءِ بِمُعْتَقَدِهِ في المسألة نفسها؟!
-
وهناك شبهةٌ أخرى ذكرها ياقوتُ (١) ؛ فقال: «وكان أَهْلُ الرَّيِّ أهلَ سُنَّةٍ وجماعةٍ، إلى أن تغلَّبَ أحمدُ بنُ الحَسَنِ المَارْدَانِيُّ عليها، فأظهَرَ التشيُّعَ، وأكرَمَ أهلَهُ وقرَّبهم، فتقرَّبَ إليه الناسُ بتصنيفِ الكتبِ في ذلك، فصنَّفَ له عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتم كتابًا في فضائلِ أهلِ البيت وغيره، وكان ذلك في أيامِ المُعْتَمِدِ وتغلُّبِهِ عليها في سنة ٢٧٥، وكان قبل ذلك في خِدْمةِ كوتكين بن ساتكين التُّرْكي» .
-
وهذه فِرْيةٌ أُخْرَى نُجِلُّ عبدَالرحمنِ أنْ يكونَ من أهلها، وهو ممَّن عُرِفَ عنه الوَرَعُ والزُّهْدُ في الدنيا كما مَرَّ معنا، فهل يُتَصَوَّرُ ممَّن هذه حاله أن يَجْعَلَ دينه سِلْعةً للملوك؟! وهو الذي ذكَرَ مِنْ معتقَدِ أبيه وأبي زُرْعة (٢) قولَهُمَا: «والمرجئةُ المبتدِعَةُ ضُلَاّلٌ، والقَدَرِيَّةُ المبتدِعَةُ ضُلَاّلٌ؛ فمَنْ أنكَرَ منهم أنَّ اللَّهَ عزَّ وَجَلَّ لا يَعْلَمُ ما لم يكنْ قبل أنْ يكونَ فهو كافرٌ، وأنَّ الجهميَّةَ كُفَّارٌ، وأنَّ الرافضةَ رَفَضُوا الإسلامَ ... وسمعْتُ أبي وأبا زُرْعة يَأْمُرانِ بِهِجْرانِ أهلِ الزَّيْغِ والبِدَعِ، يُغَلِّظان في ذلك أشدَّ
ج ١ ص ٢٧٠التغليظ، ويُنْكِران وَضْعَ الكتبِ بِرَأْيٍ في غيرِ آثار، ويَنْهَيَانِ عن مجالسةِ أهلِ الكلام، والنَّظَرِ في كُتُبِ المتكلِّمين، ويقولان: لايُفْلِحُ صاحبُ كلامٍ أبدًا ... » ، ويَخْتِمُ ذلك ابنُ أبي حاتم بقوله: «وبه أقولُ أنا» .
-
فيا سبحانَ الله! رجلٌ يرى هِجْرَانَ أهلِ الزَّيْغِ والبِدَع، وينهى عن مجالستِهِمْ، يَذْهَبُ فَيَضَعُ لهم الكُتُبَ التي تناسبُ أهواءهم مِنْ أجلِ عَرَضٍ زائل؟! هذا لا يُتَصَوَّرُ من مثلِ ابنِ أبي حاتم!!.
-
ثُمَّ إنَّ هذه الحكايَةَ وقَعَتْ - على ما ذُكِرَ هنا - سنَةَ (٢٧٥هـ) ، وعُمْرُ عبد الرحمن (٣٥) سَنَةً، وأبوه حَيٌّ، والشابُّ الذي في مِثْلِ هذا السِّنِّ لا يعوِّلُ الناسُ على قَوْلِهِ، وبخاصَّةٍ مع وُجُودِ أبيه، ثم أين كان أبوه عن هذا الانحرافِ؟! أَمَا كان يَرْدَعُ ابنَهُ، أو يَهْجُرُهُ على الأقَلِّ كما هجَرَ غَيْرَهُ مِنْ أهلِ البِدَعِ؟!
-
ومع هذا كلِّه لم يذكُرْ ياقوتُ مِنْ أين أخَذَ هذه الحكايةَ، ولم يُورِدْ لها سندًا؛ فمثلها لا يَسْوَى مِدَادَ تسويده، ومن ذلك يتبيَّن أنه لا تَصِحُّ نسبةُ كتابِ "فضائل أهل البيت" إلى ابن أبي حاتم (١) ، والله أعلم.
