٣٩ - باب حد المريض أن يشهد الجماعة
٩٩ فقرة، ج ٦ ص ٦٧
الصفحة ١ من ٣
- ج ٦ ص ٦٧
قوله: ((حد المريض) ) ضبطه جماعة بالجيم المكسورة، والمعنى: اجتهاد المريض أن يشهد الجماعة، ومنهم من ضبطه بالحاء المهملة المفتوحة، وفسره بالعزم والحرص.
-
ابتدأ البخاري - رحمه الله - فِي ذكر الأعذار الَّتِيْ يباح معها التخلف عَن شهود الجماعة، فمنها: المرض، وَهُوَ عذر مبيح لترك الجماعة، ولهذا أمر النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبا بَكْر أن يصلي بالناس، وإنما خرج إلى الصلاة لما وجد من نفسه خفة.
-
وخروج المريض إلى المسجد ومحاملته أفضل، كما خرج النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يهادى بَيْن رجلين.
-
وقد قَالَ ابن مَسْعُود: ولقد كَانَ الرَّجُلُ يهادي بَيْن رجلين حَتَّى يقام فِي الصف.
-
ومتى كَانَ المريض لا يقدر عَلَى المشي إلى المسجد، وإنما يقدر أن يخرج محمولاً لَمْ يلزمه الخروج إلى الجماعة.
-
ولو وجد الزمن من يتطوع بحمله لَمْ تلزمه الجماعة، وفي لزوم الجمعة لَهُ بذلك وجهان لأصحابنا.
قَالَ ابن المنذر: ولا أعلم اختلافاً بَيْن أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عَن الجماعات من أجل المرض.
- ج ٦ ص ٦٨
خرج البخاري فِي هَذَا الباب حَدِيْث عَائِشَة فِي مرض النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من طريقين:
الأول:
قَالَ:
ج ٦ ص ٦٨٦٦٤ – حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص بْن غياث: ثنا أَبِي: ثنا الأعمش، عَن إِبْرَاهِيْم، عَن الأسود، قَالَ: كنا عِنْدَ عَائِشَة، فذكرنا المواظبة عَلَى الصلاة، والتعظيم لها. قَالَتْ: لما مرض النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرضه الَّذِي مات فِيهِ، فحضرت الصلاة، فأوذن، فَقَالَ: ((مروا أبا بَكْر فليصل بالناس) ) . فَقِيلَ لَهُ: إن أبا بَكْر رَجُل أسيف، إذا قام مقامك لَمْ يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد، فأعادوا لَهُ، فأعاد الثالثة، فَقَالَ: ((إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بَكْر فليصل بالناس) ) . فخرج أبو بَكْر فصلى، فوجد النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من نفسه خفة، فخرج يهادى بَيْن رجلين، حَتَّى كأني أنظر إلى رجليه تخطان الأرض من الوجع، فأراد أبو بَكْر أن يتأخر، فأوما إليه النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن مكانك.
-
ثُمَّ أتي بِهِ حَتَّى جلس إلى جنبه.
-
فَقِيلَ للأعمش: وكان النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي وأبو بَكْر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر؟ فَقَالَ برأسه: نَعَمْ.
-
روى أبو داود، عَن شعبة، عَن الأعمش بعضه.
- ج ٦ ص ٦٩
وزاد أبو معاوية: جلس عَن يسار أَبِي بَكْر، فكان أبو بَكْر يصلي قائماً.
قَالَ الخطابي: الأسيف: الرقيق القلب، الَّذِي يسرع إليه الأسف والحزن.
قَالَ: ويهادى: يحمل، يعتمد عَلَى هَذَا مرة وعلى هَذَا مرة.
قَالَ: وقوله: ((صواحبات يوسف) ) يريد النسوة اللاتي فتنه وتعنتنه.
-
انتهى.
-
وكانت عَائِشَة هِيَ الَّتِيْ أشارت بصرف الإمامة عَن أَبِي بَكْر؛ لمخافتها أن يتشاءم النَّاس بأول من خلف رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الإمامة، فكان إظهارها لرقة أَبِي بَكْر خشية أن لا يسمع النَّاس توصلاً إلى مَا تريده من صرف التشاؤم عَن أبيها. ففيه نوع مشابهة لما أظهره النسوة مَعَ يوسف عَلِيهِ السلام مِمَّا لا حقيقة لَهُ توصلاً إلى مرادهن.
