مقدمة التحقيق
١٬٤٤٣ فقرة، ج ١ ص ٥
الصفحة ٣٠ من ٣٧
- تَلَامِيذُهُ:
-
حدَّث عنه الخلقُ الكثير أيضًا؛ منهم: أبو بكر بن أبي داود، وأبو عَوَانة الإِسْفَرَايِيني، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وعبدُاللهِ ابنُ الإمامِ أحمد، وعَدِيُّ بن عبد الله والدُ ابن عَدِيٍّ، والتِّرْمِذي، والنَّسَائي، وابن ماجه. وحدَّث عنه مِنْ شيوخه: إسحاق بن موسى، وحَرْمَلة بن يحيى، والرَّبِيع المُرَادي، وعمرو بن عليٍّ الفَلَاّس، ويونس بن عبد الأعلى، ومِنْ أقرانه: ابن وَارَة، وأبو حاتم، ومُسْلِمٌ، وإبراهيمُ الحَرْبي.
- ثَنَاءُ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ:
-
قال أبو إسحاق الجُوزَجَاني: كنا عند سليمان بن عبد الرحمن، فلم يَأْذَنْ لنا أَيَّامًا، ثم دَخَلْنَا عليه فقال: بَلَغني ورودُ هذا الغلامِ -
ج ١ ص ٢٨١يعني أبا زُرْعة - فَدَرَسْتُ للالتقاءِ به ثلاثَ مِئَةِ ألفِ حديثٍ.
وقال عبد الله بن أحمد: لمَّا ورَدَ علينا أبو زُرْعة، نزَلَ عندنا، فقال لي أبي: يا بُنَيَّ، قد اعتضْتُ بنوافلي مذاكَرَةَ هذا الشيخِ.
وقال الإمامُ أحمد أيضًا: ما جاوَزَ الجِسْرَ أحدٌ أفقَهُ من إسحاقَ ابنِ رَاهُوْيَهْ، ولا أحفَظَ من أبي زُرْعة.
وقال ابن أبي شَيْبة: ما رأيتُ أحفَظَ من أبي زُرْعة.
وقال محمد بن إسحاق الصاغاني: أبو زُرْعة يُشَبَّهُ بأحمدَ بنِ حنبل.
وقال عَليّ بْن الحُسَيْن بْن الجُنَيْد: ما رأيتُ أحدًا أعلَمَ بحديثِ مالكٍ من أبي زُرْعة، وكذا سائرُ العلوم.
وقال إسحاقُ بن رَاهُوْيَهْ: كلُّ حديث لا يعرفُهُ أبو زُرْعة الرازي فليس له أَصْلٌ.
وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيتُ أكثَرَ تواضعًا من أبي زُرْعة، هو وأبو حاتمٍ إمامَا خراسان.
-
وحدَّث يونسُ يومًا فقال: حدَّثنا أبو زُرْعة، فقيل له: مَنْ هذا؟ فقال: إنَّ أبا زُرْعة أشهَرُ في الدنيا مِنَ الدنيا.
وقال فَضْلَكُ الصائغُ: دخلْتُ على الرَّبِيعِ بِمِصْرَ فقال: مِنْ أين؟ قلتُ: من الرَّيِّ. قال: تركْتَ أبا زُرْعَةَ وجئتَ؟! إنَّ أبا زرعة آيَةٌ، وإنَّ الله إذا جعَلَ إنسانًا آيَةً أبانه مِنْ شكله، حتى لا يكونَ له ثانٍ.
- ج ١ ص ٢٨٢
ودخَلَ فَضْلَكُ أيضًا في المدينةِ على أبي مُصْعَبٍ الزُّهْري، فقال له: تَرَكْتَ أبا زُرْعة وجئتني؟! لَقِيتُ مالكًا وغيره، فما رأتْ عيناي مِثْلَ أبي زرعة.