- اتهامُهُ بِسَرِقَةِ كتابِ البخاري:
-
كان للبخاريِّ _ح قَدَمُ السَّبْقِ في تصنيفِ كتابٍ يضمُّ رواةَ الحديثِ عامَّةً، وهو "التاريخُ الكبير" ، غير أنه لم يَسْتَوْعِبْ جميعَ الرواة، بل فاتَهُ عددٌ منهم، ومع هذا فليس مِنْ مقصودِهِ ذِكْرُ أقوالِ الأئمة في هؤلاءِ
ج ١ ص ٢٧١الرواةِ جَرْحًا وتعديلاً، ولكنَّه اعتنَى ببيانِ سماعِ الراوي مِنْ شيوخه، وذِكْرِ الأحاديثِ المعلولةِ التي يرويها المترجَمُ له أحيانًا، وما تفرَّد به ... إلى غير ذلك مِنْ ملامحِ مَنْهَجِهِ في هذا الكتاب.
-
فوقَفَ أبو حاتم وأبو زُرْعة على هذا الكتابِ، فوجَدَا فيه عِلْمًا غزيرًا، غَيْرَ أنه يَحْتاجُ إلى تكميلٍ وتهذيبٍ مِنْ وِجْهة نظرهما، فأناطا عَمَلَ ذلك بعبد الرحمن بن أبي حاتم الذي قام به خَيْرَ قيام، فكان من أبرزِ ماعَمِلَهُ:
١ - حَذْفُ الأحاديثِ التي يَذْكُرُهَا البخاريُّ.
-
٢ - الاعتناءُ بِذِكْرِ الشيوخِ والتلاميذِ أكثَرَ من عنايةِ البخاريِّ.
-
٣ - زيادةُ تراجِمَ كثيرةٍ لم يَذْكُرْهَا البخاريُّ؛ فقد بلَغَ عددُ تراجمِ "التاريخ الكبير" مع كتاب "الكُنَى" (١٥٦٩٨) ترجمة حَسَبَ ترقيمِ التراجم، بينما بلَغَ عددُ تراجمِ "الجرح والتعديل" (١٨٠٤٠) ترجمة؛ بزيادةٍ قَدْرُهَا (٢٣٤٢) ترجمة.
-
٤ - إضافةُ أقوالِ أئمَّة الجَرْح والتعديل، مع أقوالِ أبيه وأبي زُرْعة في الرواة المعروفين، وَفْقَ منهجٍ انتقائيٍّ (١) من إمامٍ عارفٍ بهذا الشأن، وهذا ما لم يُعَرِّجْ عليه البخاريُّ، وهو أبرزُ مميِّزات هذا الكتاب، بحيثُ أصبَحَ عُمْدَةً لكلِّ مَنْ جاء بعده، فلو قال قائل: إنه في هذا أحسَنُ وأنفَعُ من كتابِ البخاريِّ، لَمَا أبعَدَ.
- ج ١ ص ٢٧٢
ومع هذه المفارقاتِ وجَدْنَا مَنْ يَعِيبُ على ابن أبي حاتمٍ تأليفَهُ لهذا الكتاب:
فقد قال أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الحاكم الحافظ (١) : كنتُ بالرَّيِّ، فرأيتُهُمْ يومًا يقرؤون على أبي محمَّد ابن أبي حاتم كتابَ "الجَرْحِ والتعديل" ، فلمَّا فَرَغُوا قلتُ لابنِ عَبْدُويَه الوَرَّاق: ما هذه الضُّحْكة؟ أراكم تقرؤون كتابَ "التاريخِ" لمحمد بن إسماعيلَ البخاريِّ على شَيْخِكم على هذا الوجه، وقد نَسَبْتموه إلى أبي زُرْعة وأبي حاتم؟ ! فقال: يا أبا أحمد، اعلَمْ أنَّ أبا زُرْعة وأبا حاتم لمَّا حُمِلَ إليهما هذا الكتابُ، قالا: هذا عِلْمٌ حَسَنٌ لا يُستغنَى عنه، ولا يحسُنُ بنا أن نَذْكُرَهُ عن غيرنا، فأقعَدَا أبا محمَّدٍ عبدَالرحمنِ حتى سألهما عن رَجُلٍ بعد رجلٍ؟ وزادا فيه ونَقَصَا منه.