-
وكان قصد النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تقديم أَبِي بَكْر عَلَى النَّاس فِي أهم أمور الدين حَتَّى تكون الدنيا تبعاً للدين فِي ذَلِكَ.
-
وفي الحَدِيْث: دليل عَلَى أن تخلف النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن الخروج اولاً لشدة الوجع عَلِيهِ، فأنه لَمْ يمكنه الخروج بالكلية، فلما وجد من نفسه خفة فِي الألم خرج محمولاً بَيْن
رجلين، يعتمد عَلَيْهِمَا ويتوكأ، ورجلاه تخطان الأرض، فَلَمْ يستطع أن يمشي برجليه عَلَى الأرض لقوة وجعه، بل كَانَ يحمل حملاً.
-
ولما رأى أبو بَكْر النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ خرج أراد أن يتأخر تأدباً مَعَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأومأ إليه النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن مكانك، أي: اثبت مكانك،
ج ٦ ص ٧٠ثُمَّ أتي بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أجلس إلى جانب أَبِي بَكْر.
-
وليس فِي هذه الرواية تعيين الجانب الَّذِي أجلس النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ من أَبِي بكرٍ: هَلْ هُوَ جانبه الأيمن أو الأيسر؟ وقد ذكر البخري أن أبا معاوية زاد فِي حديثه عَن الأعمش: ((فجلس عَن يسار أَبِي بَكْر) ) .
-
وقد خرج البخاري فيما بعد عَن قتيبة، عَن أَبِي معاوية كذلك.
-
وخرجه – أَيْضاً – من رِوَايَة عَبْد الله بْن داود الخريبي، عَن الأعمش، ولفظه: فتأخر أبو بَكْر، وقعد النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى جنبه، وأبو بَكْر يسمع النَّاس التكبير.
-
[وذكر] أن محاضر بْن المورع رواه الأعمش كذلك.
-
وخرجه مُسْلِم من رِوَايَة زكيع وأبي معاوية، كلاهما عَن الأعمش، وفي حَدِيْث أَبِي معاوية عنده: فجاء رَسُول الله حَتَّى جلس عَن يسار أَبِي بَكْر.
-
وخرجه – أَيْضاً – من طريق عَلِيّ بْن مسهر وعيسى بْن يونس، كلاهما عَن الأعمش، وفي حديثهما: فأتي برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أجلس إلى جنبه.
-
وخرج إِسْحَاق بْن راهويه فِي ((مسنده) ) ، عَن وكيع، عَن الأعمش
ج ٦ ص ٧١هَذَا الحَدِيْث، وَقَالَ فِيهِ: فجاء النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى جلس عَن يمين أَبِي بَكْر، يقتدي بِهِ، والناس يقتدون بأبي بَكْر.
-
وهذه زيادة غريبةُ.
-
وقد خرج الحَدِيْث الإمام أحمد فِي ((مسنده) ) ، عَن وكيع، ولم يذكر فِيهِ ذَلِكَ، بل قَالَ فِي حديثه: فجاء النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى جلس إلى جنب أَبِي بَكْر، فكان أبو بَكْر يأتم بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والناس يأتمون بأبي بَكْر.
-
وأما ذكر جلوسه عَن يسار أَبِي بَكْر، فتفرد بذلك أبو معاوية عَن الأعمش، وأبو معاوية وإن كَانَ حافظاً لحديث الأعمش خصوصاً، إلا أن ترك أصْحَاب الأعمش لهذه اللفظة عَنْهُ توقع الريبة فيها، حَتَّى قَالَ الحافظ أبو بَكْر بْن مفوز المعافري: إنها غير محفوظة، وحكاه عَن غيره من العلماء.
-
وأما رِوَايَة أَبِي داود الطيالسي، عَن شعبة، عَن الأعمش لبعض هَذَا الحَدِيْث، كما أشار إليه البخاري فإنه رَوَى بهذا الإسناد عَن عَائِشَة، قَالَتْ: من النَّاس من يَقُول: كَانَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصف، ومنهم من يَقُول: كَانَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المقدم.
قَالَ البيهقي: هكذا رواه الطيالسي، عَن شعبة، عَن الأعمش، وراية الجماعة عَن الأعمش كما تقدم [عَلَى الإثبات والصحة] .
ج ٦ ص ٧٢قُلتُ: قَدْ رَوَى غير واحد عَن شعبة، عَن الأعمش، عَن إِبْرَاهِيْم، عَن الأسود، عَن عَائِشَة، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى خلف أَبِي بَكْر قاعداً.
