٦١ - باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود
٣٦ فقرة، ج ٦ ص ٢١٧
- ج ٦ ص ٢١٧
٧٠٢ – حَدَّثَنَا أحمد بن يونس: ثنا زهير: ثنا إِسْمَاعِيل: سَمِعْت قيساً قَالَ: أخبرني أبو مَسْعُود، أن رجلاً قَالَ: والله يَا رَسُول الله، إني لأتأخر عَن صلاة الغداة من أجل فلان مِمَّا يطيل بنا. فما رأيت رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي موعظة أشد غضباً مِنْهُ يومئذ، ثُمَّ قَالَ: ((إن منكم منفرين، فأيكم مَا صلى بالناس فليتجوز؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة) ) .
-
فِي هَذَا الحَدِيْث: أن الإمام مأمور بالتخفيف خشية الإطالة عَلَى من خلفه؛ فإنه لا يخلو بعضهم من عذر كالضعيف والكبير وذي الحاجة.
-
وهذا يدل عَلَى أن الأمر بالتخفيف إنما يتوجه إلى إمام يصلي فِي مسجد يغشاه النَّاس.
قَالَ حَنْبل بن إِسْحَاق: قالو أبو عَبْد الله – يعني: أحمد -: إذا كَانَ المسجد عَلَى قارعة الطريق أو طريق يسلك فالتخفيف أعجب إلي، فإن كَانَ مسجداً يعتزل أهله ويرضون بذلك فلابأس، وأرجو – إن شاء الله.
وقالت طائفة: عَلَى الإمام أن يخفف بكل حال.
-
ورجحه ابن عَبْد البر، قَالَ: لأنه وإن علم قوة من خلفه، فإنه لا يدري مَا يحدث بهم
ج ٦ ص ٢١٨من آفات بني آدم. وذكر أن تطويل الإمام غير جائز، وأنه يلزمه النخفيف.
وَقَالَ عَبْد الله بن أحمد: سألت أَبِي عَن الحَدِيْث الَّذِي جَاءَ عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صلاته، قَالَ: ((وكان قيامه وركوعه وسجوده وقعوده بَيْن السجدتين قريباً من السواء) ) : مَا تفسير ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أحب إلي أن يخفف، ولا يشق عَلَى من خلفه، وقد روي عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التخفيف أحاديث.
قَالَ أبو بَكْر عَبْد العزيز بن جَعْفَر من أصحابنا: قَدْ يجوز أن يكون رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعمل ذَلِكَ فِي نفسه إذا كَانَ مصلياً، وقد أمر أئمته بالتخفيف، فيتوجه الحديثان عَلَى معنيين.
-
كذا قَالَ: وفيه نظر؛ فإن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يخفف ويوجز ويتم الصلاة، فَلَمْ يكن يفعل خلاف مَا أمر بِهِ الأئمة.
-
وليس فِي حَدِيْث أَبِي مَسْعُود الَّذِي خرجه هاهنا مَا يدل عَلَى مَا بوب عَلِيهِ من تخفيف القيام وإتمام الركوع والسجود، وقد خرج فيما بعد حَدِيْث أَنَس، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يوجز ويتم.
-
وقد رويت أحاديث فِي التخفيف مَعَ إتمام الركوع والسجود، وهي مطابقة لترجمة هَذَا الباب، لكن ليست عَلَى شرط هَذَا ((الكتاب) ) .
-
فخرج الإمام أحمد من حَدِيْث مَالِك بن عَبْد الله الخثعمي، قَالَ: غزوت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَمْ أصل خلف إمام كَانَ أوجز مِنْهُ صلاة فِي تمام الركوع والسجود.
- ج ٦ ص ٢١٩
ومن حَدِيْث عدي بن حاتم، قَالَ: من أمنا فليتم الركوع والسجود؛ فإن
فينا الضعيف والكبير والمريض والعابر السبيل وذا الحاجة، هكذا كنا نصلي مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وخرجه الطبراني، ولفظه: أن عدي بن حاتم خرج إلى مجلسهم، فأقيمت الصلاة فتقدم إمامهم، فأطال الصلاة والجلوس , فلما انصرف قَالَ: من أَمنا منكم فليتم الركوع والسجود؛ فإن خلفه الصغير والكبير والمريض وابن السبيل وذا الحاجة , فلما حضرت الصلاة تقدم عدي فأتم الركوع والسجود، وتجوز فِي الصلاة، فلما انصرف قَالَ: هكذا كنا نصلي خلف النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وخرج الطبراني وغيره من حَدِيْث نَافِع بن خَالِد الخزاعي: حَدَّثَنِي أَبِي – وكان من أصْحَاب الشجرة – أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذا صلى والناس ينظرون صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود.
