٩- باب الاستهام في الاذان
١٢٩ فقرة، ج ٥ ص ٢٧٦
الصفحة ١ من ٤
- ج ٥ ص ٢٧٦
ويذكر ان قوما اختلفوا في الاذان، فأقرع بينهم سعد.
قال عبد الله ابن الامام أحمد: ثنا أبي: ثنا هشيم، قال: ابن شبرمة اخبرنا، قال: تشاح الناس بالقادسية على الاذان، فارتفعوا إلى سعد، فأقرع بينهم.
-
وهذا إسناد منقطع.
قال عبد الله ابن الامام أحمد: سألت أبي عن مسجد فيه رجلان يدعيان انهما احق بالمسجد، هذا يؤذن فيه وهذا يؤذن فيه؟ فقال: إذا استووا في الصلاح والورع اقرع بينهما. وكذلك فعل سعد، فان كان احدهما اصلح [في دينه] فينبغي لهم الا يختصموا.
فقلت: وان كان احدهما اسن واقدم في هذا المسجد، ينفق عليه ويحوطه ويتعاهده؟ قال: هذا احق به.
-
ومعنى هذا: انه إذا تشاح في الاذان اثنان، فان امتاز احدهما بمزيد فضل في نفسه فانه يقدم، وهو مراد أحمد بقوله: ((ان كان احدهما اصلح [في دينه] فينبغي لهم الا يختصموا) ) - يعني: أن الأصلح أحق
ج ٥ ص ٢٧٧فلا ينازع -، فإن استووا في الفضل في أنفسهم وامتاز أحدهم بخدمة المسجد وعمارته قدم بذلك وقال أصحابنا: إنه يقدم أحد المتنازعين باختصاصه بصفات الأذان المستحبة فيه، مثل أن يكون أحدهما اندى صوتا وأعلم بالمواقيت ونحو ذلك؛ فإن استووا في الفضائل كلها أقرع بينهم حينئذ، كما فعل سعد.
-
والظاهر: أن مراد أحمد: التنازع في [طلب] الأذان ابتداء، فأمامن ثبت له حق في المسجد، وهو مؤذن راتب فيه، فليس لأحد منازعته، ويقدم على كل من نازعه.
-
وقد نقل الشالنجي عن أحمد ما يبين هذا المعنى:
قال اسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد عن القوم إذا اختلفوا في الأذان فطلبوه جميعاً؟ فقال: القرعة في ذلك حسن.
وقال: ثنا هشيم، عن ابن شبرمة، أن الناس تشاحوا يوم القادسية في الأذان، فأقرع بينهم سعد في ذلك.
قال الشالنجي: قال ابو أيوب - يعني: سليمان بن داود الهاشمي -: إن مات المؤذن وله ولد صالح فهو أحق بالأذان، وإن لم يطلبه، وإن لم يكن بأهل لذلك، وطلبه صلحاء المسجد يقرع بينهم في ذلك.
-
وبه
ج ٥ ص ٢٧٨قال أبو خيثمة - يعني: زهير بن حرب.
وقال ابن أبي شيبة في الأذان: على ما جاء: ((يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله) ) ، وكذلك الأذان.
-
قال الجوزجاني بعد أن ذكر هذا عن الشالجني - ما معناه -: إن اختلاف الناس يرد إلى السنة.
-
ثم روى حديث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ((المؤذن مؤتمن) ) من طرق.
-
وروى حديث حسين بن عيسى، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((ليؤذن لكم خياركم) ) .
-
وقد خرجه ابو داود وابن ماجه.
-
وتكلم فيه من جهة الحسين، والحكم – أيضا.
-
وفي مراسيل صفوان بن سليم، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لبني خطمة من الانصار: ((يابني خطمة، اجعلوا مؤذنكم أفضلكم في انفسكم) ) .
ثم قال الجوزجاني: لا بد ان يكون المؤذن خياراً، وبأن يكون مؤتمناً متبعاً للسنة، فالمبتدع غير مؤتمن. فإن اجتمع هذه الخلال في عدة من اهل المسجد، فإن أحقهم بالأذان أنداهم صوتا.
-
ثم ذكر حديث عبد الله بن زيد، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: ((القه على بلال؛ فإنه أندى صوتا منك) ) . قال: وإنما أظنهما كانا متقاربين في الفضل والامانة، وفضله بلال
ج ٥ ص ٢٧٩بالصوت، فلذلك رآه أحق.
-
فإذا اجتمع رجال في المسجد وعلاهم رجل ببعض هذه الخصال كان أحق بالاذان، وإذا استوت فيها حالاتهم فالقرعة عند ذلك حسن.
-
واشار إلى فعل سعد وعضده بقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لو يعلم الناس ما في النداء، ثم لم يجدوا الا ان يستهموا عليه لا ستهموا) ) .
ثم قال: فأماالاباء والابناء والعصبة في الاذان والامامة، فانا لا نعلم فيه سنة ماضية. والله اعلم. انتهى ما ذكره ملخصاً.
-
وخرج ابو داود من رواية غالب القطان، عن رجل، عن أبيه، عن جده، ان رجلا منهم اتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: ان أبي شيخ كبير، وهو عريف الماء، وانه سألك ان تجعل الي العرافة بعده؟ فقال: ((ان العرافة حق، ولابد للناس من العرفاء، والعرفاء في النار) ) .
-
وهذا إسناد مجهول.
-
ولم يذكر انه جعل العرافة له بمجرد كون أبيه عريفاً، والامامة العظمى لا تستحق بالنسب، ولهذا انكر الصحابة على من بايع لولده.