-
وقد أجاب الشيخُ عبد الرحمن المعلِّمي _ح عن هذا الإشكالِ بقوله (٢) : «كأنَّ أبا أحمد _ح سَمِعَهُمْ يقرؤون بعضَ التراجمِ القصيرةِ التي لم يَتَّفِقْ لابنِ أبي حاتم فيها ذِكْرُ الجَرْحِ والتعديل، ولا زيادةٍ مهمَّةٍ على ما في «التاريخ» ، فاكتفَى بتلك النظرةِ السَّطْحيَّة، ولو تصفَّحَ الكتابَ لَمَا قال ما قال. لا رَيْبَ أنَّ ابن أبي حاتم حذا في الغالبِ
ج ١ ص ٢٧٣حَذْوَ البخاريِّ في الترتيبِ وسياقِ كثيرٍ من التراجمِ وغيرِ ذلك، لكنَّ هذا لا يَغُضُّ مِنْ تلك المزيَّةِ العظمى، وهي التصريحُ بنصوصِ الجَرْحِ والتعديل، ومنها زيادةُ تراجمَ كثيرةٍ، وزياداتُ فوائدَ في كثيرٍ من التراجم، بل في أكثرها، وتدارُكُ أوهامٍ وقعتْ للبخاري، وغير ذلك. وأمَّا جوابُ ابن عَبْدُوْيَه الوَرَّاق فعلى قَدْرِ نفسه، لا على قَدْرِ ذَيْنِكَ الإمامَيْنِ: أبي زُرْعة وأبي حاتم، والتحقيقُ: أنَّ الباعثَ لهما على إقعادِ عبد الرحمن، وأَمْرِهِمَا إيَّاه بما أمراه: إنما هو الحِرْصُ على تسديدِ ذاك النَّقْصِ، وتكميلِ ذاك العِلْم، ولا أَدَلَّ على ذلك مِنِ اسمِ الكتابِ نَفْسه؛ "كتابُ الجَرْح والتعديل" ... » .
- وفاته:
-
تُوُفِّيَ ابنُ أبي حاتم رَحِمَهُ اللهُ تعالى في المحرَّمِ سنةَ سَبْعٍ وعشرين وثلاثِ مِئَةٍ، بِالرَّيِّ، وهو في عَشْرِ التسعين، أي: وله بضعٌ وثمانون سنةً (١) .
- تَرْجَمَةُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ (١)
- اسْمُهُ، ووِلَادَتُهُ، وطَلَبُهُ:
-
هو محمد بن إدريس بن المُنْذِر بن داود بن مِهْران، الحَنْظَلِيُّ الغَطَفَانِيُّ الرازي.
-
وُلِدَ سنَةَ خَمْسٍ وتِسْعين ومئة، وبَكَّرَ بطلبِ الحديثِ وكتابةِ العلم؛ فبدأَ كتابةَ الحديثِ وهو ابنُ أربعَ عَشْرَةَ سنةً؛ ورحَلَ رِحْلتَهُ الأولى وهو ابنُ ثمانَ عَشْرَةَ سنةً؛ سنةَ ثلاثَ عَشْرَةَ ومئتين، واستمرَّتْ أكثَرَ من سبع سنين. ورحَلَ رحلةً أخرى في سنة اثنتَيْنِ وأربعين. وتكبَّد المَشَاقَّ في رِحْلاته، ولاقى الشدائدَ، وعَدَّ ما مشى على قَدَمَيْهِ في أول رحلة، فبَلَغَ ما يقرُبُ من مسيرةِ أربعةِ أشهُرٍ سَيْرَ الجَادِّ، ثم ترَكَ العَدَّ!.
- شُيُوخُهُ:
-
سمع خَلْقًا لا يُحْصَوْنَ كثرةً؛ قال الخليلي: «قال لي أبو حاتم
ج ١ ص ٢٧٦اللَّبَّان الحافظ: قد جمعْتُ مَنْ روى عنه أبو حاتم الرازيُّ، فبلغوا قريبًا مِنْ ثلاثةِ آلاف» .