- وَفَاتُهُ:
-
كانتْ وفاته _ح في آخرِ يومٍ من سنة أربعٍ وستين ومئتين.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ محمَّد بْنُ عليٍّ وَرَّاقُ أبي زُرْعة: حَضَرْنَا أبا زرعةَ بـ «ماشَهْرَانَ» وهو في السَّوْقِ (١) ، وعنده أبو حاتمٍ وابن وَارَةَ والمنذرُ ابنُ شاذان وغيرهم، فَذَكَروا حديثَ التلقين: «لَقِّنُوا موتاكم: لا إله إلا الله» واستَحْيَوْا من أبي زُرْعة أن يلقِّنوه، فقالوا: تَعَالَوْا نذكُرُ الحديثَ؛ فقال ابن وَارَةَ: حدَّثنا أبو عاصم، حدَّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح. وجعل يقولُ: ابن أبي. ولم يجاوزْهُ. وقال أبو حاتم: حدَّثنا بُنْدَارٌ، حدَّثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح. ولم يجاوز. والباقون سكتوا. فقال أبو زُرْعة، وهو في السَّوْقِ: حدَّثنا أبو عاصم، حدَّثنا عبد الحميد، عن صالحِ بنِ أبي عَرِيب، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّة، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، قَالَ: قَالَ رسولُ الله (ص) : «مَنْ كان آخِرَ كلامِهِ: لا إِلَهَ إلا اللهُ، دخَلَ الجَنَّةَ» . وخرَجَ رُوحُهُ معه، رحمه الله تعالى.
- ج ١ ص ٢٨٣
التَّعْرِيفُ بِـ "كِتَابِ الْعِلَلِ" لاِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ
أ) تمهيدٌ
تَقَدَّمَ (١) ذِكْرُ المصنَّفاتِ التي صُنِّفَتْ في عِلَلِ الحديث، ومِنْهَا "كِتَابُ الْعِلَلِ" لعبد الرحمن بنِ أبي حاتم الذي هو مِنْ أَجْوَدِهَا وأَحْسَنِهَا عند الأئمَّة؛ وعنه يقولُ الحافظُ ابنُ كَثِير (٢) : «ومِنْ أَحْسَنِ كتابٍ وُضِعَ في ذلك (٣) ، وأَجَلِّهِ وأَفْحَلِِهِ: كتابُ "العِلَلِ" لعليِّ ابنِ الْمَدِينيِّ شيخِ البخاريِّ، وسائرِ المحدِّثين بعدَهُ في هذا الشأنِ على الخصوصِ. وكذلك "كتابُ العِلَلِ" لعبدِ الرحمنِ بنِ أبي حاتمٍ، وهو مرتَّبٌ على أبوابِ الفقهِ» . وفي مَعْرِضِ ذِكْرِ الحافظِ العراقيِّ (٤) للكُتُبِ التي ينبغي لطالبِ عِلْمِ الحديثِ العنايةُ بها، قال: «ثم الكُتُبُ المتعلِّقةُ بِعِلَلِ الحديثِ، فمنها: كتابُ أحمدَ بنِ حنبل، وابنِ المَدِينِيِّ، وابنِ أبي حاتم ... » . ويقولُ السَّخَاويُّ (٥) في مَعْرِضِ ذِكْرِهِ للكُتُبِ التي ينبغي لطالبِ عِلْمِ الحديثِ العنايةُ بها - تبعًا للعراقي -: «ولابنِ أبي حاتمٍ، وكتابُهُ في مجلَّدٍ ضَخْمٍ، مرتَّبٌ على الأبوابِ. وقد شَرَعَ الحافظُ ابنُ عبدِ الهادي في شَرْحِهِ، فاخترمتْهُ المنيَّةُ بعدَ أنْ كَتَبَ منه مجلَّدًا على يَسِيرٍ منه» . اهـ.
