٤٠ - باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله
٣٦ فقرة، ج ٦ ص ٨٣
- ج ٦ ص ٨٣
فِيهِ حديثان:
- الأول:
- ج ٦ ص ٨٣
٦٦٦ – حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف: أنا مَالِك، عَن نَافِع، أن ابن عُمَر أذن بالصلاة فِي ليلة ذات برد وريح، ثُمَّ قَالَ: ألا صلوا فِي الرحال، ثُمَّ قَالَ: إن رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يأمر المؤذن إذا كَانَتْ ليلة برد ومطر يَقُول: ((ألا صلوا فِي الرحال) ) .
-
قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ((بَاب: الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة) ) ، خرجه البخاري هناك من رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر، عَن نَافِع، قَالَ: أذن ابن عُمَر فِي ليلة باردةٍ بضجنان، ثُمَّ قَالَ صلوا فِي رحالكم، وأخبرنا أن رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يأمر مؤذناً يؤذن، ثُمَّ يَقُول عَلَى أثره: ((ألا صلوا فِي الرحال فِي الليلة الباردة أو المطيرة فِي السفر) ) .
-
ففي هذه الرواية: أن ذَلِكَ كَانَ فِي السفر، وأنه كَانَ فِي الليلة الباردة أو المطيرة.
-
وليس ذكر السفر فِي رِوَايَة مَالِك، وفي روايته: إذا كَانَتْ ليلة ذات برد ومطر.
-
وظاهرة: الجمع بَيْن البرد والمطر فِي ليلة
ج ٦ ص ٨٤واحدة.
-
وروى ابن إسحاق هَذَا الحَدِيْث، عَن نَافِع، عَن ابن عُمَر، قَالَ: نادى منادي رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذاك فِي المدينة فِي الليلة المطيرة، أو الغداة القرة.
-
خرجه أبو داود.
-
ولا نعلم ذكر المدينة فِي حَدِيْث ابن عُمَر فِي هذه الرواية، ورواية عُبَيْدِ الله أصح.
-
وأكثر أهل العلم عَلَى أن المطر والطين عذر يباح مَعَهُ التخلف عَن حضور الجمعة والجماعات، ليلاً ونهاراً.
قَالَ الترمذي: قَدْ رخص أهل العلم فِي القعود عَن الجماعة والجمعة فِي المطر والطين. وسمى منهم: أحمد وإسحاق.
-
وحكاه بعض أصحابنا عَن جمهور العلماء.
-
وحكي عَن مَالِك: أن المطر ليس بعذر فِي ترك الجمعة خاصة.
-
وروي نحوه عَن نَافِع مَوْلَى ابن عُمَر.
وَقَالَ سُفْيَان الثوري: لا يرخص لأحد فِي ترك الجمعة إذا كَانَ فِي مصر يجمع فِي، إلا لمرض مضن، أو خوف مقطع.
-
وحكي عَن أحمد رِوَايَة أخرى: أن المطر والوحل ليس بعذر فِي الحضر، إنما هُوَ عذر فِي السفر؛ لأن الأحاديث الصحيحة إنما جاءت بذلك فِي السفر، كحديث ابن عُمَر، وفي ((صحيح مُسْلِم) ) من حَدِيْث جابر – نحوه،
ج ٦ ص ٨٥وليس فِي الحضر إلا حَدِيْث ابن إِسْحَاق المتقدم، وحديث يروى عَن نعيم النحام، وقد ذكرناه فِي ((أبواب: الأذان) ) ، وفي إسناده مقال.
-
ومقتضى هَذَا القول: أن الجمعة لا يباح تركها بذلك؛ لأنها لا تكون إلافي الحضر، ولكن قَدْ روي عَن جماعة من الصَّحَابَة أَنَّهُ يعذر فِي ترك الجمعة بالمطر والطين. منهم: ابن عَبَّاس وعبد الرحمان بْن سمرة وأسامة بن عمير والد أَبِي المليح، ولا يعرف عَن صحابي خلافهم، وقولهم أحق أن يتبع.