-
ومِنْ هؤلاءِ الشيوخ: الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل، وآدَمُ بنُ أبي إياس، والرَّبِيعُ بن سُلَيْمان المُرَادي، وسَعِيدُ بن أبي مَرْيَم، وعبد الله بن صالح كاتبُ اللَّيْث، وعبدُالمَلِكِ بنُ قُرَيْبٍ الأَصْمَعيُّ، وعُبَيْدُاللهِ بنُ عبد الكريمِ أبو زُرْعة الرازي رفيقُهُ، وعمرو بن عليٍّ الفَلَاّس، وقُتَيْبةُ ابن سَعِيد، ومحمدُ بن بَشَّار بُنْدَار، ويحيى بن مَعِين، ويونس بن عبد الأعلى.
- تَلَامِيذُهُ:
-
حدَّث عنه خَلْقٌ كثيرٌ، منهم: إبراهيمُ الحَرْبي، وابن ماجه، وأبو بكر بن أبي الدُّنْيَا، وأبو داود، وأبو زُرْعة الدِّمَشْقِيّ، وأبو زُرْعة الرازي رفيقُهُ، والرَّبِيعُ بن سُلَيْمان المرادي - وهو مِنْ شيوخه - وعبد الرحمن بن أبي حاتم ابنه، والنَّسَائي، وابن صاعد، ويونس بن عبد الأعلى، وهو مِنْ شيوخه.
- ثَنَاءُ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ:
-
قال عنه الذهبي: الإمامُ الحافظُ الناقد، شيخُ المحدِّثين، كان من بحورِ العِلْم، طَوَّفَ البلادَ، وبَرَعَ في المَتْن والإسناد، وجمَعَ وصنَّف، وجَرَحَ وعدَّل، وصَحَّحَ وعلَّل.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعتُ موسى بن إسحاقَ القاضي يقول: ما رأيتُ أحفَظَ مِنْ والدك. قال عبد الرحمن: وكان قد لَقِيَ
ج ١ ص ٢٧٧أبا بكرِ بنَ أبي شَيْبة، وابنَ نُمَيْر، وابنَ مَعِين، ويحيى الحِمَّاني.
وقال الخَلِيلي: كان أبو حاتمٍ عالمًا باختلافِ الصَّحَابةِ وفِقْهِ التابعين ومَنْ بعدهم. سمعتُ جَدِّي وجماعةً سَمِعُوا عليَّ بنَ إبراهيم القَطَّان يقول: ما رأيتُ مِثْلَ أبي حاتم. فقلنا له: قد رأيتَ إبراهيمَ الحَرْبِيَّ وإسماعيلَ القاضي؟ قال: ما رأيتُ أجمَعَ من أبي حاتم وأفضَلَ منه (١) .
وقال عليُّ بنُ إبراهيم الرازي: حدَّثنا أحمد ابن عليٍّ الرَّقَّام، سمعتُ الحَسَنَ بنَ الحُسَيْن الدَّرَسْتِينِيَّ قال: سمعتُ أبا حاتم يقول: قال لي أبو زُرْعة: ما رأيتُ أحرَصَ على طَلَبِ الحديثِ منك! فقلتُ له: إنَّ عبد الرحمن ابني لَحَرِيصٌ. فقال: مَنْ أشبَهَ أباه فما ظَلَم. قال الرَّقَّام: فسألتُ عبد الرحمن عن اتفاقِ كَثْرةِ السماعِ له وسؤالاتِهِ لأبيه؟ فقال: ربَّما كان يأكُلُ وأقرَأُ عليه، ويَمْشِي وأقرَأُ عليه، ويدخُلُ الخَلَاءَ وأقرَأُ عليه، ويدخُلُ البيتَ في طَلَبِ شيء وأقرَأُ عليه!.
وقال أحمدُ بن سَلَمة النَّيْسَابوري: ما رأيتُ بعد إسحاقَ (٢) ومحمَّدِ بن يحيى أحفَظَ للحديثِ من أبي حاتمٍ الرازي، ولا أعلَمَ بمعانيه.
وقال يونس بن عبد الأعلى: أبو زُرْعةَ وأبو حاتمٍ إماما خراسان. ودعا لهما، وقال: بقاؤُهُمَا صلاحٌ للمسلمين.