-
وقال عبد الرحمن بن أبي بكر. جئتم بها هرقلية، تبايعون لابنائكم!
-
وسمع ذلك عائشة والصحابة، ولم ينكروه عليه، فدل على ان البيعة للابناء سنة الروم وفارس، وأماسنة المسلمين فهي البيعة لمن هو افضل واصلح للامة.
-
وما تزعمة الرافضة في ذلك فهو نزعة من نزعات
ج ٥ ص ٢٨٠المشركين في تقديم الاولاد والعصبات.
-
وسائر الولايات الدينية سبيلها سبيل الامامة العظمى في ذلك. والله اعلم.
-
وقد روي ما يستدل به من جعل الاذان للابناء بعد ابائهم.
قال الامام أحمد: ثنا خلف بن الوليد: ثنا الهذيل بن بلال، عن ابن أبي محذورة، عن أبيه - او جده -، قال: جعل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الاذان لنا ولموالينا، والسقاية لبني هاشم، والحجابة لبني عبد الدار.
-
الهذيل بن بلال، ضعفه ابن معين. وقواه الامام أحمد، وابو حاتم.
-
وإسناده مشكوك فيه، ولم يسم ابن أبي محذورة هذا.
-
وخرج الامام أحمد والترمذي من رواية أبي مريم، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((الملك في قريش، والقضاء في الانصار، والاذان في الحبشة) ) .
-
وخرجه الترمذي موقوفاً على أبي هريرة، وقال: هو اصح.
-
وابو مريم هذا، ليس بالمشهور.
-
والمراد بهذا: ان سيد المؤذنين كان من الحبشة، لا انه يتوارثونه بعد بلال، فانه لا يعرف بعده من الحبشة مؤذن.
- ج ٥ ص ٢٨١
وقد يستدل – أيضا - بان ولد أبي محذورة كانوا يتوارثون الاذان بمكة مدة طويلة، وكذلك اولاد سعد القرظ بالمدينة.
-
وروى الدارقطني بإسناده عن سعد القرظ، ان عمر دعاه، فقال له: الاذان اليك وإلى عقبك من بعدك.
-
وفي الإسناد ضعف.
قال الشافعي – رحمه الله - وأصحابه: يستحب ان يكون المؤذن مولد بعض من جعل بعض الصحابة الاذان فيهم، ثم الاقرب اليهم فالاقرب.
وقال الشافعي - أيضا -: إذا تنازع جماعة في الاذان، ولم يكن للمسجد مؤذن راتب اقرع بينهم، وكذا إذا كان له مؤذنون، وتنازعوا في الابتداء، او كان المسجد صغيراً، وادى اختلاف اصواتهم إلى تهويش، فيقرع، ويؤذن من خرجت له القرعة، أماإذا كان هناك راتب، ونازعه غيره، قدم الراتب، وان كان جماعة مرتبون، وامكن اذان كل واحد في موضع من المسجد؛ ولكبره، اذن كل واحد وحده، وان كان صغيراً، ولم يؤد اختلاف اصواتهم إلى تهويش اذنوا جملة واحدة.
-
وهذا كله إذا كان التشاح رغبة في فضله وثوابه، فان كان رغبة في الرياسة والتقدم فينبغي ان يؤخر من قصد ذلك ولا يمكن منه، كما قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((انا لا نولي عملنا هذا من طلبه او حرص عليه) ) .
قال سيفان الثوري: إذا رايت الرجل حريصاً على الامامة فأخره.
- ج ٥ ص ٢٨٢
وكذلك إذا كان غرضه اخذ العوض الذي يعطاه اهل الاذان في هذه الازمان، أماممن بيت المال - وقد عدم ذلك -، او من الوقف.
-
فان تشاح اثنان: احدهما غرضه ثواب الاذان، والاخر غرضه غرض الدنيا، فلا شك في ان الاول احق.
-
وقد قال عثمان بن أبي العاص: ان من اخر ما عهد إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ان اتخذ مؤذناً لا يأخذ على اذانه اجراً.
-
اخرجه الامام أحمد وابو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.
وقال: حسن، والعمل عليه عند اهل العلم، كرهوا ان يأخذوا على الاذان اجراً، واستحبوا للمؤذن ان يحتسب في اذانه.
-
وروى ابو نعيم: ثنا عمارة بن زاذان، عن يحيى البكاء، قال: كنت اطوف مع سعيد بن جبير، فمر ابن عمر، فاستقبله رجل من مؤذني الكعبة، فقال ابن عمر: والله، اني لابغضك في الله؛ لاخذ الدارهم.
قال: وثنا المسعودي، عن القاسم - هو: ابن عبد الرحمن -، قال: كان يقال: اربع لا يؤخذ عليهن رزق: قراءة القرآن، والاذان، والقضاء، والمقاسم.
- ج ٥ ص ٢٨٣
وروى وكيع في ((كتابه) ) عن عمارة بن زاذان، عن يحيى البكاء، ان ابن عمر قال له رجل في الطواف من مؤذني الكعبة: اني لاحبك في الله. قال: واني لابغضك في الله؛ لتحسينك صوتك لاجل الدراهم.
قال: معاوية بن قرة: لا يؤذن الا محتسب.
-
وروى ابن أبي شيبة: ثنا ابن نمير، عن حلام بن صالح، عن فائد بن بكير، قال: خرجت مع حذيفة إلى المسجد صلاة الفجر، وابن النباح مؤذن الوليد بن عقبة يؤذن، وهو يقول: الله اكبر الله اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان لا اله الا الله، يهوي بأذانه يمينا وشمالاً. فقال حذيفة: من يرد الله ان يجعل رزقه في صوته فعل.