-
وروى هِشَام، عَن قتدة، قَالَ: قَالَ مُحَمَّد بْن سيرين: مَا كَانَ يختلف إذا كَانَ يوم الجمعة فِي يوم مطر فِي الرخصة للرجل أن يجلس عَن الجمعة فِي بيته.
-
خرجه الفريابي فِي ((كِتَاب الصلاة) ) .
-
وذكر ابن المنذر: أن المطر عذر فِي الليلة المطيرة.
-
وهذا يفهم مِنْهُ أَنَّهُ لا يكون عذراً فِي النهار؟ لأن حَدِيْث ابن عُمَر إنما فِيهِ ذكر الليل.
-
ولكن رَوَى قتادة، عَن أَبِي المليح بْن أسامة، عَن أَبِيه، أن يوم حنين كَانَ يوم مطر، فأمر رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مناديه: أن الصلاة فِي الرحال.
-
وخرجه أبو داود – أَيْضاً – من طريق أَبِي قلابة، عَن أَبِي المليح، عَن أَبِيه، أَنَّهُ شهد مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زمان الحديبية فِي يوم جمعة، وأصابهم مطر لَمْ يبل أسفل نعالهم، فأمرهم أن يصلوا فِي رحالهم.
-
وخرجه الإمام أحمد من حَدِيْث شعبة، عَن عَمْرِو بْن أوس، عَن رَجُل، حدثه مؤذن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: نادى منادي رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يوم مطر: صلوا فِي الرحال.
-
وروي من حَدِيْث نعيم النحام، أن ذَلِكَ كَانَ فِي أذان الصبح، وقد سبق ذكره.
-
ولأن الصَّحَابَة جعلوا المطر والطين عذراً فِي ترك الجمعة، والجمعة إنما تقام نهاراً، فعلم أن ذَلِكَ عندهم عذر فِي الليل والنهار.
-
وقد روي فِي حَدِيْث مرسل، خرجه وكيع عَن المغيرة بْن زياد، عَن عَطَاء، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي سفر، فأصابهم مطر، فصلى بالناس فِي
ج ٦ ص ٨٧رحالهم، وبلال يسمع النَّاس التكبير.
-
وَهُوَ مرسل.
-
وَهُوَ يدل عَلَى أنهم صلوا جماعة، لكن كل إنسان صلى فِي رحله، وهذا غريب جداً.
-
وأما الريح الشديدة الباردة، فَقَالَ أصحابنا: هِيَ عذر فِي ترك الجماعة فِي الليلة المظلمة خاصة.
- الحَدِيْث الثاني:
- ج ٦ ص ٨٧
٦٦٧ – حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِك، عَن أَيْنَ شِهَاب، عَن محمود بْن الربيع الأنصاري، أن عتبان بْن مَالِك كَانَ يؤم قومه أعمى، وأنه قَالَ لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا رَسُول الله، إنها تكون الظلمة السيل، وأنا رَجُل ضرير البصر، فصل يَا رَسُول الله فِي بيتي مكاناً أتخذه مصلى. فجاءه رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: ((أين تحب أن أصلي؟) ) فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فِيهِ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ((بَاب: المساجد فِي البيوت) ) ، من ((أبواب: المساجد) ) .
-
وخرجه البخاري هناك بسياق مطول، من حَدِيْث عقيل، عَن الزُّهْرِيّ، وتكلمنا هناك عَلَى فوائد الحَدِيْث بما فِيهِ كفاية – إن شاء الله – وذكر الكلام عَلَى التخلف عَن حضور المسجد للعمى وللسيول والظلمة.
-
ولا ريب أن من كَانَ بصره ضعيفاً، وفي طريقه سيول، فإنه معذور فِي
ج ٦ ص ٨٨الخروج إلى المسجد ليلاً؛ فإنه ربما خشي عَلَى نفسه التلف، والجماعة يسقط حضورها بدون ذَلِكَ.
-
وذكرنا هناك حَدِيْث ابن أم مكتوم، وأن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يرخص لَهُ فِي التخلف عَن المسجد، مَعَ كونه ضريراً ولا يجد قائداً يلائمه، ويخشى فِي طريقه الهوام، ووجه الجمع بَيْن الحديثين بما فِيهِ كفاية.