-
ولقد بدا لنا واضحًا مِنْ خلالِ هذه المَسِيرةِ الطويلةِ مَعَ الكتاب -
ج ١ ص ٢٨٤التي تربو على خَمْسِ سَنَوَاتٍ -: أنَّ هذا الكتابَ مِنْ أَبْدَعِ ما صُنِّفَ في عِلَلِ الْحَدِيثِ، وأنه حوَى فوائدَ يَكَادُ يَعْجِزُ طَلَبَةُ العِلْمِ عن استخلاصِهَا، ومِنْ أَهَمِّ ما يُمَيِّزُهُ: أنه لم يَقْتَصِرْ على رأيِ مُصَنِّفِهِ فقطْ - كما هو الحالُ في مُعْظَمِ كُتُبِ العِلَلِ - بل شَمِلَ آراءَ كثيرٍ من الأئمَّة؛ كَشُعْبةَ بنِ الحَجَّاجِ، ويحيى بنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وأبي الوليدِ الطَّيَالِسِيِّ، ويحيى بنِ مَعِين، والإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَل، ومسلمِ بنِ الحَجَّاج، وعَلِيِّ ابنِ الحُسَيْن بن الجُنَيْد، ومحمَّدِ بنِ عَوْفٍ الحِمْصي (١) ، بالإضافةِ إلى ابْنِ أبي حاتمٍ نَفْسِهِ.
-
هذا إلى جانبِ أحكامِ وآراءِ أبي حاتمٍ وأبي زُرْعةَ الرازيَّيْنِ، التي شَكَّلَتْ معظمَ مادَّةِ هذا الكتابِ، وهما مَنْ هما في معرفةِ العِلَلِ، وحَسْبُكَ بِمَنْ يُعْنَى الدَّارَقُطْنيُّ بِنَقْلِ أحكامِهِ على الأحاديثِ (٢) ، بل تَجِدُ وَجْهَ الشَّبَهِ واضحًا بين صَنِيعِهِ وبين صنيعِ أبي حاتمٍ في كَشْفِ عِلَلِ بعضِ الأحاديثِ (٣) ؛ بما يُوحِي بِأَثَرِ أبي حاتمٍ في الدارقطنِيِّ في معرفةِ عِلَلِ الأحاديث!!
-
ونَضَعُ بين يدَيْكَ - أخي القارئ - بعضَ المميِّزاتِ والفوائدِ الأخرى، التي تُسْتَخْلَصُ من مُدَارسةِ هذا الكتابِ الفَذِّ:
ج ١ ص ٢٨٥فمن ذلك: الحُكْمُ على روايةِ بعضِ الرواةِ عن شُيُوخهم بأنها مُرْسَلةٌ (١) ، ولا تُوجَدُ هذه الأحكامُ في كتابِ "المَرَاسِيل" للمصنِّف - ابن أبي حاتم - فهي من الزياداتِ عليه.
-
ومن ذلك: أحكامُ أبي حاتمٍ على بعضِ الرواةِ الذين لا تُوجَدُ لهم ترجمةٌ (٢) .
-
وشبيهٌ به حُكْمُهُ على بعضِ الرواةِ الذين لم يَذْكُرْهُمُ ابنه في "الجرح والتعديل" (٣) .
-
ومن ذلك: بيانُ أبي حاتمٍ لِبَعْضِ الرواةِ الذين خَفِيَ أَمرُهُمْ على بعضِ الأئمَّة (٤) .
-
ومن ذلك: تلك الأحاديثُ الغَرِيبَةُ التي لا تكادُ تُوجَدُ إلا عند ابنِ أبي حاتم في هذا الكتاب، وعنه ينقُلُ الأئمَّةُ ذلك الحديثَ (٥) ، وهناك عدةُ أحاديثَ نَصَّ الحافظُ ابنُ عبد الهادي على أنه لم يَجِدْهَا؛
- ج ١ ص ٢٨٦
كقوله (١) : «ولم يُخَرِّجْ أحدٌ من أهل السُّنَنِ هذا الحديثَ، ولم أَرَهُ في "معجم الطبراني" ، ولا في "سُنَنِ الدارقطني" ، ولا في "السنن الكبير" للبيهقي، وقد فَتَّشْتُ عنه في كُتُبٍ أُخَرَ، فلم أره» .