-
فَقَدْ ثبت أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذا صلى بالناس فإنه يخفف عنهم، وإذا صلى لنفسه يطول.
-
وفي ((مسند الإمام أحمد) ) عَن أَبِي واقد الليثي، قَالَ: كَانَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخف النَّاس صلاة بالناس، وأطول النَّاس صلاة لنفسه.
-
فالصلاة الَّتِيْ كَانَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصليها بالناس هِيَ النخفيف الَّذِي أمر بِهِ غيره، وإنما أنكر عَلَى من طول تطويلاً زائداً عَلَى ذَلِكَ، فإن معاذ بن جبل كَانَ يصلي مَعَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة صلاة العشاء، وكان النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ج ٦ ص ٢٢٠يؤخرها كثيراً، كما سبق ذكره فِي (المواقيت) ) ، ثُمَّ ينطلق إلى قومه فِي بني سَلَمَة فيصلي بهم، وقد استفتح حينئذ بسورة البقرة، فهذا هُوَ الَّذِي أنكره عَلَى معاذ.
-
ويشهد لهذا: حَدِيْث ابن عُمَر، قَالَ: كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليأمرنا بالتخفيف، وإن كَانَ ليؤمنا بالصافات.
-
خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة فِي ((صحيحه) ) .
-
والمراد: أن التخفيف المأمور بِهِ هُوَ مَا كَانَ يفعله، ومن كَانَ يفهم أَنَّهُ كَانَ يفعل خلاف مَا أمر بِهِ – كما أشعر بِهِ تبويب النسائي – فَقَدْ وهم.
-
وفي ((صحيح مُسْلِم) ) عَن سماك، قَالَ: سألت جابر بن سمرة عَن صلاة النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: كَانَ يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء. قَالَ: وأنبأني أن رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يقرأ فِي الفجر بـ ((قاف والقرآن المجيد) ) ، ونحوها من السور.
-
وخرجه الحَاكِم، ولفظه: كَانَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي نحواً من صلاتكم، ولكنه يخفف الصلاة، كَانَ يقرأ فِي الفجر بالواقعة ونحوها من السور.
-
فصرح بأن تخفيفه هُوَ قرءاته بهذه السورة.
-
وروى عَبْد الجبار بن العباس، عَن عمار الدهني، عَن الأعمش، عَن إبراهيم التيمي، قَالَ: كَانَ أَبِي ترك الصلاة مَعَنَا، قَالَ: إنكم تخففون.
ج ٦ ص ٢٢١قُلتُ: فأين قَوْلِ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إن فيكم الكبير والضعيف وذا الحاجة؟) ) فَقَالَ: قَدْ سَمِعْت عَبْد الله بن مَسْعُود يَقُول ذَلِكَ، ثُمَّ صلى ثَلَاثَة اضعاف مَا تصلون.
-
خرجه ابن خزيمة فِي ((صحيحه) ) والطبراني.
-
وروى مَالِك بن مغول، عَن الحكم، عَن إِبْرَاهِيْم التيمي، عَن أَبِيه، أَنَّهُ كَانَ يتخلف عَن الصلاة، فَقِيلَ لَهُ. فَقَالَ: إنكم تخففون. فَقِيلَ: أليس قَدْ كَانَ يؤمر بذلك؟ قَالَ: إن الَّذِي كَانَ عليهم خفيفاً عليكم ثقيل.