ج ١ ص ٢٧٨وقال الخطيب: كان أبو حاتمٍ أحَدَ الأئمَّةِ الحفاظِ الأثبات.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعتُ أبي يقولُ: جرى بيني وبين أبي زُرْعة يومًا تمييزُ الحديثِ ومَعْرِفتُهُ، فجعَلَ يذكُرُ أحاديثَ وعِلَلَهَا، وكذلك كُنْتُ أذكُرُ أحاديثَ خطأ، وعِلَلَهَا، وخَطَأَ الشيوخِ، فقال لي: يا أبا حاتم، قَلَّ مَنْ يفهمُ هذا! ما أَعَزَّ هذا! إذا رَفَعْتَ هذا من واحد واثنَيْنِ، فما أقلَّ مَنْ تَجِدُ مَنْ يُحْسِنُ هذا! وربما أَشُكُّ في شيء أو يتخالجني في حديثٍ، فإلى أنْ ألتقي معك لا أَجِدُ مَنْ يشفيني منه. قال أبي: وكذلك كان أمري.
وقال الذهبي: إذا وثَّق أبو حاتمٍ رجلاً فتمسَّكْ بقوله؛ فإنَّه لا يوثِّق إلا رجلاً صحيحَ الحديث، وإذا لَيَّنَ رجلاً أو قال فيه: لا يُحْتَجُّ به، فتوقَّفْ حتى تَرَى ما قال غيُرُه فيه؛ فإنْ وثَّقه أحدٌ فلا تَبْنِ على تجريح أبي حاتم؛ فإنَّه مُتَعَنِّتٌ في الرجالِ؛ قد قال في طائفةٍ من رجالِ الصِّحَاحِ: ليس بِحُجَّةٍ، ليس بِقَوِيٍّ، أو نحو ذلك.
- وَفَاتُهُ:
-
قال أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي وغيره: مات الحافظُ أبو حاتمٍ في شَعْبان سنةَ سَبْعٍ وسبعين ومئتين، وقيل: عاش ثلاثًا وثمانين سنة. رحمه الله تعالى.
- تَرْجَمَةُ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ (١)
- اسْمُهُ، ووِلَادَتُهُ، وطَلَبُهُ:
-
هو الإمام، سيِّد الحُفَّاظ؛ عُبَيْدُاللهِ بنُ عبدِالكريمِ بنِ يزيدَ بنِ فَرُّوخ، مُحَدِّثُ الرَّيِّ، وجَدُّهُ فَرُّوخ: مولى عيَّاش بن مُطَرِّف بن عبد الله بْنِ عيَّاش بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومي. وأبوه عبد الكريم هو خالُ رفيقِهِ أبي حاتم الرازي.
-
وُلِدَ أبو زُرْعة سنةَ مئتين؛ على ما رُوِيَ عنه نفسه، وقيل في مولده غيرُ ذلك.
-
طلَبَ الحديثَ وهو حَدَثٌ صغيرٌ، وارتحَلَ إلى الحجازِ والشامِ ومِصْرَ والعراقِ والجزيرةِ وخُرَاسان، وكانتْ نيَّةُ الرِّحْلةِ والسماعِ من الشيوخِ تخالطُ نِيَّتَهُ في الرِّبَاطِ؛ قال: «لا أعلَمُ صَفَا لي يَوْمُ رباطٍ قَطُّ؛
- ج ١ ص ٢٨٠
أمَّا بيروتُ فأَرَدْنَا العباسَ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَد، وأما عَسْقَلان فأردنا محمَّد بن أبي السَّرِيِّ، وأمَّا قَزْوين فمحمَّد بن سعيد بن سَابِق» . وكتَبَ وصنَّف ما لا يوصفُ كَثْرة.
- شُيُوخُهُ:
-
سَمِعَ خلقًا كثيرًا؛ منهم: أبو الوليد الطَّيَالسي، والإمامُ أحمد بن حنبل، وأحمدُ بنُ يونس اليَرْبُوعي، والربيع بن سُلَيْمان المُرَادي، وسُلَيْمان ابن بِنْتِ شُرَحْبِيل، والعباس بن الوليد بن مَزْيَد، وعبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسِي، وعبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبي، وعمرو ابن عليٍّ الفَلَاّس، وأبو حاتمٍ الرازيُّ رفيقُهُ، وأبو نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن، وموسى بن إسماعيل، وقَبِيصَة بن عُقْبة، ويحيى بن بُكَيْر، ويونس بن عبد الأعلى.