-
ومن ذلك: إظهارُ الفَرْقِ بين طريقةِ المحدِّثين، وطريقةِ الفقهاء والأصوليِّين، في إعلالِ الأحاديثِ وتَصْحيحِهَا؛ كحديثِ ابن عمر عن النبي (ص) : «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» ؛ فقد قال عنه أبو حاتم (٢) : «منكر» ، ومع ذلك صحَّحه ابنُ حِبَّانَ (٣) ، وقال عنه البُوصِيرِيُّ (٤) : «هذا إسنادٌ صحيح» ؛ أَخْذًا بظاهرِ الإسناد.
-
ومن ذلك: معرفةُ ما يَجْرِي فيه الخلافُ بين المحدِّثين، وتَخْتَلِفُ بسببِهِ أحكامُهُمْ على الأحاديثِ؛ كالتفرُّدِ ونحوِهِ؛ فهناك أحاديثُ أعلَّها أبو حاتمٍ وأبو زُرْعة، وأَخْرَجَهَا الشيخان في صَحِيحَيْهِمَا (٥) ، وهناك أحاديثُ اختلَفَ فيها حُكْمُ أبي حاتم وأبي زُرْعة فيها مع حُكْمِ الدارقطنيِّ (٦) ، أو غيرِهِ من الأئمَّة النُّقَّاد؛ كيحيى القَطَّانِ (٧) ، بل
ج ١ ص ٢٨٧اختلَفَ حُكْمُ أبي حاتمٍ أحيانًا مع حُكْمِ أبي زُرْعة (١) ، وربَّما خالَفَ عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتم أباه (٢) ، بل رُبَّمَا اختلَفَ قولُ الإمامِ الواحدِ منهم في مسألةٍ واحدةٍ (٣) ، وربَّما أَشْكَلَ الأَمْرُ فَتَوَقَّفَ عن الترجيح (٤) .
-
ومن ذلك: حَثُّ طُلَاّبِ عِلْمِ الحديثِ على البُعْدِ عن الأقوالِ الشاذَّةِ وما يجري مَجْرَاهَا من الأقوالِ التي يكونُ الاعتمادُ فيها على خَطَأٍ في فَهْمِ عبارةِ إمام، أو الأخذِ بلازمِ قولِهِ، أو مجاراتِهِ في خطئه، أو نحوِ ذلك؛ مِثْلُ تصحيحِ روايةِ ابنِ لَهِيعة إذا كانتْ مِنْ طريقِ العَبَادلةِ - ومَنْ في حُكْمهم - فإعلالُ أبي حاتمٍ وأبي زُرْعة لأحاديثِ ابنِ لَهِيعة ليس فيها تفريقٌ بين العبادلةِ وغيرهم (٥) .
-
ومِثْلُ الإعلالِ بالتدليسِ، والتشديدِ في العَنْعَنة؛ بخلافِ ما يَذْهَبُ إليه بعضُ المجتهدين من طَلَبَةِ العِلْمِ الذين أَلْصَقُوا بالأئمَّةِ قَبُولَ عَنْعنةِ المدلِّس مطلقًا (٦) ، إلا إذا تبيَّنَ أنه دلَّس تلك الروايةَ.
-
وهذا الكتابُ مليءٌ بالأمثلةِ التي ينبغي لطالبِ عِلْمِ الحديثِ
ج ١ ص ٢٨٨تأمُّلُهَا، واستخراجُ الفوائدِ المتعلِّقةِ بهذه المسألةِ منها (١) .
-
ومن ذلك: بيانُ مَنْهَجِ الأئمَّةِ في التشديدِ في أحاديثِ العقائدِ والأحكام (٢) ، والتساهُلِ في غيرها كالفَضَائِلِ، والرقائقِ، والأدعية (٣) .