-
واعلم؛ أن التخفيف أمر نسبي، فَقَدْ تكون الصلاة خفيفة بالنسبة إلى مَا هُوَ أخف مِنْهَا، فالتخفيف المأمور بِهِ الأئمة هُوَ الَّذِي كَانَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله إذا أم، فالنقص مِنْهُ ليس بتخفيف مشروع، والزيادة عَلِيهِ إن كَانَ مِمَّا فعله الخُلَفَاء الراشدون كتطويل القرءة فِي صلاة الصبح، عَلَى مَا كَانَ يفعله – أحيانا – أبو بَكْر وعمر فليس بمكروه، نَصَّ عَلِيهِ الإمام أحمد غيره. وسيأتي ذَلِكَ فِي موضعه – إن شاء الله تعالى.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي ((الأم) ) : أحب أن يبدأ الراكع فيقول: سبحان ربي العظيم – ثلاثاً -، ويقول كل مَا حكيت عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يقوله – يعني: حَدِيْث عَلِيّ – قَالَ: وكل مَا قَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ركوع أو سجود أحببت
ج ٦ ص ٢٢٢أن لا يقصر عَنْهُ، إماماً كَانَ أو منفرداً، وَهُوَ تخفيف لا تثقيل. انتهى كلامه.
-
فَقَدْ كَانَ حدث بعد النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من تخفيف الصلاة من الأئمة تخفيفاً، وقد حكي ذَلِكَ عَن أهل الكوفة، وحدث من يطيل الصلاة عَلَى صلاة النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إطالة زائدة، وكان ذَلِكَ فِي أهل الشام وأهل المدينة – أَيْضاً -، وكان السلف ينكرون عَلَى الطائفتين، وقد ذكرنا إنكار يزيد التيمي – وكان من أعيان التابعين – عَلَى من خفف الصلاة من أئمة الكوفة، وكان ابن عُمَر وغيره ينكرون عَلَى من أطال الصلاة إطالة زائدةً عَلَى صلاة النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
ففي ((مسنده الإمام أحمد) ) عَن عطية، عَن ابن عُمَر، قَالَ: سجدة من سجود هؤلاء مثل ثلاث سجدات من سجود النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وعن حيان البارقي، قَالَ: قيل لابن عُمَر: إن إماما يطيل الصلاة.
فَقَالَ: ركعتين من صلاة رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخف – أو مثل ركعة – من صلاة هَذَا.
- ج ٦ ص ٢٢٣
وروى ابن أَبِي عاصم فِي ((كِتَاب السنة) ) من رِوَايَة سَالِم بن حذلم؛ قَالَ: رآني ابن عمر أصلي، فلما انصرفت قَالَ لِي: ممن أنت؟ قُلتُ: من أهل الشام. قَالَ: إنكم أهل الشام تصلون الصلاة وتكثرون من الدعاء، وإني لَمْ أصل خلف أحد أخف صلاة فِي تمام من رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وفي ((المسند) ) عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد، عَن أَبِيه، قَالَ: رأيت أَبَا هُرَيْرَةَ صلى صلاة تجوز فيها، فَقُلْت لَهُ: هكذا كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي؟ قَالَ: نَعَمْ، وأوجز.
-
وفي رِوَايَة: ((أو أوجز) ) .
-
وفي رِوَايَة – أَيْضاً -: قَالَ: وكان قيامه قدر مَا ينزل المؤذن من المنارة ويصل إلى الصف.
-
وفي بعض الروايات لهذا الحَدِيْث: أن أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يؤم النَّاس بالمدينة فيخفف.
-
وفي ((المسند) ) – أَيْضاً -: عَن أَنَس بن مَالِك، قَالَ: لَقَدْ كنا نصلي مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة، لَوْ صلاها أحدكم اليوم لعبتموها عَلِيهِ. فَقَالَ لَهُ رَجُل: ألا تذكر ذَلِكَ لأميرنا – والأمير عُمَر بن عَبْد العزيز –؟ فَقَالَ: قَدْ فعلت.
-
وفي رِوَايَة فِي غير ((المسند) ) بعد قوله: ((لعبتموها عَلِيهِ) ) : ((يعني: فِي
ج ٦ ص ٢٢٤التخفيف)) .
-
وروي عَن عُمَر بن الخَطَّاب، قَالَ: أيها النَّاس، لا تبغضوا الله إلى عباده. فَقَالَ قائل منهم: وكيف ذَلِكَ؟ قَالَ: يكون الرَّجُلُ إماماً للناس، يصلي بهم، فلا يزال يطول عليهم حَتَّى يبغض إليهم مَا هم فِيهِ.
-
خرجه ابن عَبْد البر.