-
وأما مَا ذكره حفص بْن غياث فِي روايته عَن الأعمش، أَنَّهُ قيل للأعمش: فكان النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي وأبو بَكْر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر، فأشار برأسه: نَعَمْ، فإنه يشعر بأن هذه الكلمات ليست من الحَدِيْث الَّذِي أسنده الأعمش، عَن إِبْرَاهِيْم، عَن الأسود، عَن عَائِشَة، بل هِيَ مدرجة، وقد أدرجها أبو معاوية ووكيع فِي حديثهما عَن الأعمش.
-
ورواه [عَن همام] ، عَن الأعمش، فَلَمْ يذكر فِيهِ هَذَا الكلمات بالكلية، وهذا – أَيْضاً – يشعر بإدراجها.
-
وقد رَوَى عُرْوَةَ، عَن عَائِشَة، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه، فكان يصلي بهم. قَالَ عُرْوَةَ: فوجد رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من نفسه خفة فخرج – فذكر معنى ذَلِكَ – أَيْضاً.
-
وهذا مدرج مصرح بإدراجه، وقد خرجه البخاري فيما بعد كذلك.
-
وروى الإمام أحمد: حَدَّثَنَا شبابة: ثنا شعبة، عَن سعد بْن إِبْرَاهِيْم، عَن عُرْوَةَ، عَن عَائِشَة، قَالَتْ: قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مرضه: ((مروا أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس) ) – وذكر الحَدِيْث، وفي آخره: فصلى أبو بَكْر، وصلى رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلفه قاعداً.
- ج ٦ ص ٧٣
ولو كَانَتْ هذه الكلمات الَّتِيْ ذكرها الأعمش فِي حديثه فِي هَذَا الحَدِيْث عَن عَائِشَة، فكيف كَانَتْ تَقُول: من النَّاس من يَقُول: كَانَ أبو بَكْر المقدم بَيْن يدي رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصف، ومنهم من يَقُول: كَانَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المقدم.
-
وكذلك قَالَ ابن أخيها الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فقيه المدينة.
قَالَ عُمَر بْن شبة فِي ((كِتَاب أخبار المدينة) ) : حَدَّثَنَا زيد بْن يَحْيَى أبو الحسين: ثنا صخر بْن جويرية، عَن عَبْد الرحمان بْن الْقَاسِم، أن رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى صلاة الصبح فِي اليوم الَّذِي مات فِيهِ فِي المسجد، جَاءَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بَكْر يصلي فجلس عِنْدَ رجليه، فمن النَّاس من يَقُول: كَانَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ المتقدم، وعظم الناس يقولون كَانَ أبو بَكْر هُوَ المتقدم.
قَالَ عُمَر بْن شبة: اختلف النَّاس فِي هَذَا، فَقَالَ بعضهم: صلى النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلف أَبِي بَكْر. وَقَالَ أخرون: بل كَانَ أبو بَكْر يأتم بتكبير النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويأتم النَّاس بتكبير أَبِي بَكْر.
وَقَالَ أبو بَكْر بْن المنذر: اختلفت الأخبار فِي صلاة النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ خلف أبي بَكْر، ففي بعض الأخبار: أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى بالناس.
-
وفي بعضها: أن أَبَا بَكْر كَانَ المقدم. وقالت عَائِشَة: صلى رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلف أبي بَكْر فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ. انتهى.
-
وهذا المروي عَن عَائِشَة، ان النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه مِمَّا يدل عَلَى أن هذه الألفاظ فِي آخر حَدِيْث الأعمش مدرجة، ليست من حَدِيْث عَائِشَة.
-
وقد رَوَى شبابة، عَن شعبة، عَن نعيم بْن أَبِي هند، عَن أَبِي وائل،
ج ٦ ص ٧٤عَن مسروق، عَن عائشة، قَالَتْ: صلى النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ.
-
خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان فِي ((صحيحه) ) .
وَقَالَ الترمذي: حسن صحيح.
-
وخرجه الإمام أحمد والنسائي من رِوَايَة بَكْر بْن عيسى، عَن شعبة بهذا الإسناد، عَن عَائِشَة، أن أَبَا بَكْر صلى بالناس والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصف.
-
وقد رجح الإمام أحمد رِوَايَة بَكْر بْن عيسى عَلَى رِوَايَة شبابة، وذكر أنها مخالفة لها.