-
ومن ذلك: التنبيهُ على أنه ليس كُلُّ متابعةٍ أو شاهدٍ يَرْفَعُ مِنْ درجةِ الحديثِ ويُقَوِّيهِ؛ فَكَمْ مِنَ الأحاديثِ التي لا يَعْتَدُّ فيها أبو حاتمٍ وأبو زُرْعة بمتابعةِ الراوي وإنْ كان غَيْرَ مُتَّهَمٍ، بل ربَّما كان ثقةً أحيانًا؛ لأنهم يَرَوْنَ أنه أخطَأَ (٤) !!
-
ومن ذلك: بيانُ أنه ليس كُلُّ اختلافٍ على راوٍ يُعَدُّ قادحًا، بل مِنَ الرواةِ مَنْ هو مُكْثِرٌ مِنَ الروايةِ، فربَّما رَوَى الحديثَ على وجوهٍ كلُّها صحيحةٌ عنه؛ كقتادةَ، فإنَّ مِثْلَ هذا في حديثِهِ كثيرٌ (٥) .
-
ومن ذلك: أنهم قد يرجِّحون روايةَ راوٍ مُتَكَلَّمٍ فيه خالَفَ عددًا من الثقات، فزاد هو في الإسنادِ رجلاً نَقَصُوهُ، ولم يَقَعِ التصريحُ في روايتِهِمْ بالسماعِ في مَوْضِعِ الزيادةِ، ويُشِيرُونَ إلى ذلك بقولهم أحيانًا:
ج ١ ص ٢٨٩الزيادةُ مِنَ الثقةِ مقبولةٌ (١) .
-
ومن ذلك: بيانُ مَنْهَجِ الأئمَّةِ في الانتخابِ؛ وهو أَخْذُ الغرائبِ، وتَرْكُ المشاهير (٢) .
-
ومن ذلك: بيانُ اختصاصِ بعضِ الأئمَّةِ ببعضِ الشيوخِ، وتَقْدِيمِهِمْ فيهم على أئمَّةٍ آخَرِينَ حالَ الخلافِ؛ مثلُ كَوْنِ عبد الله بنِ المبارك ويحيى بنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ أعلَمَ بحديثِ شُعْبةَ مِنْ وَكِيعِ بنِ الجَرَّاح (٣) .
-
ومن ذلك: أنَّ روايةَ الراوي للحديثِ بِنُزُولٍ قرينةٌ تَدُلُّ على إعلالِ روايةِ مَنْ رواه عنه عاليًا (٤) .
-
ومثله: لو كان الحديثُ عندَ الراوي مرفوعًا لم يَحْتَجْ أن يُحَدِّثَ به موقوفًا؛ لأنَّ هذا يَدُلُّ على إعلالِ الروايةِ المرفوعةِ (٥) .
-
ومن ذلك: الاستدلالُ بمتابعةِ القَرِينِ لقرينِهِ - وهما مِنْ بلدٍ واحد - على أنَّ شيخهما قد قَدِمَ إلى بلدهما؛ وهذا يُغَلِّبُ جانبَ السَّمَاعِ؛ وهذه الفائدةُ مِنْ أنفسِ الفوائد، وهي مستفادةٌ مِنْ سؤالِ ابن أبي حاتم لأبيه (٦) عن سماعِ أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ مِنْ عبد الله بن أبي قتادةَ حين رَوَى عنه، عن ضَمْرَة بنِ عبد الله بْنِ أُنَيس، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النبي (ص) قَالَ: «لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ» ؛ فاستدَلَّ أبو حاتمٍ
ج ١ ص ٢٩٠على سماعِ أبي إسحاق من عبد الله بن أبي قتادة بِكَوْنِ إسماعيلَ بنِ أبي خالد رَوَى هذا الحديثَ أيضًا عن عبد الله بن أبي قتادة؛ فهذا يَدُلُّ على أنَّ ابنَ أبي قتادةَ قَدِمَ الكُوفَةَ التي هي بَلَدُ أبي إسحاقَ وإسماعيلَ بنِ أبي خالد؛ وهذا يَدُلُّ على أنَّ المحدِّثين ينزِّلون المعاصرةَ مع اتِّحَادِ البَلَدِ منزلةَ اللِّقَاء، والله أعلم.
-
ولأَِهَمِّيَّةِ هذا الكتابِ عند الحافظِ محمَّدِ بنِ أحمَدَ بنِ عبد الهادي (ت٧٤٤هـ) ؛ صنَّف كتابًا طُبِعَ بعنوانِ "تعليقةٌ على العِلَلِ لابن أبي حاتمٍ" ؛ ذهَبَ يَشْرَحُ فيه عِلَّةَ الحديثِ الذي يُورِدُهُ ابنُ أبي حاتم؛ بتخريجِهِ مِنْ كتب الحديثِ، ونَقْلِ كلامِ الأئمَّةِ فيه، وفي الرُّوَاةِ، وله أحكامٌ على الأحاديثِ والرُّوَاةِ، مع بعضِ التصويباتِ لبعض الأخطاءِ الواقعةِ في "العِلَلِ" لابن أبي حاتمٍ، وقد استَفَدْنَا مِنْ هذا الكتابِ فوائدَ عديدةً مُثْبَتَةً في مَوَاضِعِهَا (١) .
-
وقد افتتَحَ ابنُ أبي حاتمٍ كتابَهُ هذا بمقدِّمةٍ عن أهميَّةِ عِلْمِ العِلَلِ، ثم ثَنَّى بكتابِ الطهارةِ، ثم الصلاة ... وهكذا؛ مُرَتِّبًا له على أبوابِ الفقه، غير أنه لم يُقَسِّمِ الكتابَ الواحِدَ إلى أبوابٍ، فكتابُ الصلاةِ - مثلاً - استَغْرَقَ في المجلَّد الثاني من (ص٣٦) إلى (ص٥٠٨) ، دون تبويب.
-
وليس هناك ترتيبٌ بين المسائل، غَيْرَ أنه ربَّما سرَدَ عددًا من
ج ١ ص ٢٩١المسائلِ عن شيخٍ واحدٍ كحَمَّاد بن سَلَمة؛ كما صنَعَ في المسائلِ مِنْ رقم (٣٢٦) إلى رقم (٣٣٤) .
-
وكثيرًا ما يَسْرُدُ سؤالاتِهِ لأبيه متتاليةً، وكذا سؤالاته لأبي زُرْعة.
-
وربَّما كرَّر المسألةَ الواحدةَ كما سيأتي في التنبيهات (١) .
-
وربَّما كرَّر بعضَ الأبوابِ، مثلُ قولِهِ في المجلَّد الخامس (ص٣٤٢) : «عِلَلُ أخبارٍ رُوِيَتْ فِي الدعاء» ، فإنَّه كرَّره في المجلَّد السادس (ص٣٣٣) بالعنوان نفسه.
-
وربَّما فرَّق أبوابَ الموضوعِ الواحد، مثلُ قولِهِ في المجلد الرابع (ص٥٧٠) : «عِلَلُ أخبارٍ رُوِيَتْ في القرآنِ وتفسيرِ القرآن» ، وفي المجلَّد السادس (ص٦٣٥) قال: «عِلَلُ أخبارٍ رُوِيَتْ فِي حروفِ القرآن» .
- ج ١ ص ٢٩٣
ب) ِروَايَاتُ "كِتَابِ الْعِلَلِ"
-
وَقَفْنَا على أربعِ رواياتٍ لكتاب "العلل" عن ابن أبي حاتم، وهي على الإجمال:
١) روايةُ أبي بَكْرٍ محمَّد بْن أَحْمَد بْن الفَضْل بن شَهْرَيَارَ الأَرْدَسْتاني.